آخر تحديث:18:52(بيروت)
الخميس 31/03/2022
share

عَودٌ على صديقة لقمان سليم الشرّيرة.. وإنجازات "أمم"

المدن - ثقافة | الخميس 31/03/2022
شارك المقال :
  • عَودٌ على صديقة لقمان سليم الشرّيرة.. وإنجازات "أمم"
    من معرض صديقتي الشريرة(تصوير مروان طحطح)
  • صديقتي الشريرة
    صديقتي الشريرة
  • صديقتي الشريرة
    صديقتي الشريرة
تستعيد "أمم للتوثيق" في معرض في الهنغار- حارة حريك، جوانب من عالم الناشط والكاتب لقمان سليم، فتنظم معرضاً يجمع بين الفني والتوثيقي ويحمل عنوان "عن #صَديقتي الشرّيرة" تيمّنًا بصديقة لقمان الإفتراضية وهي شخصية ابتكرها بحس من السخرية اللماحة، وبات يسرد على لسانها مقاربته الخاصة لمختلف المسائل المحيطة بنا، خصوصاً السياسي منها. وإن كان المعرض يولي اهتماماً خاصاً إلى صديقة لقمان الشريرة، إذ كان من عادة  لقمان أن يخاطب الناس عبرها في وسائل التواصل الإجتماعي في جُمل وجيزة، متمكناً بحنكته المعتادة وبلغته المتطبعة بثقافته وفكره الخاص أن يطرح عبرها إشكاليات أكثر تعقيداً.

غير أن المعرض أيضاً منصب وبشكل أساسي على فكر لقمان وعمله البحثي والتوثيقي في "أمم للتوثيق والأبحاث" و"هيّا بنا" والمشاريع التي خاضها وزوجته وشريكته المخرجة مونيكا بورغمان في تأسيس "أمم" و إدارتها على مدى أكثر من 17 عشر عاما من دون أن نغفل ما سبق تلك المرحلة التي من أبرز محطاتها تأسيسه لـ"دار الجديد"، التي وفي وقت لاحق انتقلت إدارتها لرشا الأمير.

وخلال المسافة القصيرة نسبياً التي يعبرها زائر المعرض في الهنغار، يتنقل زمنياً وجغرافياً ضمن كل تاريخ العنف ونظمه، التي تشكل حدود العالم العربي، فتتشكل له بوضوح الرؤيا التي آمن بها لقمان ومدعاة انشغاله الدائم بتوثيق الذاكرة وأشكال العنف في بلد تنكره لذاكرته يصل حدّ الرهاب وفقدان الذاكرة الجماعي، وتنبع هذه الرؤيا من اقتناع راسخ يتجسّد مليّا في كل أتمّه وأشرف عليه من مشاريع وأبحاث ودراسات بأن الذاكرة هي بالفعل ساحة معركة، كما عرّف عنها لقمان، ولعلّها المعركة الوحيدة المتاحة أمامنا. يتجسّدُ المعرض إذا عبر أوجه عديدة، تتراوح ما بين الفني والأدبي والتوثيقي. من الناحية الفنية هو عبارة عن توليفٍ بصري خاصّ من تنظيم فريق أُمم للتوثيقِ والأبحاث. فَمِنَ المساحاتِ الإفتراضية حَيثُ اعتادَ لُقمان أن يحدّثَنَا وعلى لسانِ صديقتِه ِالشريرة خاطًّاً نقدَه ُحول ما نَعيشهُ، إلى الهنغارِ حيث تتمثّلُ كتاباتَهُ وتتلاقى مع صورٍ فوتوغرافية لمروان طحطح تحاكيها وتستنبط منها سردياّت مختلفة. المدينة في صور مروان طحطح هي بيروت اليوم، ما بعد 17 تشرين وانفجار المرفأ، فيبدو أن ما يشغل طحطح في هذا المعرض أكثر من أي تفصيل آخر، هو كيفية التقاط صمت المدينة، في أماكنها وشعارتها المهجورة، في العتمة التي تغرق فيها كل ليلة.

وفي خضم كل ذلك الهدوء يتجلى ملياً كل ما هو غائب عن الصورة نفسها وعن حياة المدينة، بما في ذلك سكانها. لا يهدف مروان طحطح في هذا المعرض إلى تجسيد معاني أقوال لقمان حرفيّا بل التلاقي معها وهذا ما يحدسه الناظر، فهنالك رؤيا ابعد نلتمسها في كتابات لقمان وكلها تحيلنا إلى حاضر بيروت اليوم، إذ لا تَفقِدُ كلماته حِسَّهَا الآني وصِلتَهَا بحاضرٍ متعثرٍ، نمضي ولا يمضي بنا قدماً. فلقمان كأنما استبق اغتياله محللا ببلاغة دوافع القاتل لما كتب : "قَتلُ النَّفس الزَّكِيَّة أهوَنُ على القاتِلِ مِنَ التَّسليمِ بمَوتِ القَضِيَّة التي يَقتُلُ من أجلِها" وإذ هو في مقطع آخر، يسرد لنا كل أوجه المأساة بلا أن يذعن ولو لبرهة للتخلي عن حسّه الساخر: "يَشَرحُ صَدري أن لا مُخَلّصَ، ولا مُنقِذَ، ولا مَفَرَّ، ولا مَنجاة..." فلعلّه وفي تلك الخلاصة، قد يتمثل خلاصٌ ما.

 


المنحى التوثيقي
 
أما في ما يخصّ الجانب التوثيقي من المعرض فإن كان يستحيل فعلياً توثيق كامل ما أنجزته "أمم"، حيث أن أرشيفها الضخم هو دائماً قيد الجمع ويشكل بنياناً مستقلاً بحد ذاته، إلا أن في المعرض عودٌ على بعض من أهم المشاريع المنجزة والمقسمة بحسب فئاتها وعناوينها، إذ أنها تعكس طبيعة عمل "أمم" ودعوتها الدائمة لإعادة التفكير في الذاكرة وما يرتبط بها من قضايا من زوايا خاصة قلّما تم التطرّق إليها بداية بقضية المفقودين في الحرب الأهلية ضمن معرض ارتأى لقمان في حينها ان يحمل عنوان "... ولم يعودوا" ونفذ ضمن مشروع موسّع أطلقته "أمم" من خلال مبادرة "ما العمل؟ لبنان وذاكرته حمّالة الحروب"، إلى مختلف المشاريع التي تخوض في ذاكرة الحرب الأهلية والمنشورات الخاصة بديوان الذاكرة اللبنانية، وهو بحسب توصيف لقمان "دَليلٌ إلى «السِّلْمِ» و«الحَرْبِ»، لا إلى واحِدٍ مِنْهُما دونَ الآخر". هي دراسات تتسم  بخصوصيتها في مقاربتها لمسألة الذاكرة والعنف أنجزت في رحب ديوان الذاكرة اللبنانية وصدرت عن "أمم للتوثيق"، كتلك التي تناولت حوادث العنف الفردية وكيف يمكن قراءتها ضمن الواقع اللبناني وأشكال العنف المختلفة التي تتنازعه، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، دراسة من إعداد حسن عباس وعنوانها "كترمايا: عن جريمتين وأكثر مطالعات في كتاب الفظاعة (اللبنانية) العادية..." في تحليل جريمة كترمايا وجريمة الثأر التي تبعتها إذ فوض الأهالي لأنفسهم عقاب المتهم والتمثيل بجثته، وفي السياق ذاته، نشرت دراسة أخرى حول قضيّة مقتل الشاب جورج أبو ماضي في عين الرمانة العام 2009 حملت عنوان "تأمّلات في مقتل جورج أبو ماضي وفي مرويّاته" النص الذي اشترك في إعداده كلّ من ماري كلود سعيد، لقمان سليم وحسن عباس. يضاف إلى الجمع بالطبع مختلف الدراسات الإحصائية أو التوثيقية  التي نشرتها "أمم" على مر السنوات حول محاور مختلفة من بينها "بالرّوح بالدّم" وهي دراسة إحصائية حول مقاتلي الحرب، في حين أن "يوميّات اللجوء وأحَاديثه لبنان" المقسّمة بحسب السنوات إلى مجلّدات من بحث وتوثيق عبّاس هدلا، وإشراف لقمان سليم ومونيكا بورغمان، تفصّل كل الأحداث والتفاصيل المتداخلة المحيطة بمسألة اللجوء...

وضمن سلسلة دفاتر "هيّا بنا" تطالع القارىء نصوص تتراوح ما بين التحليل السياسي وأخرى تجنح نحو الخاصّ في مقاربتها لما هو أكثر عمومية وهي تتفاوت في طابعها ما بين التوثيقي والأدبي، وقد تتكفّل عنوانيها بتمهيد محتواها للقارىء، فنتوقف عند مختارات منها: "هذا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى... الأدوار، الواقع، الأفق" للشيخ محمد علي الحاج، "ولاية الدولة ودولة الفقيه الشيعة وتحديات المواطَنَة" للسيد علي الأمين...  



وبالعودة إلى إصدارات "أمم" الخاصّة بـ"منتدى المشرق والمغرب للشؤون السجنية" الذي يعنى بمسألة السجون ونظم التعذيب في مختلف البلدان العربية وتشمل لبنان، سوريا، مصر، العراق والبحرين وغيرها من الدول، فلنا أن نتوقف عند شهادات ملفتة في شفافيتها وفي سرديتها ومقاربتها للنظم السجنية، رواها معتقلون سابقون في سجون مختلفة من العالم العربي، من أبرز عناوينها "العَودُ إلى بني أُمّي" وهي شهادة سجين سابق دونّها حسن الساحلي وهي وثيقة مهمة عن سجن زحلة ترصد مدى هيمنة العشيرة والتقسيم الطبقي/العشائري الذي يمارس داخل هذه السجون، وليس لنا ان نغفل عن عن السيرة الذاتية الإستثنائية لعلي أبو دهن في كتاب "عائد من جهنّم  ذكريات من تدمر وأخواته".

ولا تغيب عن المعرض إصدارت أخرى مشتركة لـ"أمم" ودار الجديد قد يكون أبرزها "الفظيع وتمثيله" لياسين الحاج صالح، الكتاب الذي كان لقمان يعمل على تحريره قبيل اغتياله بأيام، و"أنا الضحية والجلاد أنا" لجوزيف سعادة، وكذلك "زقاق البلاط نتف من ذاكرة حي بيروتي" بتوقيع كريم الحكيم.

قد يكون من المفيد الذكر أن الكتب والمنشورات المعروضة ليست للبيع، بل بإمكان من يودّ من روّاد المعرض الإستحصال على نسخ منها بلا مقابل مادي. 

(*) المعرض مستمرّ لغاية الأول من أيّار، ويشرّع أبوابه أمام الزوار من الإثنين إلى الجمعة ما بين 11 صباحاً و6 مساء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها