الثلاثاء 2022/06/14

آخر تحديث: 12:55 (بيروت)

مُبدعا "التأويز" في المسرح...لماذا استمر الريحاني وأفل الكسار؟

الثلاثاء 2022/06/14 أشرف غريب
increase حجم الخط decrease
شهد المسرح الكوميدي في مصر، مع نهايات الحرب العالمية الأولى وقبيل قيام ثورة 1919 بقليل، نقلة نوعية مهمة، ببزوغ نجمي اسمين كبيرين في عالم الكوميديا، هما نجيب الريحاني وعلي الكسار اللذين سبقهما تاريخ طويل من المحاولات والتجارب المسرحية وصولاً إلى ما يمكن اعتباره مسرحاً كوميدياً مصرياً واضح الملامح، فقد خلق الرجلان بعروضهما المسرحية حالة حراك فني وتفاعل مجتمعي ربما كانت فريدة في تاريخ الفرق المسرحية في مصر والعالم، بفضل التلاسن المسرحي خفيف الدم الذي تبارى الرجلان في تقديمه بصورة لم يألفها المسرح المصري لا من قبل ولا من بعد.

ولا يخفي على أحد أنّ الكسار والريحاني هما ابنا جيل واحد من حيث الميلاد والتجربة، فالكسار من مواليد 13 حزيران/يونيو1887 قبل ثلاث سنوات – على الأرجح - من ميلاد الريحاني الذي ليس لا تاريخ دقيقاً لميلاده يمكن الاطمئنان إليه. والأول من مواليد حي السيدة زينب في القاهرة، بينما مسقط رأس الثاني هو حي باب الشعرية بالمدينة نفسها، أي أن الاثنين ينتميان إلى بيئة شعبية ضاربة في جذورها المصرية، حتى وإن كان في أصول الريحاني نصف غير مصري يخص الأب عراقي الجنسية، لكن الاختلافات بين الرجلين تبدأ من سنوات النشأة والتعليم، إذ لم يتلق على خليل سالم –وهذا هو اسم الكسار الحقيقي– أياً من التعليم النظامي مكتفيا ببعض الأسابيع التي أمضاها فى كتاب الحي، بينما حصل نجيب إلياس ريحاني– وهو اسمه الحقيقي– على البكالوريا من مدرسة الفرير أو على الأقل كان على مشارف الحصول عليها قبل أن يخرج إلى الحياة العملية متسلحاً بإجادة اللغتين العربية والفرنسية، وعليه فإن الأقدار قادتْ الكسار إلى العمل مع خاله كمساعد طباخ في بيوت بعض الوجهاء، فيما عرف الريحاني عالم الوظيفة والموظفين في شركة السكر بنجع حمادي والبنك الزراعي، وهي خبرات تعليمية وحياتية متباينة كانت لها آثارها في تجربة الرجلين في عالم الفن بعد ذلك.

السيدة زينب
كانت تجربة الكسار في بداياتها، أقرب إلى تجارب الهواة حيث تحول تعلقه بمتابعة عروض كانت تقدمها في مسارح منطقتي السيدة زينب والحسين، إلى مشاركة في تلك العروض حين كوّن فريقاً صغيراً قدم عروضه في دار التمثيل الزينبي. وشيئاً فشيئاً، بدأ الناس يعرفون هذا الممثل الناشئ، وأخذ هو يفكر فى خطوته التالية، ولم تكن هذه الخطوة سوى انضمامه إلى جوقة "الأوبريت الشرقي" التي كانت تقدم عروضها في كازينو "دي باري" في شارع عماد الدين، أشهر الشوارع الفنية فى ذلك الوقت. وبانضمام الكسار إلى هذه الجوقة أصبح اسمها "جوقة مصطفى أمين وعلي الكسار" ابتداء من 16/2/1917 ليبدأ الكسار منذ ذلك التاريخ مسيرته الاحترافية في عالم التمثيل التى عرفت النجاح الفعلى مع انتقاله بفرقته المستقلة للعمل في مسرح الماجستيك ابتداء من 6/1/1919 في مسرحية " ليلة 14" التي حولتها الرقابة على المطبوعات إلى "القضية نمرة 14"، وبعدها عاش الكسار سنواته السمان في تاريخ المسرح المصري التي امتدت تحديداً حتى العام 1925 قبل أن يدخل في سنوات تأرجحه الفني. 

أما الريحاني فقد تأرجح مبكراً، ولسنوات، مشواره بين الهواية والاحتراف. فحين كان موظفاً في البنك الزراعي التحق كهاوٍ العام 1908 بالفرقة التي كوّنها زميله في البنك عزيز عيد، وحين كان يتم فصله من وظيفته لأسباب فنية أو أخلاقية، كان يعطي وقته كله للتمثيل وتعريب النصوص الفرنسية، إلى أن حسم أمره تماماً وتفرغ لعمله في الفن في حدود العام 1915 بانضمامه إلى فرقة الكوميدي العربي التي قدمت أول عروضها تحت عنوان "خللي بالك من إيميلي" من إخراج عزيز عيد.

ويعود التشابه من جديد في مسيرة الكسار والريحاني عند الخطوة الجبارة التى صنعت شهرة كل منهما حين وقع الاثنان –كل على حدة– على الشخصية النمطية التي قادته إلى الجماهيرية والنجاح. فأصبح الكسار هو "عثمان عبد الباسط بربري مصر الوحيد"، فيما بات الريحاني هو "كشكش بيه عمدة كفر البلاص"، في حين كانت الكوميديا المسرحية ومن بعدها السينمائية ترحب بمثل تلك الشخصيات النمطية على غرار شخصية "المعلم بحبح" التي عرف بها الممثل فوزي الجزايرلي فى تلك الفترة وما بعدها. ويحكي الكسار في حوار له، أعيد نشر أجزاء منه في مجلة "الهلال" العام 1967 عن بداية نشأة شخصية "عثمان عبد الباسط بربرى مصر الوحيد"، أنه عمل في مرحلة مراهقته صبي طباخ مع خال له في قصور وجهاء القاهرة مطلع القرن العشرين، وقد أتاح له ذلك الاختلاط بطائفة السفرجية والطباخين والخدم في القصور، فعرف طباعهم وأتقن لغتهم، خصوصاً النوبية المختلطة بالعربية، وأضاف أنه اختزن كل هذه الخبرات حتى أتاه دور فى إحدى المسرحيات عند بداية عمله في مسرح الماجستيك فى شارع عماد الدين سنة 1919، فاستعاد كل ما كان يعرفه عن هذه الطائفة، وأعطاها من روحه ومظهره الخارجي، فإذا بتلك الشخصية تحقق نجاحاً كاسحاً مع الجماهير، ومن يومها أصبح الكسار وعثمان عبد الباسط، شخصية واحدة.

مذكرات
ولأن الريحاني ترك لنا أكثر من مذكرات تحكي سيرة حياته، بعكس الكسار الذي لم ينتبه لمثل تلك الخطوة، فقد أمكننا على وجه الدقة التعرف على تفاصيل ولادة شخصية كشكش بيه، إذ روى أنها تجسدت أمامه في إحدى الليالي صورة كشكش بيه بهيئته وملبسه، فقام من توه بإيقاظ شقيقه الأصغر، وأملى عليه ملامح عمدة كفر البلاص الذي يجني محصول القطن ويأتي بالمال لينفقه ليلاً على الحسان، ثم يعود وهو يجر أذيال الندم. وأضاف أنه استطاع إقناع الخواجة روزاني صاحب "أبيه دي روز" الذي كان يعاني ضائقة مالية، بتقديم هذه الشخصيات في اسكيتشات فكاهية، كان أولها "تعاليلي يا بطة" الذي حقق نجاحاً كبيراً.

إذن أصبح الآن في الساحة نموذجان للكوميديا، يتكئ كل منهما على شخصية نمطية قوامها طريقة محددة في الكلام والملبس والحركات. لدينا الآن ونحن فى حدود موسم 1918/1919، علي الكسار بشخصية عثمان عبد الباسط بربري مصر الوحيد، ومعه مؤلف رواياته أمين صدقي، يقدم عروضه في مسرح "دي باري" ومنه إلى مسرح الماجستيك" في شارع عماد الدين. في مقابل فريق آخر قوامه نجيب الريحاني بشخصية كشكش بك عمدة كفر البلاص، ومعه مؤلف رواياته وأزجاله بديع خيري، ويقدم عروضه أولاً في مسرح "إبيه دى روز" ثم "رينيسانس"، قبل أن يبني مسرحه الشهير "الإجبسيانة" في شارع عماد الدين أيضاً. لكن الريحاني استطاع في هذه الفترة أن يضيف إلى فريقه أحد العناصر المهمة في نجاحه الفني وفي توليفته الجماهيرية، وهو الموسيقار سيد درويش، قبل أن يجمع خالد الذكر بين العمل في فرقتي الريحاني والكسار.

شارع عماد الدين
وقد خلق تجاور مسرحَي الريحاني والكسار فى شارع عماد الدين، وتشابه اللون الكوميدي الذي يقدمانه، حالة من التنافس القوى بين الفرقتين، وصلت إلى حد التراشق أو التلاسن اللفظي فى عناوين الروايات التي تقدمها كل فرقة. وللتاريخ، فإن الريحاني هو الذي ابتدع هذه الظاهرة، ليس مع الكسار أولاً، وإنما مع الخواجة روزاني صاحب ملهى "إبيه دى روز" الذي كان يعرض عليه الريحاني رواياته قبل انتقاله إلى مسرحه. فقد حدث خلاف حاد بين الاثنين وصل إلى ساحة القضاء، وأراد نجيب أن يغيظ الخواجة روزاني، فأخرج رواية أطلق عليها اسم "ابقى قابلني"، ويحكي الريحاني في مذكراته عن اكتشافه هذا قائلاً: "ولعله من المناسب هنا أن نقول أن تلك التسمية (يقصد رواية ابقى قابلني) كانت بداية لاكتشاف جديد في عالم التمثيل، وهو مراعاة التأويز والتريقة على الغير، باستعمال اصطلاحات وأمثال يذهب الخصوم فى تفسيرها مذاهب شتى ويطبقونها على ما يكونون فيه من حالة نفسية، ولقد انتشر هذا الاكتشاف انتشاراً سريعاً حتى صار قاعدة أو تقليداً أو دستوراً للفرق حين اختيارها أسماء رواياتها، إذ كانت كل واحدة تراعي في هذه التسمية أن ترد رداً محكماً على الاسم الذي تكون الفرقة الأخرى قد اختارته لروايتها الجديدة، وهلم جرا".

أما علي الكسار فقد علق على هذه الظاهرة، فى حوار له مع مجلة "الصباح"، في آب/أغسطس1947 قائلاّ: "كانت أيام جميلة، وكنت أنا وأخي نجيب الريحاني نتبارز بعناوين مسرحياتنا، وكان هذا ينال إعجاب الجمهور ويحظى بتعليقاتهم، ونجيب هو الذى بدأ هذه الحكاية، وكان لازم أردّ عليه، أمال أسيبه كده يقول لوحده وأنا أسكت؟ كان بربري مصر الوحيد وكشكش عاملين جو حلو جداً في شارع عماد الدين. فين الأيام دي دلوقتي؟"

وتقول المصادر المتاحة أن التراشق بين الريحاني والكسار بلغ أشده بالتزامن تقريباً مع أحداث ثورة 1919، فبعد حالة من التراجع شهدها مسرح الريحاني، عاد إليه الانتعاش من جديد، فقدم مسرحية بعنوان "فُرجَت" من تأليفه مع بديع خيري، فردّ عليه الكسار بمسرحية من تأليف أمين صدقي أطلق عليها "راحت عليك". وعندما قدم الريحاني مسرحية "قولوله"، ردّ الكسار بمسرحية "قلنا له". ثمّ قدم الأول مسرحية "الدنيا جرى فيها إيه"، فسارع الآخر في تقديم مسرحية "الدنيا بخير"، وهكذا، حتى وصل التراشق أو التلاسن إلى "ولو" و"فشر" و"كله من ده" و"ولسة". ومهما يكن، فإن هذا التأويز، كما سمّاه الريحاني، خلق حالة فنية لطيفة بين جمهور المسرح في ذلك الوقت، انسحب إلى أحاديثهم في ما بينهم بين مشجع لهذا أو ذاك، كما لو كان كل من الريحاني والكسار أقرب إلى الأهلي والزمالك في عالم كرة القدم.

رصاصة في القلب
الشيء المدهش أن تلك المنافسة القوية أو الندية الواضحة بين الريحاني والكسار، أخذت فى التراجع مع مرور السنوات، فمالت الكفة لصالح الريحاني الذي بقي أثره قوياً حتى اليوم، رغم مرور 73 عاماً على رحيله (توفي في 8 حزيران/يونيو 1949) وهذا يعود -في ظني- إلى أمرين مهمين. أولهما، أن الكسار ظل حتى سنوات متقدمة من عمره أسير الشخصية النمطية لبربري مصر الوحيد عثمان عبد الباسط، سواء فوق خشبة المسرح أو على شاشة السينما، وحتى إذا حاول الخروج على تلك الشخصية، لم يكن يبتعد عنها كثيراً بالارتماء فى أحضان شخصية الخادم على النحو الذى رأيناه –مثلاً– في فيلم "رصاصة فى القلب" مع محمد عبد الوهاب وإخراج محمد كريم سنة 1945، أو "نور" خادم الأمير عز الدين فى فيلم "أمير الانتقام" العام 1950 إخراج هنرى بركات. بينما تخلص الريحاني سريعا من شخصية كشكش بيه فى كل من السينما والمسرح، بعدما استنفدت أهدافها، وسعى إلى تقديم نوعيات مختلفة من الأدوار والشخصيات قضت على أي ملل يمكن أن يتسرّب لدى المتلقى جراء تقديم الشخصيات النمطية. الأمر الآخر، وأراه أهم من الأول، هو الفارق بين الريحاني والكسار من حيث المستوى الثقافي والتعليمي. فقد كان الريحاني مجيداً لكل من الفرنسية والعربية، وملماً بالإنكليزية، وواسع الثقافة والاطلاع في شتى مجالات الحياة بتلك اللغات، وقادراً على كتابة أعماله بنفسه واختيار بل وتفصيل ما يناسبه من أدوار. بينما الكسار، بحظه القليل من المعرفة، كان تابعاً لاختيارات مؤلفي مسرحياته وخصوصاً أمين صدقي. وهذا أمر في غاية الأهمية لكل فنان، مهما كانت موهبته، والأمثلة كثيرة في حياتنا الفنية، وقد رأينا كيف حسمت ثقافة الفنان، حتى لو كانت سمعية، المنافسة لصالحه برغم قوة موهبة منافسيه، على غرار أم كلثوم مع منافساتها منيرة المهدية وفتحية أحمد وحياة صبري وغيرهن، أو عبد الحليم حافظ وسط أقرانه عبد الغني السيد وعبد العزيز محمود ومحرم فؤاد ومحمد رشدي وعبد اللطيف التلبانى وعادل مأمون وماهر العطار.

هكذا، بقي نجيب الريحاني وانتهى نجماً وصاحب أهم فرقة مسرحية وصاحب مدرسة فى الكوميديا، انتسب إليها تقريباً كل من أتوا معه أو بعده، فيما عرف الكسار في أعوامه الخمسة عشر الأخيرة سنوات عجاف، وانتهى به الأمر ممثلاً عادياً في المسرح الشعبي من دون أن لا تلاميذ أو مريدين أو عدداً مناسباً من النصوص المسرحية يمكن إعادة تقديمها مرة أخرى. ومهما يكن، فإذا كان بربري مصر الوحيد، لم يستطع أن يدير موهبته الفطرية بالصورة المثلى بعكس الريحاني، فيكفي الإثنين أنهما كانا عنواناً عريضاً لحقبة مسرحية صارت الكوميديا تؤرّخ بها في النصف الأول من القرن العشرين.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها