الأحد 2022/06/12

آخر تحديث: 07:58 (بيروت)

"النهر" لغسّان سلهب.. حلم لبناني مخيف وجميل

الأحد 2022/06/12 محمد صبحي
increase حجم الخط decrease
هناك أفلام مثل الطرق السريعة، بمخارج وإشارات وعلامات ومحطات وصول واضحة ومعروفة، وهناك أفلام أخرى لا تلتزم الخرائط. "النهر"(*) لغسّان سلهب ينتمي للنوع الأخير، بوتيرته البطيئة المتأملة، وبما يحويه من تيه وارتحال وتجوال واكتشاف، كرّ وفرّ، مدّ وجزر، ولعب مع الميثيولوجيا الدينية والأفكار المسبقة. فيلمٌ شجاع ينتصر به مخرجه في سينما منهزمة، باقتباس قول المخرج محمد سويد في معرض احتفائه بالفيلم.


طبيعة بشرية

"النهر" عمل مجازي وشعري يختتم ثلاثية فيلمية حول المعاناة المعاصرة للشعب اللبناني بدأها سلهب مع "الجبل" (2010) ثم "الوادي" (2014). فيلم ذو جانب وثائقي وقصدي في الطريقة التي يتعامل بها مع صور الطبيعة والبيئة التي تتحرك من خلالها الشخصيات، تغلّفه هالة تشبه الحلم والخيال تعمل على ربط الأزمة الحميمة لزوجين (أداء رائع من علي سليمان ويُمنى مروان) مع أخرى يختبرها بلد بأكمله. فيلم معقَّد ورمزي ومراوغ قد يجعل بعض المشاهدين يفقدون صبرهم، ولكن حالما يلفّك في ضبابه فسوف يجرّك في رحلة من الزوايا والأركان الرائعة، مثل قصيدة طويلة تتوالد سطورها من إمكانات واحتمالات يودعها كاتبها ويكملها قارؤها.

الحبكة متناثرة، تكاد تكون معدومة. في بداية الفيلم، نرى رجلاً وامرأة في رحلة معاً - على ما يبدو - على وشك مغادرة مطعم في قلب الجبال اللبنانية. هناك لعب غريب للمخرج في تلك اللقطات المقرّبة حيث يغيّر وجهة النظر الذاتية من الرجل الذي ينظر إلى المرأة إلى أخرى خارجية تخصّ المرأة يبدو فيها الرجل خارج تركيز الكاميرا. لا نعرف شيئاً عنهما أو إلى أين يذهبان، ولا نعرف بالضبط أين هما في لبنان. يبخل سلهب في كل المعلومات التي يقدّمها لنا، فهذا ليس شاغله الأكبر، ولا رغبة عنده لملاحقة حكاية مسترسلة أو انعطافات درامية. مع مرور الدقائق، سيكشف عن بعض التفاصيل الإضافية، مثل حقيقة أن العلاقة بينهما قد انهارت الآن. على الرغم من ذلك، لا يزال هناك انجذاب جنسي واضح لا يرفضانه في اتصالهما الجسدي. دون تحضير كثير، سيبتعدان عن "الحضارة" (بخلافهما، لا نرى سوى ظهورٍ عابرٍ لنادل المطعم) للذهاب إلى الطبيعة المحيطة بهما.


رحلة في اللاوعي اللبناني

ستصبح رحلة الطريق بعد ذلك سيراً على الأقدام، تأخذهم عبر غابات ومناظر طبيعية جميلة وآخّاذة وتحمل بداخلها كذلك آثاراً لماضٍ مؤلم يتعلّق بالتاريخ الحديث للبنان. سيبحث الرجل والمرأة عن بعضهما البعض، ويضيعان ويجد كل منهما الآخر مرة أخرى في لعبة الاستعارة المجازية التي يبحث بها سلهب عن أشباح الماضي. يبدو أن علاقتهما العاطفية قد عانت من اغتراب لا يمكن علاجه بسبب خيانة أو شيء من هذا القبيل. لا شيء مؤكداً في "النهر"، إذ يكاد لا يشتمل على حوار، فكل شيء تقريباُ يدور حول رموز خفية أو مقلوبة وأحاسيس واستبطانات عابرة لهذين المتجولين.

في تخييل رائع ومحفّز على التورّط، يظهر الواقع ليصطدم على الشاشة بالأصوات المادية وبعض الاكتشافات الأخرى غير المتوقعة. ضوضاء لطائرات ومروحيات- إسرائيلية على الأغلب - تحلّق فوق المكان وتجرح استقرار ووداعة الطبيعة تبدو كأنها تريد استئناف صراع حربي لا يزال باقياً في الضمير الجمعي للبنانيين بعد سنوات من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. إنها بمثابة تحذير من شيء يمكن تكراره في أي لحظة. يصبح المشهد الصامت والهادئ مزعجاً ومخيفاً في بعض الأحيان مع ظهور ضباب كثيف يبتلع الشخصيات. الموسيقى التصويرية الرائعة والبسيطة التي ألّفها شريف صحناوي تصبح بهذا المعنى عنصراً مهماً في كل مرة تظهر فيها من أعماق أصوات الغابة (هناك عمل جيد لمصممة الصوت رنا عيد في هذا الصدد).


بقايا حرب وميثيولوجيا

على طول الطريق سيجدان علامات لحقل ألغام قديم، وفيما يبتعدان عن الحاضر، سيصادفان مباني قديمة مهدمة تذكّر بآثار الحرب الأهلية أو العدوان الإسرائيلي في الثمانينيات، كما هو موضح في تواريخ ولافتات عند مدخل كهف حيث لا تزال بقايا الأسلحة محفوظة. يحدث التقدم الموازي بين قصة الحب وتاريخ البلد على مستوى ذهني، دائماً ما يكون خارج الإطار/التركيز. سيترك الأمر لكل متفرج لملء الفجوات.

الشيء الأكثر خصوصية في هذا الفيلم هو فتنته المستمرة والمتأتية من لعبه الدائم مع التفسيرات والدلالات التقليدية والجاهزة. تأتي أحياناً مشاهد واضحة في أيقونيتها، مثلما يحدث حين تعاين المرأة تفاحة معطوبة على شجرتها، فيأتيها الرجل من الناحية الأخرى بواحدة طيّبة، لتمازحه قائلة "لا يتبقّى سوى الأفعى". في مشهد آخر، تراه ينزف من إصبعه، فتقول: "جرح آخر". هناك أيضاً مشهد جنسي صريح بشكل مدهش، والكثير من مشاهد الطبيعة المقدّمة في حالة من المجد والتسامي. المختلف في تلك الأمثلة وغيرها الكثير مما يحمله الفيلم هو منطق وجودها وتضمينها خلال مَشاهده المتدفقة مثل نهر، حتى يبدو الفيلم كلّه حركة دائمة التدفق في حديقة أعاجيب واكتشافات.

"النهر" فيلم تجريبي يقترح تفكيك الحبكة لصالح سباحة حبلى بمفاجآت الأحلام ومنطق أحداثها. هذا ما ينعكس في لقطة طويلة يقول الرجل فيها إنه عرفها وأحبّها قبل أن يقابلها في الحياة الواقعية، بشعرها الطويل المرفوع لأعلى. تخبره المرأة أنها لم تسرّحه أبداً بهذه الطريقة. ذكريات ليست ذكريات، صور تخفي حقائق، تتجاور مثلما تفعل اللقطات المأخوذة بالموبايل في الزمن الحاضر جنباً إلى جانب أخرى من زمن فائت. تفتقر حركة الزوجين إلى "الحسّ المنطقي" المعتاد ويتصرّفان مثل مَن يتسلّق جبلاً غامضاً ليجدا في الأخير ذاتهما تحت العين الساهرة لكلب حراسة.

ختام الفيلم مفاجئ إلى حد ما ويأتي بعد إعلان محبط عن الحب وتحديقة طويلة في ظلام الطبيعة. إنه عمل شخصي للغاية ويغرس في الوقت ذاته كلا قدميه في الحالة اللبنانية الميؤوس منها. قبلة على رأس لبنان المقطوع، مثل قبلة سالومي ليوحنا المعمدان في الأسطورة التوراتية المقتبسة في أحد حوارات الفيلم عند الإشارة إلى اللوحة التي رسمها لوكاس كراناش الأكبر. "النهر" فيلم غامض ومتطلِّب، لكنه يتمتع بجمال رائع بفضل كاميرا فائضة الحيوية لمدير التصوير باسم فياض، الذي يبدو أنه أراد محاكاة تصاوير ورسومات عصر النهضة الأوربي عبر استخدام المنظور في تأطير الكادرات.

و"النهر" أيضاً فيلم/عمل سياسي - بالمعنى الواسع للكلمة – بما إنه نتاج اشتغال سينمائي مغامر وعنيد يصرّ على تحقيق مشاريعه كما يريد وبالشكل الذي يراه لائقاً بالرغم من منطق السوق ورأس المال السائد، بما لا يجعله أيضاً سجين خيالات طوباوية أو أبراج عاجية، بل سينمائياً يؤمن بأهمية وضرورة أن توجد وتتجاور التجارب السينمائية، لا تلغي إحداها الأخرى.

 

(*) عُرض مؤخراً في القاهرة ضمن فعاليات النسخة الخامسة من "أيام القاهرة السينمائية"، ويعرض الساعة :21:30 مساء 17 حزيران ـــ «سينما سيتي» (أسواق بيروت) ضمن مهرجان أيام بيروت السينمائية

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها