آخر تحديث:12:55(بيروت)
الأربعاء 11/05/2022
share

عن "مكرمة" الكتب المهترئة تحت جسر الرئيس

محمد كساح | الأربعاء 11/05/2022
شارك المقال :
عن "مكرمة" الكتب المهترئة تحت جسر الرئيس كان مصدراً متفرداً للكتب النادرة التي نفدت طبعاتها
ربما كانت قضية تجمهر أهالي المعتقلين تحت جسر الرئيس وسط العاصمة السورية دمشق، مناسبة أليمة للبعض الذين، مع ذلك، زاغت عيونهم، متجاوزة ازدحام المكان بآلاف الأشخاص، للبحث في الصور والذاكرة عن حياة افتقدوها، وعما كانت المساحة تحت الجسر تمنحهم إياه كساحة مكتظة ببسطات بيع الكتب منذ سبعينات القرن الماضي.

قديماً، قبل اندلاع الثورة السورية، اعتبر كثيرون وجود هذا المكان، مكرمة من حافظ الأسد الذي سمح لتجار الكتب برصفها تحت جسره الذي يعج بالمخبرين وكتبة التقارير وعناصر الأمن السياسي، وبائعي المجلات والشرائط الإباحية، إضافة لأطنان الكتب الرصينة النادرة التي اشتراها أصحاب البسطات من تركات مثقفي العاصمة، وعليها تواقيع وإهداءات لكتّاب مهمين. وفي رواية أخرى، يتناقلها كثيرون أيضاً، يُعدّ هذا المكان الثقافي وسط زحام وسائط النقل والركاب المسافرين وفي غمرة الأوساخ والسخام، هدية من وزيرة الثقافة السابقة، نجاح العطار، إثر سماحها بانتشار بسطات بيع الكتب تحت الجسر الذي حمل اسم الأسد الأب، على اعتبار أنه باني "سوريا الحديثة".

والحال، أن البحث عن أي حيز أو مجال ثقافي، يمكن للمرء أن يمارس نشاطه الفكري الممتع بين أرجائه، كان يشغلني منذ الصغر. وبعيداً من الكتب ذات الطابع القومي في المراكز الثقافية، والتي لم تكن تستهوي أحداً، جربت زيارات منتظمة إلى مكتبات الحلبوني حيث دور النشر الشهيرة تعرض مطبوعاتها النظيفة والمختومة بالنايلون الشفاف. لكن دور النشر هذه لم تكن تلبي تطلعات شخص مهووس بمطبوعات عصر اليقظة العربية في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، والتي كان يوفرها مكان آخر، قريب من دور النشر الأنيقة في الحلبوني. هكذا، كانت آلاف الكتب المهترئة والمتّسخة، مرمية على قطع من الكرتون أو على الأرض في طول الطريق الممتد من نزلة الحلبوني، وصولاً إلى جسر الرئيس، ومن أول منعطف يقود نحو كلية الشريعة والحقوق، نزولاً إلى أسفل الجسر. كان ذلك المكان ملاذي المفضّل، كما المئات من عشاق ومقتني الكتب.

رائحة كريهة هنا. تتراصّ المجلدات التي تفوق العشرين، للأعمال الكاملة للشاعر السوري نزار قباني، بعضها فوق بعض، كأنها قلعة محصنة. كتب طه حسين، العقاد، المازني، محمد حسين هيكل، نجيب محفوظ، يوسف السباعي، عبد الرحمن بدوي، فرويد، جان بول سارتر، مسرحيات شكسبير وهنريك إبسن وروائع المسرح العالمي. مجموعات كاملة لمجلات عريقة مثل الرسالة، الثقافة، الدوحة، والعربي، إضافة إلى مئات العناوين التي قامت وزارة الثقافة بطباعتها لأدباء سوريين، كلها موجودة ومتاحة هنا بأسعار رمزية. إلى جانب هذا الكم الهائل من المؤلفات النهضوية والأدبية، تصطف كتب بشتى اللغات. المؤلفات الكاملة لمكسيم غوركي بلغتها الروسية، حاضرة إلى جانب أعمال لينين المختارة والتي تصل إلى عشرة مجلدات بأغلفتها المنسوجة من الخيط كما هي جميع إصدارات دار التقدم الروسية. أعمال شكسبير باللغة الإنكليزية. مؤلفات لنيتشه بالألمانية. وآلاف وآلاف من الكتب التي أكسبت رواد المكان متعة بصرية وحسية لا نظير لها.

وتوصف بسطات الكتب تحت الجسر، بأنها مكان القراء الفقراء. وهو وصف مبالغ فيه لأن المكان يعدّ مصدراً متفرداً للكتب النادرة التي نفدت طبعاتها، ما جعله موئلاً للقراء الميسورين أيضاً. وكانت الكتب والمجلات النادرة تختفي بين أطنان الكتب، من دون أن تثير انتباه غالبية البائعين. لذلك، نجح معظم الزبائن في اقتنائها مقابل حفنة قليلة من الليرات. وفي حال كان البائع مثقفاً -وهو أمر غير مستبعد- أو فشل الزبون في إخفاء بريق الفرحة المشع من عينيه، يمكن أن يرتفع سعر الكتاب عشر مرات، وهنا يدخل الطرفان في مفاوضات لا يخرج منها خاسراً إلا الزبون.

وهناك فصل آخر يمكن استعراضه في الحديث عن هذا المكان، ناجم عن التمعن في هوية البائعين. إذ يزدحم بعشرات البائعين المخبرين. كما يعقد الزبائن علاقات ثقافية مع بعض البائعين المثقفين. ومع الوقت، يتمكن الزوار الأذكياء -وجميعهم من الأذكياء وإلا لما اختاروا المواظبة على هذا المكان- من معرفة البائع المخبر، من البائع المثقف، من صنف آخر موجود بكثرة، وهو البائع التاجر. ويدرك الزبائن، أثناء تتبع ما تعرضه بسطة ما من الكتب، أن صاحبها متعاون مع أجهزة الأمن، لمجرد وجود كتب من قبيل: الجفر المنسوب لعلي بن أبي طالب، أو تلك الكتب التي تتحدث عن طائفة العلويين. على أن هذه الكتب ينبغي أن تتوافر بكثرة، بين أرجاء البسطة، مع إهمال البائع تلبية طلبات زبائنه الباحثين عن كتب محددة، أو ملاحظة مستوى عال من اللامبالاة لديه، أثناء صفقات البيع، كأن يصر على سعر محدّد من دون مفاصلة. في حين يبرز البائعون المثقفون، من اللحظة الأولى، فهم يحاورون الزبون وينصحونه بهذا الكتاب أو ذاك، وعدد منهم مارس الصحافة لسنوات، لكن سوء الأقدار قاده إلى هذا المكان حيث يتخذه مأواه الأخير. ولا يمكن في حال من الأحوال، أن يدعك الصنف الثالث من البائعين، تغادر المكان، من دون شراء كتاب، حتى ولو تمت صفقة البيع لقاء مبلغ زهيد. كما يحرص هؤلاء الباعة على تلبية جميع طلبات زبائنهم، مهما كانت نادرة، لكنهم في المقابل ينتهزون فرصة الحرص المبالغ فيه لدى الزبون لرفع السعر أضعافاً.

ومن الأمور التي تميز "جسر الكتب"، وجود الكتب الممنوعة بين أرجاء الكثير من بسطاته. ويعود التغاضي عن هذه الظاهرة -في ما أخمّن- إلى ضعف المحصول الثقافي لدى المخبرين المنتشرين في المكان. إذ لا يمكن لأحدهم التمييز بين كتب "الإخوان المسلمين" التي كانت متوافرة فعلاً تحت جسر الرئيس، وبين كتب الطبخ والحياكة، والمجلات الإباحية وهي صنف آخر مما كان يثيره المكان في نفوس بعض الزبائن الباحثين عن متع بصرية بعيدة من مخاطبة العقول.

واليوم لم يتوقف الساعون إلى اقتناء الكتب عن زيارة هذا المكان، لكن عددهم تقلّص بمقدار ما تقلص عدد السوريين المقيمين في مناطق سيطرة النظام. وما زالت عناوين عتيقة لكتب مهمّة، كتب معظمها من فورة اليقظة العربية، معروضاً في البسطات، في انتظار مَن يظفر بها مِن هواة تلك الفترة التاريخية. وفي الأثناء، يقلّب كثيرون أوجاعهم نتيجة بُعدهم من مكان ألفوه لسنوات وسنوات، حتى أعادت الصور الموجعة لأهالي المعتقلين ذكريات من تاريخ سوريا الثقافي المُعاش تحت جسر الرئيس... أو جسر المعتقلين كما يسميه الآن المعارضون. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها