الخميس 2022/06/23

آخر تحديث: 12:54 (بيروت)

الموسيقى التصويرية

الخميس 2022/06/23 روجيه عوطة
الموسيقى التصويرية
(من فيلم "الشمال من الشمال الغربي")
increase حجم الخط decrease
يحث عيد الموسيقى على الحديث عنها، ولكن، ولتجنب أن يكون هذا الحديث عمومياً، لا بد من الالتفات إليها حين تكون على مقلب معين، أي حين تحل كتصويرية. 
 
تطرح الموسيقى التصويرية استفهامات عديدة، يمكن اختصارها هنا بثلاثة.
الأول، عن صلة الموسيقى بالصورة. فبداية، الموسيقى التصويرية هي موسيقى مرافقة لتصوير ما، أي لانتاجه، لما هو فيلم او فيديو، وبهذا، تأخذ مرافقتها له أشكالاً متعددة. فهي أحياناً، تبدو أنها زائدة عليه، وأحياناً، تبدو منبعثة منه، وأحياناً، تبدو أنها هي التي تمده بكل شدته. بالطبع، زيادتها على الصورة، أو انبعاثها من المشهد، لا داعي للإشارة إلى كونهما التقاطاً للموسيقى، لكن ذلك لا يعني أن هذا الالتقاط لا يحصل سوى في هذين الوضعين. على العكس، فعندما تجعل الموسيقى من الصورة، صورة شديدة، فهي عندها تكون ملتقطة من قبلها أيضاً.

صحيح أن هذا الالتقاط يعني خدمة الصورة، لكنه أيضاً سبيل لتحقيق حلم الموسيقى الأساس، أي ذيوعها. فحين تعلق الموسيقى بالصورة، فهذا لكي تذيع في نتيجة ذيوعها، لا سيما أن العين هنا هي على سلطة أعلى من الأذن: الأولى كناية عن عضو تلقٍّ معمم أكثر من الثانية. بالتالي، على الموسيقى، ولكي تكون على تلقٍّ لها، أن تمر عبر العين لكي تصل إلى الأذن، أن تمر عبر مرأى العين لكي تغدو على مسمع الأذن.

في هذا السياق، يندرج الاستفهام الثاني عن الموسيقى التصويرية، وهو يتعلق بأثرها: كيف نتأثر بها؟ فعندما نتلقاها سرعان ما تردّنا الى الصورة، التي تمدها بالشدة، وبهذا، تبدو أنها تشتغل ضد عضوها، أي الأذن. فما أن تنزل على مسمع الأذن، حتى توقفها، محولة التلقي بها الى تلقٍ بالعين، التي تذهب الى ملاحقة الصورة. حلم الموسيقى أن تتعلق بالصورة لكي تُسمع (تعطيها شدة، وتأخذ منها ذيوعاً)، لكن كل هذا لا يتحقق، فحين تتعلق بها تسحبها صوبها، تبتلعها: تصير الموسيقى مؤشراً على الصورة، بمعنى أنها توجه نحوها، ومن بعد ذلك، لا يعود لها أي داعٍ. طبعاً، هناك موسيقى، وما أن ترافق صورة ما، حتى تبدو خائنة لها، بمعنى أنها تمحوها خلفها، وتستقل عنها، وتصير من دونها، أي لا تعود تصويرية. فهناك الكثير من الأفلام التي نتفرج عليها، ولا نتذكر منها سوى الموسيقى. هذه الموسيقى ليست تصويرية، انما هي، وفي حين تشغيلها الصورة، انفصلت عنها، جاعلة إياها مجرد لحظة من وقتها الذي يتواصل من بعدها. وحتى في وضع الموسيقى المنتصرة هذه، هناك دوماً ربط بينها وبين الصورة، بمعنى أن تذكُّرها يجري على أساس أنها طبعت فيلماً ما، وبهذا، هي تبقى موسيقاه. كما لو أن الموسيقى التي اتصلت بصورة ما، تصير عينية أكثر من أذنية، ولا يمكن لها أن تتحوّل إلى غير ذلك.

في كل حال، اثر الموسيقى التصويرية يسجله بطريقة مباشرة ابتغاؤها. فمن المعلوم ان ابتغاء العيش في حين مرافقة الموسيقى تلك له، هو أمر على رواج. قد يكون هذا الابتغاء متعلقاً بمفعول محدد للموسيقى، وهو الإلهاء عن العيش وما يحمله من روتين، أي تخفيف ثقل ثباته على وتيرة واحدة. لكن، في السياق نفسه، لذلك الابتغاء مردّ مختلف يرتبط بأن جعل العيش ذاته بلا روتين يساوي قياسه على فيلم ما، والرمي إلى جعله مشابهاً له، أي، وببساطة، ادخال العيش في الفيلم لكي لا يعود روتينياً ومضجراً. على هذا النحو، ابتغاء حضور الموسيقى التصويرية في أثناء المواقف اليومية ليس ابتغاء للموسيقى نفسها، إنما لأثرها بما هي وسيلة لتحويل العيش فيلماً. فالموسيقى، في هذه الجهة، ليست مسموعة سوى لكي لا تعود كذلك، أي عندما تجعل من الذي ترافقه مرئياً، لا يمكن سوى الانجذاب إلى خفته، والى تبدّله، وإلى تفلته من السأم لا سيما الصامت منه. 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها