آخر تحديث:14:15(بيروت)
الخميس 12/05/2022
share

"ثورة التوّابين"... أبطالها تراجيديون يونانيون لا يموتون

محمد حجيري | الخميس 12/05/2022
شارك المقال :
"ثورة التوّابين"... أبطالها تراجيديون يونانيون لا يموتون عبد الحميد قديريان
اختارت الباحثة التونسية، بثينة بن حسين، في كتابها "ثورة التوّابين"(دار الاتحاد)، الكتابة عن الفتنة الثانية في مرحلة من مراحلها، وهي فترة ما بعد موت (الخليفة) يزيد بن معاوية وتولي مروان بن الحكم الخلافة، أي انتقال السّلطة من الفرع السفياني إلى الفرع المرواني، وهي أيضاَ الفترة التي تطورت فيها العصبية القبلية بين القبائل القيسيّة واليمنيّة خاصّة منها في الشّام، المركز الأساسي للسّلطة الأموية، وتنامتْ خلالها حركة عبدالله بن الزبير حيث بسط نفوذه في العراق وكامل المجال الشّامي ما عدا الأردن.

تعدّت في هذه الفترة الشرعيات السياسية – الدينية التي تنازعتْ السّلطة خاصة الشّرعيّة الأموية المروانيّة المستندة إلى يمنيّة الشام، والشرعية الزبيرية التي ترتكر على الانتماء لأبناء "الصحابة المبشّرين بالجنة"، إضافة للسابق في الاسلام والانتماء لعائلة أبي بكر الصدّيق (حفيد أبي بكر فهو ابن اسماء ابنة ابي بكر). لكن الطابع المميّز لفتنة هذه الفترة (من 61هـ إلى 65هـ) هو تطوّر الحركة الشيعية، المرتبطة بذكرى الحسين بن عليّ. فقد نشأت حركة التوّابين بعد مقتل الحسين للاقتصاص من قتلته.

وبعد ظهور الفتنة الثانية لأول مرة في الشام بعد موت معاوية بن يزيد، التحق أحد الرجال المقربين من معاوية بن أبي سفيان، وهو الضحاك بن قيس الفهري، بعبدالله بن الزبير او التيار القيسي وساندته قيسية الشام كردّ فعل على سياسة المحاباة التي اتّبعها الخليفة معاوية بن سفيان مع يمينة الشام وبالإساس قبيلة كلب وأشرافها. وتواصلت هذه السياسة في فترة يزيد بن معاوية. وهي سياسة تنزل في إطار تركيز "أرستقراطية وعروبة الدولة الأموية". فقد كان الأمويون ينتمون لقريش – القبيلة الارستقراطية في الجزيرة العربية. واستندوا في سياستهم على الاشراف في مركز الحكم (الشّام) وفي الانصار بالعراق أو الكوفة والبصرة. فكانتْ هذه الفئة الاجتماعية تؤطر عشائرها. وكان هذا التأطير من أهم أسباب فشل الحسين بن علي في الكوفة... ودخلت الخلافة الأموية في مرحلة أزمة لعدم وجود ولي عهد من الأسرة السفيانية وبعد تخلّي معاوية بن يزيد عن الحكم. فقد رفض حفيد معاوية أن يتولى الخلافة لتديّنه ولم يجد خليفة مناسباً. وطلب أن يختاروا خليفة، وانعزل إلى حدّ وفاته. فعمل انصار السفيانيين خاصة منهم أشراف قبيلة كلب وأشراف اليمنية وعبيد الله بن زياد على تأسيس شرعية جديدة داخل الأسرة الأموية بالبيعة لمروان بن الحكم. فانتقلت السلطة لفرع العاص أي أبناء عم الخليفة عثمان بن عفّان.

وفي السياق، نشأت حركة التوّابين في بيئة كوفية متميّزة معقدة مع علاقة علي بن أبي طالب، وكانتْ هذه العلاقة ذات طابع روحي ونفسي، وهي تزداد تعقيداً كلما تقدّم الزمن. والتشيّع الأول لعلي كان عبارة عن رباط معنوي وحبّ من أهل البيت لكنه لم يكن رباطاً قوياً. فقد أراد الشّيعة الأوائل أو التوّابون الخروج من بوتقة الدولة الأموية، خاصة أنّ فترة زياد بن أبيه أو ابن أبي سفيان، كانت فترة تأسيس للدولة والمؤسسات في دواوين وتنظيم إداري وعسكري خاصة العلاقة بالثغور الايرانية.

الشرق الأوسط
واستهوى المؤلفة هذا المبحث لتأثير المذهب الشيعي في تاريخ تونس حيث تأسست أول دولة شيعية في تاريخ الاسلام بمساهمة فعالة من البربر (قبيلة كتامة)، كما أن الصراع السنّي الشيعي الحالي خاصة في الشرق الأوسط  يجعل موضوع البدايات وتأسيس الحركة الشيعية ضرورياً لنفهم واقعنا بعيداً من كل الخطابات الإيديولوجية. ويعتبر أبو مخنف، الراوي الأساسي لأحداث هذه الفتنة وهو شيعي من الكوفة ينتمي لقبيلة الأزد اليمنيّة، توفي سنة 774م، وذكرتْ رواياته عن العراق والشيعة في تاريخ الطبري و"أنساب الأشراف" للبلاذري. وقد كان جدّه سيد الازد في موقعة صفين إلى جانب الامام عليّ. وتعتبر رواياته منحازة للشيعة، حيث يعتبرها اعداؤه من السنّة وغيرهم روايات ضعيفة... ويُستنبط من رواية أو مرويات أبي مخنف أن التوّابين أنشأوا حجر الأساس للهوية الشيعية التي انطلقت من الكوفة ومن القبائل اليمنية. وقد وجد خطابهم الإيديولوجي وضعيته المكانية والرمزية عند زيارتهم لكربلاء. فكانتْ هذه الزيارة عبارة عن ولادة للطقوس والرموز الشيعية المتمثّلة في مكان الشهادة والبكاء والتخلّص من الذنب والتعبير عن الحداد والحزن وغيرها من الطّقوس والرّموز التي ستظهر في بيئات شيعيّة أخرى. فلما خرج "التوّابي" سليمان بن صرد ليلاً في هذا المكان للالتحاق بكربلاء حيث قبر الحسين، بقوا به يوماً وليلة يصلون عليه ويستغفرون ويبكون. وذكر البلاذري أنهم صاحوا صيحة واحدة عندما وصلوا للقبر وبكوا ونادوا "يا لثأرات الحسين"... وشبه الرّاوي (أي صادق الذي روى عنه أبي مخنف)، الازدحام حول قبر الحسين بالازدحام على الحجر الأسود. وترحّم سليمان بن صرد على الحسين "الشهيد ابن الشهيد، المهدي ابن المهدي، الصدّيق ابن الصدّيق".

وبعد زيارة قبر الحسين أمر سليمان بن صرد أصحابة أن يتجهوا من كربلاء لقتال قتلة الحسين. وتطوّر مطلب التوّابين من مطلب ديني شخصي (التوبة من الذنب) إلى مطلب سياسي ديني وهو ارجاع السّلطة لآل الحسين بن علي، وظهرت مفاهيم الفتنة من جديد(الجهاد والضلال والحق)، وأظهر التوابون مفهوماً قرأنيا مثل ما حدث في الفتنة الكبرى وفي الفتنة الثانية في مرحلتها الأولى أي في عهد يزيد بن معاوية. والرجوع للقرآن كان ضرورياً لايجاد شرعية دينية صلبة تقف في وجه الشرعيات الأخرى "المعادية" خاصة منها الشرعية الأمويّة. كما أن التّوبة كانت أساس الخطاب الايديولوجي للشيعة التوّابين.

لم يكن التوّابون يفكرون في نجاح حملتهم العسكرية ضد الأمويّين بقدر ما كانت تدفعهم مشاعرهم نحو إعادة الاعتبار للحسين بن عليّ وذكراه كإمام شهيد ومظلوم ومغدور. وقد أتاه الغدر من ناحيتهم. وخلال المواجهة، دعا القائد الأموي التّوابين للطاعة والدخول في الجماعة التي يمثلها الخليفة عبد الملك بن مروان. بينما دعا التوّابون الجيش الأموي أن يسلّموا لهم عبيدالله بن زياد ليقتلوه كما قتل الحسين وغيره من اخوانهم، كما طلبوا منهم خلع عبد الملك بن مروان، وأخراج آل الزبير من بلادهم أي من الكوفة، وأخيراً إرجاع السلطة لآل بيت الرسول، فرفض كلاهما مطلب الآخر. كان جيش الشام الأموي يرى نفسه على حق، وقادة التوابين يعتقدون أنهم وحدعم على صواب.

ويذكر البلاذري أن الحرب بين الطرفين كانت على أشدّها. وانهزم أهل الشام ولم يوقف القتال إلا قدوم الليل. وفي اليوم الثاني دخلت مجموعات جديدة إلى القتال، ورغم التفوق العددي لجيش الأموي، فإن التوابين لم يفقدوا الأمل... وحرص الرواة على تلميع صورة الشيعة من القواد. فهم يظهرون كأبطال من أبطال الميتولوجيا اليونانية لا يموتون بسهولة ويقاتلون بكل شراسة. وهم لا يموتون الا بعد أن يجتمع العديد من الرجال لقتلهم. ويروي أبو مخنف بأن عبيدالله بن سفيان المزني، وهو من التوابين، بعد انتهاء القتال، هبّ إلى الجيش الأموي شاهراً سيفه، كـ"دون كيشوت". وكان يقول الشعر معبّراً عن هروبه إلى الله... في السياق تبين الكاتبة أو الباحثة بثينة بن حسين، ومن خلال المرويات، أن الفرار بالنسبة لبعض العناصر الهاربة من ساحة المعركة كان يعني التنكر للمبادئ الشيعية ولاصحابهم من القواد والفرسان الذين استشهدوا ليتوبوا من ذنوبهم، ويعني كذلك التمسّك بـ"الحياة الدينا" و"الظفر بالنفس من الهلاك". ويتبين من المرويات أيضاً أهمية العصبية القبلية في تعبئة العشائر وتحريضها على محاربة الجيش الأموي. كما أن المكونات الانتروبولوجية للعشائر بقيت مهمّة (كالأمان) في مجتمع عربي إلى اقصى حدود.

لقد كان التوابون مصدر الفتنة بالنسبة للخليفة عبد الملك بن مروان، الذي أسس الوالي التابع له الدولة التي تسيطر على القبائل، خاصة بتركيزه لنظام ارستقراطي متمركز على الأشراف. فكان أشراف الكوفة يؤطرون قبائلهم ويحصلون في مقابل ذلك على هدايا مهمّة من الدولة. فكان هذا التنظيم يمكّن والي العراق من السّيطرة على الأمصار.

وتتساءل بثينة بن حسين بأنه ربما كان الشيعة كبقية الأشراف يريدون المحافظة على امتيازاتهم المالية، فحاولوا أن يخرجوا عن الدولة واستدعوا الحسين بن علي للقدوم إلى الكوفة، لكنهم تراجعوا أمام قوّة الدولة بأشرافها (أشراف الكوفة) وقوة المؤسسات الردعية (الجيش والشرطة)، وكذلك قوة الإيديولوجيا (الوقوف ضد الخارجين عن الطاعة)، واخيراً لا ننسى قوة شخصية عبيد الله بن زياد الذي كانت لديه مقدرة عسكرية وسياسية.

كما أن الشيعة لم يكن لديهم جيش أو أنصار يمكن الاعتماد عليهم تجاه قمع الدّولة، فخذلوا الحسين بن عليّ. ولم تكن ثورة التوّابين سوى "عملية انتحارية" في سبيل التّكفير عن ذنوبهم المتمثلة في خذلان سبط الرسول الحسين بن علي، وكانت أشبه بالجهاد في سبيل تركيز المذهب الشيعي. وتميزتْ هذه الحركة بطابعها العربي القحّ حيث شاركت فيها القبائل العربيّة في الكوفة، كخزاعة وفرارة وتيم، وخاصة القبائل اليمنية كالأزد وبجيلة. وتبقى القبائل اليمنيّة من أكثر القبائل تشيّعاً في الكوفة منذ مشاركتها في صفّين مع علي بن أبي طالب، واصطفافها وراء حجر بن عديّ الكندي في ثورته ضد معاوية بن ابي سفيان وواليه على العراق زياد ابن أبيه. بينما ساهمت العناصر الأعجمية في الثورات التالية، كثورة المختار الثقفي. ولاحقاً ستنضم العناصر الإيرانيّة والهنديّة وغيرها إلى هذا التّنظيم، وتعطي طابعها الخاص للتشيّع. وتظهر أهمية مرحلة كربلاء في مسار التّوابين، فقد كان التوقّف بها عبارة عن ولادة تاريخ جديد للشيعة. فقد نشأت كربلاء على أيدي التوابين كمحطة للذكرة الشيعية، ستتطور عبر التاريخ. كانت مسيرة التوّابين من الكوفة في اتجاه كربلاء طقساً أساسياً سيتطور لدى الشيعة في القرون التالية، وبعد اضطهادهم في الفترة الأموية والعباس، سيتطور الأمر الى حج لمكان أساسي، وهو من أماكن الذاكرة الشّيعيّة الحسينيّة...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها