آخر تحديث:12:56(بيروت)
السبت 14/05/2022
share

"الرأسمالية المهشّمة" في وجوه ثلاثة: بلدية ومتأنقة ومحسوبية

شادي لويس | السبت 14/05/2022
شارك المقال :
"الرأسمالية المهشّمة" في وجوه ثلاثة: بلدية ومتأنقة ومحسوبية (بانكسي)
حين انطلقت موجة الانتفاضات العربية، رفَعَت شعارات الحرية إلى جانب الخبز. كانت إجابات مسألة الحرية جاهزة، متمثّلة في المؤسسات الديموقراطية وعملياتها. سريعاً ما اتّضح أن شكل أجهزة الحكم ومرجعياتها، محور للصِّدام بين الإسلاميين والعلمانيين، صِدام كان كفيلاً بتخريب مسار الثورات إجمالاً. أما في ما يخص مسألة الخبز، فالنخب المعارضة لم تملك مخططاً واضحاً لشكل إعادة بناء الاقتصاد على أسس جديدة. في المقابل، هيمنت فرضية ميكانيكية، ربطت بشكل مباشر وحتمي بين بناء المؤسسات الديموقراطية وخلق سوق أكثر عدالة ورفاهية. وكانت واحدة من أهم ركائز تلك الفرضية هي تسييس السؤال الاقتصادي بشكل مختزل، أي ربطه بالفساد السياسي وشبكات المحسوبية التي نظمتها الأسر الحاكمة من حولها. وكأن من شأن اختفاء تلك الشبكات أن يخلق سوقاً أكثر شفافية ورخاءً، بشكل شبه آلي. وهذا ما لم يحدث بالطبع. 

في كتابه "الرأسمالية المهشّمة: الأصول الاجتماعية لفشل بناء السوق في مصر"، يعود عمرو عادلي، الباحث الاقتصادي والأستاذ المساعد في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إلى تلك الأسئلة الأساسية، أي ما أسباب فشل النموذج الاقتصادي القائم في مصر قبل يناير، وبالتالي كيف يمكن إصلاحه أو تبديله؟ تعتمد أطروحة عادلي على عدد من الأحكام السالبة، فهو على سبيل المثال، يرفض القبول بالنقد اليساري الراديكالي الرافض للرأسمالية إجمالاً. فهو يرى في نظام السوق نموذجاً صالحاً لتحقيق النمو، بل وحتى في ظل الاختلال في عمليات إنتاج القيمة وتراكمها في العلاقات بين الشمال والجنوب، تظل التنمية قابلة للتحقق في الجنوب. ويضرب الكتاب أمثلة بدول جنوب شرقي آسيا، والصين وتركيا. بالقدر نفسه، لا يقبل الكتاب بإلقاء اللوم على النيوليبرالية، فبحسبه لا بُنية واحدة متناسقة ومكتملة لما يدعي نيوليبرالية، بل ثمة نسخ محلية منها شديدة التنوع والسيولة. وعبر تتبع تاريخ التحول إلى نظام السوق منذ انفتاح السادات حتى العقد الأخير لمبارك، ينفي عادلي أن تكون تلك العملية مجرد نتيجة لضغوط أو إملاءات خارجية، بل حكمتها أيضاً ضرورات وعوامل داخلية مُلحّة. وفي ذلك السياق، يفكك عادلي "أسطورة الإرادة السياسية"، فالدولة ليست وحدة متجانسة تملك إرادة موحدة وشاملة، بل هي شبكة معقدة من الهيئات والمؤسسات والتحالفات السوسيوسياسة المتنافسة والمتصارعة، وبالمثل فعملية بناء السوق لم تحدث بطريقة مركزية وقصدية، بل في أغلب الأحيان، من أسفل إلى أعلى بواسطة بيروقراطية مفكّكة وغير متسقة.

أما من جهة تنظيرات المدارس الكلاسيكية والنيوليبرالية، فالكتاب يفنّد تفسيراتها التي ترى أن الإصلاحات الرأسمالية في مصر، إما لم تكن كافية أو طُبّقت بشكل خاطئ. مبرهناً على ذلك، بالسجل الإيجابي لمعاملات حرية السوق في مصر وتقدّمها المتواصل بحسب المعايير المحافظة. يكمن العوار أو العيب الرئيسي في النقد النيوليبرالي، في تصوّره لنموذج مثالي تتم مقارنته بالأمر الواقع في دول الجنوب، ومن ثم يركّز على النواقص في المنظومة القائمة. على العكس من هذا، تسعى فصول "الرأسمالية المهشمّة" إلى التركيز على البُنى القائمة بالفعل ومحاولة فهم طريقة عملها. وأخيراً، يعارض الكتاب مقولات "الرأسمالية دون سوق" التي تُرجع فشل التنمية في مصر إلى الكارتيلات والاحتكارات المحكومة بشبكات المحسوبية. فمع عدم إنكار عادلي للفساد السياسي، فهو لم يقف عائقاً أمام التنمية في الكثير من دول الجنوب. ومن ناحية أخرى، يستعرض الكتاب العديد من الأمثلة لأعمال رأسمالية كبرى نجحت في الدخول إلى السوق والتوسّع فيها، من دون أن تكون على علاقة مباشرة بالنظام السياسي في مصر أو طرفاً في شبكاته. بل ويبين أن رجال الأعمال لم يملكوا في أي وقت، قدراً من النفوذ يسمح لهم بالتدخل في العملية التشريعية، أو تقلد مناصب تنفيذية، باستثناء الفترة الأخيرة من حكم حسني مبارك. فالبيروقراطية العليا، مدنية وعسكرية، ظّلت مهيمنة على عملية تعيين الموارد وتوزيعها: الوظائف والأرض ورأس المال.

لا يكتفي عادلي بأحكامه النافية، بل يقدّم أطروحات عديدة شارحة للنموذج القائم. أولها، "متلازمة غياب الوسط"، حيث يبين أن اللاعبين في السوق منقسمون بين أعمال شديدة الضخامة، وغالبية ساحقة من الأعمال متناهية الصغر، حيث إن 94% من الأعمال في مصر توظّف أقل من خمسة عمّال، فيما لا تتجاوز الأعمال متوسطة الحجم نسبة 1%. يفرد الكتاب فصلاً للنظام المصرفي في مصر، وآخر لأراضي مصر الصحراوية، ليحلّل المؤسسات والعمليات المسؤولة عن عملية التهميش تلك التي لا تمنع الولوج إلى السوق بالضرورة لكنها تجعل مسألة التوسّع والنمو شبه مستحيلة.

وانطلاقاً من فرضية ترى أن الرأسمالية بإمكانها التعايش في سياقات وبيئات مختلفة، وقناعة بوجود نماذج متعدّدة منها في البلد الواحد، في الوقت ذاته، يرسم عادلي مخططاً لـ"الرأسمالية المهشّمة". فبحسبه، أنتجت عملية صناعة السوق، ظرفاً مؤسسياً تتعايش فيه نماذج أعمال متعدّدة يلعب فيها الفاعلون الاقتصاديون بحسب قواعد وأعراف مختلفة. إذن، فالفوارق بين الأعمال في مصر ليست فقط بمعيار الحجم، بل بحسب القواعد التي تلعب بها، من توافر المدخلات ورأس المال والعلاقة بالدولة والتفاعل بين الأعمال بعضها مع بعض.

يقسّم الكتاب "الرأسمالية المهشّمة" إلى ثلاثة أنظمة متعايشة: الرأسمالية البلدية، والرأسمالية المتأنقة أو "الشيك" كما يسميها الكتاب، ورأسمالية المحسوبية. طبيعة كل واحدة من تلك الرأسماليات، يمكن فهمها من مخطط توضيحي لمثلث بثلاث رؤوس هي: السياسي والاقتصادي والاجتماعي. الرأسمالية البلدية تتميز بتقارب الاجتماعي مع الاقتصادي، ورأسمالية المحاسيب هي اندماج الاقتصادي مع السياسي، أما الرأسمالية المتأنقة فيتمايز فيها الاقتصادي عن كل من السياسي والاقتصادي.

في المحصلة النهائية، يمكن التشكيك في المثلث التوضيحي الذي استخدمه عادلي: فهل حقاً يمكن الفصل بين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والتعامل معها كمفاهيم مستقلة بذاتها في الواقع العملي؟ أليس "السوق هو ما أنتج الدولة في الغرب" مثلاً كما يقول في فقرة متقدّمة من الكتاب؟ لكن، بغض النظر عن ذلك، تبدو استثنائية كتاب عادلي في تفكيكه للخطاب السائد عن العلاقة المختزلة والآلية بين تغيير النظام السياسي وإصلاح الاقتصاد، وفي تشديده على عدم الحاجة للبحث عن نقائص المنظومة القائمة طبقاً لمعايير مثالية جاهزة، بل التركيز على الواقع القائم بوصفه الميدان الرئيس للاستيعاب والتحليل.

(*) الكتاب منشور بالإنكليزية العام 2020 عن دار جامعة ستانفورد.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها