image
الثلاثاء 2022/06/14

آخر تحديث: 19:43 (بيروت)

"أبو جوليا" و"الشيف الغامض".. إعادة طبخ التخييل

الثلاثاء 2022/06/14 رشا الأطرش
"أبو جوليا" و"الشيف الغامض".. إعادة طبخ التخييل
increase حجم الخط decrease

الطبخ في العراء، هذا هو تخصص "الشيف الغامض"، أحد أشهر طباخي "تيك توك". الرجل المخفي وجهه على الدوام بقناع أسود، يطهو في الخلاء، إلى جانبه نار مشتعلة بالحطب، وكلبه الضخم لا يفارقه، بل إنه شريكه، يحمل له أحياناً صورتين لطبقَين مختلفين، يقرب أنفه من واحدة منهما، فنعرف الأكلة التي سيحضرها صاحبه في فيديو لن تزيد مدته على الدقيقة الواحدة. مرة على خلفية شتوية بالثلج الناصع، ومرة وسط مرج ربيعي، تحت الشمس، أو قرب نهر. "الشيف الغامض" بلا وجه ولا صوت. الصور والأصوات الوحيدة الممكنة هي المناظر الطبيعية وأصناف اللحوم والخضروات والمتبلات، كخلفيات لـ"طشيش" ما يقلّبه في مقلاة سوداء كبيرة، وتكتكات سكاكينه المبهرة تنحت الأطعمة باحتراف على لوح خشبي. الطاهي المدهش مزيج من هيئة قاتل متسلسل، قرصان الكتروني، ذئب وحيد، وهاوي تخييم بأسلوبية فانتازم جنسي مستوحى من فيلم Eyes Wide Shut.

"الشيف الغامض" ليس وحده. عربياً، لدينا مثلاً "أبو جوليا"، الشاب الغزاوي، المترجم والمحرر الذي انتقل مع زوجته إلى لندن، وانكبّ على إصدار فيديوهات الطبخ الفلسطيني والعربي وحتى الآسيوي الذي تحفل العاصمة البريطانية بجالياته. وذلك في قالب من الظُّرف وخفة الظل، موظّفاً فرادة لهجته ولازمة "حبايبنا اللّزم"، و"سكريبت" خاصاً به يشرك فيه جمهوره البالغ نحو تسعة ملايين متابع ومشترك في مختلف منصات السوشال ميديا... كأن يبحث عن القميص الذي كان يرتديه في فيديو سابق ليكتشف أن "أم جوليا" وضعته في الغسيل. ما عاد السجال الأبرز، وإن حَضَر، أنه دلّع الفتوش بالطحينية أو عمل من الكبة برغر أو أعاد إنتاج البيتزا المنزلية الأمومية.. بل إنه يجذبنا ويسلينا، نتكلم سوية ونمارس "نميمتنا"، في ذلك كله وأكثر، حتى مَن كان منّا ليس شغوفاً بالمطبخ.  

في وقت قصير، غيّرت وسائط التواصل الاجتماعي، مفهوم الطبخ والأكل، استعراضهما وتعليمهما. حتى وقت قريب، كانت مشاهدة الطبخ تعني، ببساطة، مشاهدة طباخ يعمل ويشرح وينصح. حتى هذا الوقت القريب، كانت الصيغة المعلّبة نفسها، مع فوارق ترفيهية بسيطة، هي السائدة، ومرغوبة فعلاً، على مثال البريطاني العالمي، جايمي أوليفر، الطباخ الذي دفن الفقر مرة واحدة وإلى الأبد، بادئاً ببرنامج في "بي بي سي"، ثم "يوتيوب"، ثم سلسلة الكتب، فسلسلة المطاعم، مروراً بجائزة "تيد توك" 2010 ووسام التميز الامبراطوري برتبة فارس (والمفارقة أن "أبو جوليا" عمل لفترة في أحد مطاعمه في لندن). وبدرجة أكثر تواضعاً بكثير، عرفنا كلبنانيين، الشيف رمزي، كليشيه الطباخ السمين الحبّوب ذي الخبرة المطعمية وصاحب معهد الفندقية ومحاولات التجريب والتجديد و"الفيوجن"... والشيف أنطوان الذي احترمته ربّات المنازل الأكبر سنّاً كطباخ تقليدي –بل أصولي!– يعدّ الأطعمة كما ورثناها عن أسلافنا وكما يجب أن تكون، بلا تحريف ولا تخريف، وهو لا يتورع عن زجر السيدات المتصلات على الهواء مباشرة إن لم يجد في أسئلتهن معارف "ست البيت" المخضرمة... ثم في وقت لاحق، جاءتنا من عالم الإعلانات "تيتا لطيفة" التي رُكّب لهيئتها كجَدَّة ظريفة، برنامج طبخ، وكانت هذه باكورة صناعة "الكاراكتر" الطاهي، ولم تنجح كثيراً ولم يصعد بعدها شيء يُذكَر..

الشيف اليوم، مثل الفاشونيستا والناشط ومُصلّح كل شيء بفيديو... هو صانع محتوى، ليس الطعام سوى جزء منه. إنه مُبدع ومتلبّس شخصية ذات ملامح مميزة، مثيرة أو كوميدية أو شعبية، وهو أيضاً مصوّر، فنان مونتاج ومهندس صوت وديكور، ومخرج. هوية كاملة متكاملة يسبغها على طبقه، يبدعها وينفذها ويطلقها في فضاء التداول أملاً في تحوّله نجم شبابيك الشبكات. ومع هؤلاء النجوم تغيّر الأكل نفسه، والمقارنة ليست مع التلفزيون فحسب، بل تنسحب الإسقاطات على الأدب والسينما والدراما.

مئات الأفلام من كافة المستويات والأعماق، كتب وروايات شقّت طريقاً يسيراً إلى السينما ليس أقلها "شوكولا" و"جولي وجوليا"، مضافة إلى مسلسلات لا حصر لها وحتى برامج الواقع والمسابقات، تمحورت حول الطبخ والأكل، التذوق باللسان والعقل والقلب والرغبة. الحب، الجنس، المصالحة مع الذات والآخر، العائلة، التضحية، العصامية، الغواية، اللذة، النشوة، وحتى الحقد والحرب. في "كالماء للشكولاتة"، رائعة المكسيكية لورا اسكيفيل، كل شيء يحصل في المطبخ، من ولادة "تيتا" على طاولة الطعام إلى حبها الممنوع الذي تبثّه مع تقطيع البصل وروائح الحلويات، وتتجلى الواقعية السحرية في كل مكوّن تضيفه الصبية عاشقة زوج أختها إلى أطعمة العائلة، هي المنذورة لحياة بلا زوج تتمحور حول رعاية والدتها.

الأكل، كتجربة حسّية، صنع خياله على مرّ العصور، شعراً ونثراً، سرداً وتمثيلاً وتشكيلاً. ونسجت حول ممارسته ومزاولته وآثاره في الجسد والوجدان، حبكات سياسية أيضاً. من "طباخ بوتين" (وهو ليس طباخاً، بل من عديد بزنس يملكه، صاحب سلسلة مطاعم ومضطلع بشركة فاغنر الأمنية ومقرّب من الرئيس الروسي)، إلى طباخ البيت الأبيض في عهد باراك أوباما الذي جعله مستشاره... والسمّ كان قديماً هاجس طباخي الأباطرة والملوك، في الواقع، وفي مسرح تلك الأزمنة وأدبها. شكسبير استخدم الموائد والولائم ليقول الكثير في التراجيديا والكوميديا وفي السياسة والاجتماع بينهما، حتى أن ثمة من قرر جمع مكونات المآدب في مسرحياته وتقديمها في كتاب طهي، بغية أن يستعيد المهتمون "نكهات" عوالمه. وها هو ماكبث، مهلوساً، يرى "المذبوح" على طاولة العشاء ويبدأ في التحدث إلى نفسه. تحثّه اللايدي ماكبث أن يكون مضيفًا أفضل، إذ كان أجدى بالضيوف من نخبة البلاد، والحال هذه، البقاء في بيوتهم وإطعام أنفسهم، لكن ماكبث ضيّع هذه المأدبة الفرصة لتقديم طعام جيد وترفيه لرعاياه، كي يثبت أنه يستحق أن يكون ملكاً، لكنه فشل فشلاً ذريعاً، ما وَشَى بأنه غير لائق للحكم.

الآن، يبدو أن الأكل دخل طوراً جديداً، تهويمات ومُتع متجددة يطوّرها وتطوّره. هل يُعاد ابتكار الأكل في "تيك توك" و"يوتيوب" و"انستغرام"؟ هل تسري نظرية "الوسيط هو الرسالة" على الأطعمة وإعداداتها وشخوصها؟ أم أن الأكل هو الذي يولّف خيالات وممالك بِكرَ في فنون الفيديوهات القصيرة وصُور اللذائذ السريعة؟ وإن كان طهاة الملوك القدامى يُجبرون على تذوّق الأطعمة قبل تقديمها لوُلاة نِعَمهم، كتدبير أمني بدائي، فكيف قد يُرى اختتام "أبو جوليا" كل فيديوهاته بأكل طبق كامل مما أعدّ أمام الكاميرا، وبشهية عارمة منسجمة مع كمٍّ لا ولا يُملّ من الدردشة مع المتلقين؟ و"الشيف الغامض" بدوره، كل مرة،  يأكل بصمت ويطعم كلبه. هي الأسحار الجديدة في وصلات مع الجالسين خلف الشاشات، مرئية وأحياناً مسموعة، لكنها لا محسوسة إلا في فم الطاهي وجوفه... الطاهي الآن هو المؤلف والبطل، مبتكر الحكاية وخائضها.. هو الملك.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها