الجمعة 2022/04/22

آخر تحديث: 10:45 (بيروت)

على أرضها نزف المسيح ألمه

الجمعة 2022/04/22 محمود الزيباوي
increase حجم الخط decrease
في قصيدة "قافلة الضياع"، يبكي بدر شاكر السياب فلسطين، ويستحضر صورة المصلوب الجريح: "كان المسيح بجنبه الدامي/ ومئزره العتيق يسدّ ما حفرته ألسنة الكلاب/ فاجتاحه الطوفان: حتى ليس ينزف منه جنب أو جبين/ إلا دجىً كالطين تُبنى منه دور اللاجئين". يجمع الشاعر العراقي بين حال المسيح المصلوب وحال اللاجئين القادمين من الأرض المحتلة في صورة تتكّرر على مدى عقود من الزمن في الشعر العربي، كما في سائر الفنون. ويتساءل المرء، متى تشكّلت هذه الصورة؟ وكيف تكوّنت في بداياتها؟ 
 
في منتصف آذار 1939، قبل النكبة بسنوات، نشرت مجلة "الجمهور" اللبنانية رسمين مثيرين يجمعان بين المسيح وفلسطين، ولم تُشر للأسف إلى مصدر هذا الرسمين، كما لم تذكر اسم الرسام الذي صوّرهما. في الرسم الأول، يظهر رجل بالزي الفلسطيني معلقاً على خشبة الصليب، تبعاً للمثال السائد في الفن المسيحي منذ القرن السادس. وتظهر من خلفه محلِّقةً في الأفق طائرات حربية. فوق هامة المصلوب، عند أعلى الصليب، ثبّتت لافتة كتب فيها "فلسطين الأرض المقدسة"، وفي أسفل الرسم، نقع على كتابة: "عشرون قرناً بعد المأساة الأولى". عند قدمي المصلوب، نرى قبعة غربية ملقاة أرضاً إلى جانب غليون، ويتضّح معنى هذا العنصر من التأليف في الرسم الثاني، حيث يظهر رجل يعتمر مثل هذا القبعة وفي فمه غليون، رافعاً ذراعيه نحو الأعلى، شاهراً بيده اليمنى بندقية. ينتصب هذا الرجل ذو الزي الإفرنجي فوق رتل من الجماجم، وتحت هذا الرتل، تقع على كتابة تقول: "ومع هذا كله لن يتحقّق حلم اليهود في الأرض المقدسة". في المقابل، نقع على عبارة "عبثاً" داخل دائرة في الطرف الأعلى من هذا الرسم.

في المسيحية، حوّل مجيء المسيح، مقاصد الله، فصارت أورشليم الأرضية الحاضرة "مُستعبدة مع بنيها"، بحسب قول بولس الرسول (غلاطية 4: 25)، واتّجهت الأنظار إلى أورشليم الجديدة السماوية. رأى المسيحيون الأوائل، في دمار أورشليم في العام 70 للميلاد، دليلاً على تخلي مقاصد الله عن أورشليم الأرضية، وغلب الحديث عن أورشليم السماوية. تبدّلت الصورة في القرن الرابع، حين شرع أوسابيوس أسقف قيصرية فلسطين بالبحث عن "الأماكن المقدسة"، ورأى أن فلسطين هي المكان الوحيد في العالم الذي يمكن التحدُّث عنه كموطئ قَدَم الله، واستعاد القول الشهير "لندخل إلى مساكنه، لنسجد عند موطئ قدميه" (مزمور 132: 7). ساد هذا الاتجاه من بعده بسرعة كبيرة، وصار الحجُّ إلى الأماكن المرتبطة بحياة المسيح عادةً وتقليداً شعبياً انتشر في أنحاء العالم بعدما تبنّاه الأمبراطور قسطنطين. 

عاصر أسقف قيصرية فلسطين هذه المسيرة، ونقل أخبار هذا الأمبراطور في كتابه "حياة قسطنطين العظيم". تقول الرواية إن قسطنطين اختار المسيحية ديانة له، ورأى وهو يصلي "صليباً من نور في السماء، فوق الشمس"(1: 28)، مع كتابة تقول "بهذا تغلب"، فصنع راية الصليب، وأمر بأن تُرفع على رؤوس كل جيشه، وتم له النصر في كل مكان وُجدت فيه هذه الراية. إثر هذا الانتصار، أصدر قسطنطين أمراً بإقامة بيت للصلاة في المكان المقدّس الذي شهد قيامة المسيح، "ولم يفعل هذا بباعث من تفكيره الشخصي، بل لأن المخلص نفسه حرّك روحه"(2: 25). وأمر بالكشف عن "هذا الأثر المبارك المقدس" (2: 28)، ثمّ "أمر ببناء بيت للصلاة في غاية الفخامة، يليق بعبادة الله، وذلك بجوار قبر المخلص"، "وأعطى الأوامر لحكّام الأقطار الشرقية ليبذلوا كل ما في وسعهم للإنفاق بسعة حتى يتم البناء بغاية الفخامة" (2: 29)، وطلب بأن يفوق هذا البناء كل كنائس العالم، وبناء على هذه التعليمات "بُنيت أورشليم الجديدة في نفس الموقع الذي شهد آلام المخلص، بدلاً من تلك اشتهرت قديماً" (2: 33). بعد ذلك، عمد الأمبراطور إلى الكشف عن المكان الذي شهد ميلاد المسيح، والمكان الذي شهد صعوده إلى السماء، وأمر بإقامة كنيسة في بيت لحم وأخرى في جبل الزيتون، وزيّنهما بمنتهى الفخامة، وخلّد بذلك ذكرى أمه هيلانة التي أسرعت "لتجوب في هذه الأراضي المباركة، بالرغم من تقدم سنها"(2: 42)، "وقدّمت الإكرام اللازم للأرض التي وطأتها قدما المخلص"، "وخلفت ثمار تقواها للأجيال القادمة"، و"كرّست كنيستين لله الذي كانت تعبده، واحدة عند المغارة التي شهدت ولادة المخلص، والأخرى على جبل صعوده" (2: 43).  

هكذا أضحت فلسطين في المسيحية أرضاً مقدسة منذ القرن الرابع، وباتت مقصداً للحجاج من أنحاء العالم منذ ذلك التاريخ. وينقل الرسمان المنشوران في 1939 صورة تعبّر عن الخوف من ضياع هذه الأرض التي تمثّلها مصلوبة مثل شعبها. تتكرّر هذه الصورة بشكل جلي في رسم من توقيع خليل الأشقر احتل غلاف مجلة "الصياد" اللبنانية في أيلول 1948، وفيه تظهر فلسطين مسمّرة مرة أخرى على الصليب، وهي هنا في هيئة امرأة ترتدي ثوباً أبيض يلف جسدها، مع منديل يكسو رأسها. وتظهر كتابة في الأعلى تقول "بين لصّين"، في إشارة إلى قول الإنجيل، "صُلب معه لصّان، واحد عن اليمين وواحد عن اليسار" (متى 27: 38). وبدلاً من صورة اللصَّين المعهودة، نقع على رجل بدين يشير طراز لباسه إلى هويته البريطانية، ورجل نحيل يشير طراز لباسه إلى هويته الأميركية. تتكرر هذه الصورة بأشكال وتعابير عديدة في عدد كبير من الأغلفة. في خريف 1960، تظهر المرأة بثوبها الأبيض على الصليب من جديد، في غلاف مجلة "الأسبوع العربي"، في لوحة من توقيع إسماعيل شموط. تتساقط من قدمَي المصلوبة قطرات الدماء فوق أرض قاحلة تعلوها ثلاث شجيرات يابسة. وتحضر في المقدمة صبيّة ترمق المشاهد بغضب، كما تظهر من خلف هذه الصبية خيمة تسكنها لاجئة. في القسم الأعلى من التأليف، تلتمع الشمس فوق الصليب، وسط سماء برتقالية تتّحد بالأرض اليباب. 

يحضر الصليب عارياً في غلاف مجلة "الديار" في "فصح 1968"، ويلتف على خشبته الأفقية منديل كُتب فيه "الحقّ في فلسطين"، ونقرأ في أعلى الصفحة الأولى من المجلة: "أرض فلسطين تعودت أن ترى الحق معلقاً على خشبة الصليب ومطعوناً بحربة بيد اليهود. وإذا كان المسيح قد صُلب هكذا، فعاد وانتصر على جلاديه بأن قام من بين الأموات. والحق الذي هو الآن مصلوب في فلسطين بحربة اليهود، لا بد أن ينتصر هو أيضاً على جلاديه الصهاينة. فعسى أن يكون لك في أقرب وقت. هذه اللوحة قد رسمها الفنان الشهير أسعد رنو خصيصاً للديار". 

في نهاية 1968، كذلك، أصدرتْ "دار الآداب" ديوان "عاشق من فلسطين" لمحمود درويش، وكان قد نُشر في فلسطين العام 1966، ووصلتْ نسخٌ قليلةٌ منه إلى الوطن العربيّ. احتلت صورة الفلسطيني المصلوب غلاف هذا الديوان، كما في رسم 1938، غير أن هذا المصلوب بدا هنا وهو يرفع يده اليمنى نحو الأعلى، راسماً قبضة الثورة. قبلها، في خريف 1967، صدرت أسطوانة "المسيح"، مع صورة أخرى للفلسطيني المصلوب. حملت هذه الأسطوانة تسجيلاً لأغنية أنشدها عبد الحليم حافظ على خشبة مسرح ألبرت هول في لندن، كتب كلماتها عبد الرحمن الأبنودي، ولحّنها بليغ حمدي، ونصّها: "يا كلمتي لفّي ولفّي الدنيا طولها وعرضها/ وفتّحي عيون البشر/ للّي حصل على أرضها/ على أرضها طبع المسيح قدمه/ على أرضها نزف المسيح ألمه/ في القدس في طريق الآلام/ وفي الخليل رنّت تراتيل الكنايس في الخلا/ وصبح الوجود إنجيل على أرضها/ تفضل تضيع فيك الحقوق لامتى يا طريق الآلام/ وينطفي النور في الضمير وتنطفي نجوم السلام/ ولامتى يمشي فيك جريح/ ولامتى فيك يفضل يصيح/ مسيح ورا مسيح ورا مسيح/ على أرضها/ تاج الشوك فوق جبينه/ وفوق كتفه الصليب/ دلوقتي يا قدس ابنك/ زي المسيح غريب/ تاج الشوك فوق جبينه/ وفوق كتفه الصليب/ خانوه خانوه نفس اليهود/ وابنك يا قدس لازم/ زي المسيح يعود/ على أرضها".

اغتيل غسان كنفاني في تموز 1972، وإثر رحيله، نشرت الصحافة عدداً من رسومه، منها رسم يمثل صليب المسيح فارغاً، معلّقاً في الأفق، وبدت من خلفه القدس بقبابها، في صورة تختزل من جديد هذا الرابط الذي وحّد في الذاكرة العربية بين المسيح المصلوب وفلسطين الجريحة.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها