الإثنين 2022/06/13

آخر تحديث: 14:49 (بيروت)

جوردن بيترسون المأزوم: لماذا يخاف "مفكّر" من فخذَي امرأة؟

الإثنين 2022/06/13 يارا نحلة
جوردن بيترسون المأزوم: لماذا يخاف "مفكّر" من فخذَي امرأة؟
اعتاد الفضاء الرقمي على مواقف بيترسون الاستفزازية والمعترضة
increase حجم الخط decrease
"آسف. هذا ليس جميلاً. ولا قدر من التسامح الاستبدادي سيغيّر ذلك". هكذا علّق المحلّل النفسي الكندي، والأكاديمي النجم، جوردن بيترسون، في غلاف مجلّة "Sports Illustrated Swimsuit" الذي يظهر عارضة ازياء بجسدٍ ممتلئ لا يمتثل لمعايير الجمال الأنثوي.

اعتاد الفضاء الرقمي على مواقف بيترسون الاستفزازية والمعترضة على أصغر الصغائر، غير أن ردّ الفعل الأخير جاء في قمة المغالاة والحنق، على نحو غير عقلاني لا يبرّر خلط التسامح بالاستبداد. وما الذي استدعى فورة الغضب هذه لدى رجلٍ يحمل لقب الفيلسوف؟ مجرّد صورة لامرأة لا تخجل من جسدها، ولا ترضخ لثقافة تعييب الأجساد التي تؤطّر الجمال ومظاهره ضمن حدود ومقاييس مستبدة.

بالطبع لم يمرّ تعليق بيترسون مرور الكرام، اذ انهال عليه "تويتر" بالسخرية والنقد، فأعلن المدافع الشرس عن حرية التعبير مغادرته المنصة اعتراضاً على سيل الانتقادات التي طاولته.

لكن يبقى السؤال الجوهري؛ لماذا؟ لمَ كل هذا الغضب والرفض لتبدّل الأهواء وثقافة الجمال التي لا يحتاج المرء لشهادة دكتوراه في علم النفس كي يدرك ذاتيتها ونسبيتها وقابليتها للتبدّل تبعاً للتغيرات الثقافية والاجتماعية؟ ولمَ يشعر عالم مسلّح بمعرفة وافرة عن النفس البشرية وتعقيداتها، بالتهديد من جسدٍ أنثوي لا يقوّضه العار؟ لماذا يخشى مفكّر، الى هذا الحدّ، من فخذي امرأة ممتلئين؟  

الإجابة سهلة وسطحية ولو كانت تخصّ رجلاً يدّعي الفلسفة. فالحقيقة أن بيترسون يرى في هذا النموذج الأنثوي تحدّياً وخروجاً على الهيمنة الذكرية لما يجب أن تكون المرأة عليه، جسدياً وذهنياً. المشكلة ليست في كيلوهات "نيو" الزائدة ومنحنياتها السخية التي نراها عند نساء كثيرات، وانما في ابتسامتها المتباهية التي تقول بوضوح "لست هنا للاعتذار بل لتلقي الإطراء والمديح".

لوضع هذا الموقف في سياقٍ أوسع، يجدر الحديث عن فلسفة بيترسون المعادية للصوابية السياسية ولاندثار الأخلاقيات التي بُنيَ عليها المجتمع الغربي، لا سيّما في ما يتعلق بالأدوار الجندرية التقليدية وأسس العائلة الأبوية. بالطبع يواجه المجتمع الغربي تحديات أخلاقية وثقافية عميقة تستحق المعالجة، الا أن أولويات بيترسون تتوقّف على التصدي للحمّامات المختلطة والأجساد النسائية المائلة للسمنة. في فخذي "يومي نيو" وخصرها العريض، يرى بيترسون انهيار الحضارة الغربية، ويهلع. يا لها من أرضية ركيكة شيّدت فوقها الحضارة الغربية!

المثير للسخرية في جزع بيترسون أنه من أعنف المنتقدين لثقافة الحساسية الزائدة التي يتعامل بها الليبراليون والمجموعات المهمشة مع الإهانة. يلقّب بيترسون هؤلاء برقاقات الثلج، في إشارة إلى هشاشتهم وعدم قدرتهم على تقبّل النقد أو السخرية. لكن، إن كان هناك ما يستحق نعته بالهشاشة، فهو ذكورة بيترسون التي تنهار أمام جسد أنثوي لا يروق لها، وتجهش بالبكاء عند الحديث عن رعب "أنتيفا" تارةً، أو عن الاضطهاد الذي يتعرض له الرجل الأبيض المغاير جنسياً تارةً أخرى.



خارج نطاق إثارة الجدل ومخاطبة حساسيات اليمين الأبيض الذي يخشى فقدان امتيازاته لصالح مطالب "العدالة الاجتماعية"، ليس لدى بيترسون ما يقدّمه، باستثناء ما استطاع تجميعه من نصائح سطحية وغير مجدية، بدليل أنه نفسه غير قادر على الاستفادة منها. في تعليقه الإنفعالي على صورة العارضة، ناقض بيترسون اثنتين على الأقل من قواعده الـ12 التي خصّص لها كتاباً.. ثم كتاباً آخر. أولى قواعد بيترسون نحو حياة خالية من الفوضى هي: "قف منتصباً وبكتفين مستقيمين"، كتعبيرٍ عن الشجاعة وانعكاسها في لغة الجسد. كان من الأجدى به أن يصيغ نصيحته على الشكل الآتي "قف منتصباً وبكتفين مستقيمين.. إلا إذا كنت امرأةً ممتلئة الجسد".

كذلك، يتوجّه بيترسون الى قارئه بالنصيحة التالية: "رتّب بيتك الداخلي أولاً قبل أن تنتقد العالم". إنها نصيحة خبير نفسي يحمّل الفرد وحده مسؤولية انهزامه أمام نظام عالمي طاحن، لكنه يعجز عن مساعدة نفسه على مواجهة الإدمان أو حبس دموعه عند الحديث عن القدر المشؤوم الذي ينتظر الرجل الأبيض. قبل الشروع في مواجهة خصومه -أي عارضة الأزياء ومِن خلفها التيار العقائدي الذي يدعو الى تحرير جسد المرأة من فروضه الجمالية البالية- تناسى بيترسون أن عليه أن يرتّب بيته الداخلي أولاً، بيت تغزوه فوضى الانفعالات الهيستيرية والأفكار الارتيابية ونظريات المؤامرة وهذيان العظمة وتبجيل دور الضحية إلخ...

تتجلّى هذه الفوضى في طرح بيترسون لنفسه كضحية. ونستعير من مجلة "ذا نيويوركر" وصفها لبيترسون بأن "لديه طريقة في جعل أي إدلاء، مهما كان بسيطاً، يبدو وكأنه القول الأخير لسجين سياسي يحتضر". في الوقت نفسه، يزعم المحارب الثقافي المأزوم أن عداءه للصوابية السياسية، نابع من مبالغة أتباعها في لعب دور الضحية واستثمار هذا الدور سياسياً وثقافياً واجتماعياً. حتى أن كافة قواعده قائمة على تبني فلسفة وذهنية "ألفا" ترفض التموضع في موقع الضحية. وبمعزل عن سخافة المفاضلة بين الاضطهاد الذي يواجهه الرجال الأغنياء البيض، وبين ذلك الذي تتعرّض له سائر أطياف البشر على مرّ العصور، فهل ما يريده بيترسون فعلاً هو الحفاظ على حق الرجل الأبيض في احتكار كل شيء، بما في ذلك دور الضحية؟

لكن بيترسون ليس أي ضحية! هو الضحية الألفا التي تفرض نفسها كرمز أبوي وسلطة تأديبية لا يمكن مواءمتها مع سلوكه كطفل بكّاء. عند مساءلته بشأن موقفه الرافض لاستخدام الضمائر الجندرية الملائمة للمتحولين أو غير الثنائيين جنسياً (إذ يستخدم هؤلاء ضمائر مختلفة عن تلك المنسوبة اليهم عند الولادة)، أجاب بيترسون: "لا أعتقد أن استخدام ضمائركم سيكون مفيداً لكم في المدى الطويل". إنه الحب الأبوي القاسي الذي يعرف مصلحة أبنائه أكثر منهم، وهم أطفال جاحدون لا يستحقون حكمته ورعايته.

ختاماً، فلنلخّص أبرز إسهامات بيترسون الفكرية التي تنصبّ على التمييز بين الحقائق والأساطير. فقراءته الموضوعية للتاريخ والواقع الحاضر تفضي به الى الاستنتاج بأن:

1) القمع الذكوري ما هو الا أسطورة نسوية.
2) إن تمرير قوانين ضدّ التحرش، بما في ذلك التحرّش اللفظي، ستقضي في نهاية المطاف على حرية التعبير.
3) امتيازات الرجل الأبيض ليست سوى "كذبة ماركسية".
4) ظهور عارضة أزياء بدينة في غلاف مجلة هو ضرب من ضروب الاستبداد.
5) ثمة مؤامرة تحاك على أيدي الماركسيين الجدد الذين تسللوا الى عالم الأكاديميا، والموضة أيضاً، من أجل إبادة الحضارة الغربية.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها