الإثنين 2022/06/20

آخر تحديث: 12:28 (بيروت)

"طاولة ميلاد".. "بوكر" بين تساؤلات الإبداع والمجتمع

الإثنين 2022/06/20 شريف الشافعي
"طاولة ميلاد".. "بوكر" بين تساؤلات الإبداع والمجتمع
تنطلق الصراعات الدرامية من معايير الذكورة والأنوثة
increase حجم الخط decrease
"الخبّاز الماھر یعرف كیف ینتج الخبز من دون حاجة إلى الآلة"، هي نصيحة من الأب "الكوّاش" (الخبّاز باللھجة اللیبیّة)، لابنه "میلاد مختار محمد میلاد الأسطى"، يطلعه من خلالها على أسرار صناعة العجائب في الخبز، وإنتاج أنماط ومذاقات متنوعة منه، وذلك بعد خلط المكوّنات الأربعة الأساسية: الدقیق، والماء، والخمیرة، والملح، بعناصر أخرى سحرية، من أهمها: القلب (أن تضع حبك في خلق رغيف الخبز وتشكيل وجهه وخطوطه بموسى الحلاقة)، والھواء (فالرغيف في مرحلة العجین كائن حي یتنفس ويمتلئ بالمشاعر، وقد یفسده الغضب)، والوقت (فلكل نوعٍ من أنواع الخبز وقت معیّن لیصنع الطعم داخله).

ليس ممكنًا قراءة رواية "خبز على طاولة الخال ميلاد" للكاتب الليبي محمد النعاس، الصادرة عن داري "رشم" و"مسكيلياني" للنشر، والفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" 2022، من دون الارتكاز على تفاصيل هذا الدرس الذي يلقّنه الأب المتمرس المحنك لابنه اليافع ميلاد، بطل الرواية وساردها العليم على مدار أكثر من مئتي صفحة. هو، في أحداث الرواية، درس في إعداد أنواع الخبز، الشعبية والإفرنجية، يتعلمه الفتى ذو السادسة عشرة، بالتوازي مع نضجه الإنساني، ومطالعته للمستجدات التي تجري على أرض الواقع، حيث ثورة النفط في ليبيا التي أعقبت هبوب ریاح التغییر في نھایة الستّینات، و"امتطاء الأخ القائد جوادَه، لیحرّر البلاد من العملاء والخونة والقواعد الأجنبیّة، كما علّمونا في المدرسة".

وإن هذا الدرس، الذي تلقاه الابن في حصة تعلم أسرار صناعة الخبز داخل جدران "الكوشة" (المخبز باللهجة الليبية)، هو الدرس المحوري ذاته الذي استوعبه جيدًا المؤلف الشاب محمد النعاس (31 عامًا) في حصة تفجير الكتابة الذكية، بعناصرها الأساسية المنسجمة من جهة، إلى جانب بقية مفردات التوليفة السحرية وأسرار الخلطة الفريدة الموصوفة، التي تكفل للرواية الأولى للكاتب هذا الحضور الفني، فضلًا عن الرواج القرائي والتسويقي، والتتويج بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر".

إن تساؤلات الإبداع وجمالياته الفنية المجردة داخل العمل، في مثل هذه الحالة، تمضي جنبًا إلى جنب مع تساؤلات المجتمع التي تستثير قضايا خطيرة ومثيرة بالضرورة، وتكسر الكثير من التابوهات، وتتعارض مع الثوابت السائدة، والصور الجاهزة، لدى غالبية الفئات الشعبية. وهذا التوجه، لا يعيب فنيات الطرح الروائي المستقلة أو ينتقص منها بأي شكل من الأشكال، وإنما هو مؤشر فقط يقود بوضوح إلى أن هناك أجنحة أخرى يستعيرها العمل من أجل تحليق في مدى أبعد، على مستوى الانتشار حتى في أقل تقدير، وهذه الأجنحة متعلقة بما يوصف باجتراء العمل أو ثوريته الإنسانية أو قدرته على إحداث حراك اجتماعي مباشر، وتنشيط الماء الراكد، والخوض في مناطق شائكة ومحرّمة ومجرّمة دون قيود، وذلك بغض النظر عن أدبياته.

إن هذه الرهانات الاجتماعية في صناعة الكتابة الروائية الناجحة ليست في الظل ولا الخلفية، لكنها في الحصة الأولى لدرس الكتابة. وبالنظر إلى كلمة الناشر مثلًا، على الغلاف الخلفي لرواية "خبز على طاولة الخال ميلاد"، يبدو التركيز كله على أن قيمة الرواية تنبع من أنها تعيد مساءلة التصورات الجاهزة لمفهوم الجندر، وتدين القوالب النمطية الثابتة، التي تحصر وظائف كل من المرأة والرجل في أطر محددة، وأنها رواية الانتصار للفرد في وجه الأفكار الجماعية القاتلة، والانتصار للتجربة الإنسانية إزاء كل التوصيفات الراسخة، حيث تتناول تعريفات مجتمع القرية المختلفة للرجولة، التي تظل تحتفظ بتعريف واحد للرجل الضد أو "اللارجل"، الذي يكون "ميلاد الأسطى" رمزًا له. 

وبدورها، فإن حيثيات فوز الرواية بالجائزة العالمية للرواية العربية، تتمحور حول تلك الرسائل الاجتماعية والثورية التي تحملها الرواية، وذلك بوصفها تقدم نقدًا للتصوّرات السائدة عن الرجولة والأنوثة وتقسيم العمل بين الرجل والمرأة، وتطرح التساؤلات الثقافية الكونية حول قضايا الجندر من خلال انغراسها في بيئتها المحلية والعربية، وتحليلها محيطها الاجتماعي بكل توقعاته المتوارثة في المجتمع الليبي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وليس المقصود هنا إهدار تساؤلات الإبداع في المتن الروائي المتميز، أو إغفال أبجديات تحويل السيرة الذاتية للبطل السارد إلى عمل روائي محكم، من خلال المشاهد الحياتية الدالة المنتقاة بعناية، واللقطات التصويرية الدينامية، والحوارات الحيوية الخصيبة، واللغة السلسة المتلائمة مع طبيعة الشخصيات، وجملة الأحداث والعلاقات التي تربط الراوي ببقية الشخوص، وعلى رأسهم زوجته "زينب"، التي افتض بكارتها قبل الزواج منها، وبعد الزواج تبادلا الأدوار الاجتماعية، فخسر أمامها ما تبقى من رجولته المتآكلة، وكذلك ابن عمه "عبد السلام العبسي"، الذي أفشى لميلاد حقيقة سخرية مجتمعه المحلي منه، باعتباره ديوثًا ومخنثًا لا يمت بصلة إلى "الذكورة المعتمدة"، إلى آخر عناصر الإجادة اللازمة لبناء عمل روائي رصين ومتطور في الآن ذاته.

لكنّ الذي أريدَ، عن عمدٍ، في الرواية التي انخلعت عليها صفة التلقائية الكلية بفضل الاشتغال الواعي، هو أن تكون واجهة العمل أو "الفاترينة" الزجاجية الجاذبة والتسويقية، إذا جاز التعبير، محجوزة لتساؤلات المجتمع في المقام الأول، قبل تساؤلات الإبداع، رغم تفوق الأخيرة وثقلها. وتتجاوز الشواهد على ذلك الأمر كلمة الناشر التصديرية وحيثيات لجنة البوكر بطبيعة الحال، لتشمل جميع جوانب الرواية ومفاصلها الدقيقة والمؤثرة منذ بدايتها إلى نهايتها.

تنطلق كل الصراعات الدرامية في العمل من قضية معايير الذكورة والأنوثة، والاختلافات الجذرية بين تصورات البطل ميلاد ومقدسات المجتمع القروي المحافظ من حوله، فهو يفشل في أن يكون رجلًا وفق مجتمعه التقليدي الذكوري الفحولي، ويفشل في الإنجاب من زوجته رغم قدرته الجنسية الطبيعية، كما يفشل في إصابة أي هدف في المعسكرات العسكرية أثناء التحاقه بالجيش، ويفشل أخيرًا في كل محاولات الانتحار، التي تنتهي أحيانًا بالتبول اللاإرادي، وسخرية الأقارب والأصدقاء منه.

وتأتي الافتتاحيات والعبارات التمهيدية لأقسام الرواية جميعها مقتبسة عادة من الأمثال والمقولات الدارجة في التراث الليبي، التي تعكس وضعية المرأة والرجل أيضًا في المجتمع، ومن ذلك: مقولة "عيلة وخالها ميلاد"، الدالة على الرجل الضعيف الذي لا يستطيع أن يحكم نساء بيته فينفلتن أخلاقيًّا، و"تعیش یوم دیك.. ولا عشرة دجاجة"، وهو مثل ليبي عن الرجولة، بمعنى أن یعیش المرء رجلًا صاحب مواقف، وشجاعًا یومًا واحدًا، أفضل له من أن یعیش عشرة أضعافه خائفًا ذلیلًا كالدجاج، ومقولة "الفرس على راكبھا"، وهو مثل شعبي یعني أن المرأة تتخلّق بأخلاق زوجھا، وأنه ھو الذي یربّیھا بعد أبيها، ومقولة "اضرب القطّوسة تتربّى العروسة"، وهو مثل ليبي أيضًا يبرز انكسار المرأة، وأنها كالقطوسة (القطة) التي يقهرها الرجل بجبروته، إلى آخر هذه المداخل والمفاتيح التي تهيئ للمعالجات الثورية للأزمات الاجتماعية والقضايا الجندرية.

وتستعرض الرواية في عشرات المواضع ملامح انھزام ميلاد، كذكر أو كرجل، أمام معاییر الرجولة التي يضعھا المجتمع أمامه، في الكثير من المواقف والحالات، السوية والمنحرفة، بداية من تأديب أبيه له بالصفع على وجهه لكي "يسترجل في سلوكه" مع أخواته الفتيات اللاتي يساعدهن في نزع الشعر من سيقانهن، وصولًا إلى محاولاته البائسة مع المومس المحترفة (القحبة بتعبير الرواية)، التي لا يتمكن من مضاجعتها بسبب سرعة القذف لديه. وهكذا، يصل ميلاد إلى قاعدة ذهبية، هي أن اعتناق الكذب ضرورة مجتمعية لمحاولة تفادي سوء الفهم المتبادل، وأن العفویة في الحدیث عما یجول بباله قد تُشكّل خطرًا علیه وعلى من حوله. كما تتوسع الرواية في سرد كيف أن المرأة في القرى اللیبیة تعیش حیاة سيئة، وتتعرض للضرب والاغتصاب والقتل والعاھات المستدامة من أبيها أو إخوتھا أو زوجھا، فقط لكونھا امرأة، إلى آخر هذه الالتفاتات واللافتات المرفوعة كمانفستو اجتماعي تستمد منه الرواية نبرتها العالية للاحتجاج على الصمت إزاء الظلم.

وتبقى ملاحظة أخيرة، تضاف إلى منظومة البهارات النهائية في خلطة صناعة الخبز الروائي ذي الرائحة النفاذة المتصاعدة بعيدًا بهدف إحداث الحراك المجتمعي المبتغى وكسر التابو بشتى السبل. هذه الملاحظة هي الإكثار، بدون داعٍ فني أحيانًا، من المفردات والعبارات الفصيحة والعامية التي يمكن وصفها بالفجة والجارحة والخارجة من المنظور الأخلاقي لغالبية القراء من الفئات الشعبية وذوي الثقافة النظامية والدينية، كتسمية الفعل الجنسي مثلًا باسمه الصريح، وما إلى ذلك. وتبقى مبررات استخدامها على هذا النحو مرهونة أكثر بمعطيات تفجير التساؤلات المجتمعية أيضًا، وليست التساؤلات الإبداعية، شأن كل المشاوير الشائكة والمثيرة والصادمة التي تلهث في خوضها الرواية.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها