الأحد 2022/03/27

آخر تحديث: 17:11 (بيروت)

أروى صالح... جيل الطلاب وجيل التماسيح(4)

الأحد 2022/03/27 محمد حجيري
أروى صالح... جيل الطلاب وجيل التماسيح(4)
increase حجم الخط decrease
(*) بعد الجزء الأول، والثاني، والثالث، هنا الجزء الرابع من مقال ينشر على حلقات، بمناسبة مرور ربع قرن على رحيل الناشطة اليسارية والكاتبة المصرية أروى صالح.
وأروى صالح التي استخدمتْ في كتابها "المبتسرون" الكيتش الخلاصي كإشارة إلى "حلم الخلاص الجماعي"، ويعتبر مصطلح الكيتش في معناه، معبراً حزيناً عن أحلام جيل اليسار المُجهض في سبعينيات القرن الماضي بالمساواة المطلقة والمسيرة الكبرى نحو عالم بلا طبقات. تقول أروى إن حلم المساواة ذاك، لفرط مثاليته، تحوَّل من كفاح واقعي إلى "كيتش"، إلى قناع ارتداه كل مناضل وتعالى به على الواقع الصعب بدلاً من أن يشتبك معه، لذا هو قناع يُخفي وراءه الموت، لأن جيلها صار يلتحف بفكرة مثالية تُغنيه عن النزول للأرض ومحاولة توصيلها أو خلقها أو تهيئة الظروف لها.


ويؤول كلامها عن المثالية والأحلام على الكثير من المعاني والمرايا التي تعكس زمن الانتكاسات والسقوط والعلل والخواء والخيبة وحتى العيش على جيفة الحنين الغابر، يقول زوجها السابق الشاعر مهاب نصر "أول مرة أتنبه إلى المعضلة التي يمثلها الرومانسي، (الرومانسي المصري وربما العربي) كانت عبر حوارات لا تنتهي مع أروى صالح عن الحب وعالم الصور القاسي، والمدهش أنها في آخر رسالة منها إليّ كتبت أنّ كلينا كان رومانسياً بطريقته. كانت هذه الخاتمة مفارقة بحد ذاتها ولا تعني بالضرورة أننا تعلمنا شيئاً، فالفتنة المدهشة للعاطفة المطالبِة والمورطة أخلاقياً، والحب المبني على خيالات عطاء غير محدود لكنه مؤجل إلى ما لا نهاية. وكتب مهاب نصر "قبل أشهر قليلة من انتحار أروى كتبتُ نصاً مطولاً، نصاً رغم تعقيده الذهني لم يستطعْ أن يخفي ضربة الغضب والانتقام اليائس. قرأتُ النص لصديقٍ روائيّ كان قد نصحني بعد انفصالي عن أروى بـ"البعد عن هذا المستنقع" ساءني التعبير جداً، وأدركتُ أنّه لا يفهم مطلقاً. كان هو نفسه على استعداد لأن يزم شفتيه كعادته ويربت على كتفي: "هذا قدرك" لو سقط حجر على رأسي وأنا إلى جواره. كان تروتسكياً يقرأ لرؤوف عبيد (صاحب مؤلفات ضخمة في علوم الأرواح) ويؤمن بأن مصائرنا الشخصية معلقة بالنجوم". يضيف مهاب "إذا كانت أروى "مستنقعاً"، بحسب كلامه، فقد بدا لي هذا المستنقع ولايزال نوراً زائداً عن الحاجة، نوراً معذباً ومجرماً. كان يراها مستنقعا لأنها كانت تشف بجرأة انتحارية الموجة التي يقف هو على شاطئها جباناً يلمسها بأصابع قدميه ثم يجري إلى الرمال. وبالنسبة إليّ لم يكن لدي مانع أن أعيش في هذا المستنقع إلى الأبد". ويقول "أهم ما بدا بعد انتحار أروى هو العدد الكبير من المقالات والرثائيات النبيلة التي انتفضت فجأة وكأنما بفارغ الصبر. أصحاب هذه الأقلام، مثل صديقي التروتسكي الروحاني، تركوا أروى لمرضها لسنوات تضرب فيها أبواب الوحدة بلا أمل، وحدتها داخل شقتها كما داخل وعيها الملتبس"، وهي ماتت كمداً مثل الأديبة مي زيادة.


يسعُ القارئ والكاتب المراقب، أن يلاحظ مدى الصدمة التي أحدثها انتحار أروى صالح، يقول الكاتب الاسرائيلي يوسي ابيتاي "تعتبر عملية انتحار أروى تعبيراً عن حساب نفسي عسير واحباط كبير لممثلة حساسة وحالمة لهذا الجيل الذي يطلق عليه "جيل السبعينات"، وهو الجيل الذي حصل على وعيه ومشاركته السياسية في بداية السبعينات، على خلفية الأحداث السالفة الذكر. وتتجلى الصدمة من خلال بعض الروايات والكتابات والتعليقات التي نشرت هنا وهناك، وهي تستعمل الراحلة طوعاً كاستعارة أو كقناع لقول أشياء عن مرحلة، ففي رواية "التماسيح" للمصري يوسف رخا، ثمّة صورة متخيّلة لما حدث مع أروى صالح يقول: "في 20/06/ 1997، بالتحديد ذهبت المناضلة رضوى عادل تزور قريبة لها في أحد أحياء القاهرة؛ لا أذكر أين. لا يوجد سجل موثّق لحكاية أشهر أعلام الحركة الطلابية أو جيل السبعينيات من النساء – أقصد المناضلة، وقد نسميها المثقفة أو الكاتبة أو المفكرة الكبيرة: كلها مترادفات – بلْ إن هناك خلافاً حول ما إذا كانتْ قريبتها المعنية تسكن في الدور الحادي عشر أو الثاني عشر. لكن ما فهمتُه مع مرور السنين من كلامي العابر مع أصدقاء مقربين إليها من دائرة المثقفين التي تكوّنت فيها جماعتنا، هو أنّ رضوى عادل لاعبت أولاد قريبتها قليلاً، ثم استسمحتهم في قيلولة داخل غرفة النوم ذات الشرفة. لم يكن في البيت سوى الأولاد وقفزتْ من فوق السور. كانتْ رضوى عادل في السّادسة والأربعين من عمرها. وحين أحاول أن أفصّل قفزتها التاريخية في رأسي، أتخيّلها جالسة على الحافة الخشبية – لا أعرفُ لماذا أتخيّل حافة السور خشبيةً – تتدلى رجلاها من ذلك الارتفاع المدوّخ وهي تواجه الشارع أو السماء.. بينما الأولاد في الصالة لا يخطر لهم أن "طنط رضوى" قد تكون بصدد قتل نفسها في هذه اللحظة، أتخيّلها ترخي ذراعيها على جانبيها ومثل لاعب جمباز على المتوازيين تقبض على الحافة؛ بالتدريج تبدأ تحمّل ثقلها على يديها وتزحزح مؤخّرتها إلى أسفل فوق الخشب، شيئًا فشيئًا. وقبل أن تصبح مؤخرتها في الهواء فتشعر بوزنها كله في ذراعيها، ترفع يديها وتفرد الكفين أمامها كمن يحاولُ إيقاف شيء آت في وجهه وتغمض... لا خلاف أنها ماتت فور ارتطامها بالأسفلت" (التماسيح: ص، 8، 9).


رواية يوسف رخا إسقاطات على أسماء بعض الكتاب في الواقع، ففي أيام الثورة في مصر العام 2011، يتذكّر أحد ثلاثة شعراء مغمورين من "جيل التسعينيات" المصري الجماعة الأدبيّة التي جمعته ورفيقيه سنة 1997، للمرة الأولى، ينتبه إلى أن لحظة تأسيس "جماعة التماسيح للشعر المصري السرّي"، كانت أيضاً لحظة انتحار رمز من رموز "جيل السبعينات" من المثقفين الذي حمل جيله إرثهم: المناضلة رضوى عادل(أروى صالح). من هنا، يبدأ الراوي في التساؤل عمّا يربط الحدثين، مسترجعاً السنوات الأربع التي مارس التماسيح فيها نشاطهم بكلّ ما فيها: الجنس والمخدرات والتمرّد... مستخدماً أسماء وهمية في بعض الحالات مثلاً: عدا أروى هنا ليث الحيوان (أسامة الدناصوري)، صقر الجنايني (هيثم الورداني)، وأدهم اليمني (أحمد يماني). أو الأسماء الأصلية للأشخاص في أحيان أخرى، لتأكيد الجانب التخييلي للعمل. مارا بتجارب دور النشر الخاصة التي تزامنت مع هذا الجيل، والجماعات الأدبية التي ظهرت واختفت. والمجلات الأدبية التي واكبت جيل التسعينات مثل "الجراد" و"الكتابة الأخرى"، وغير ذلك من تفاصيل.

ويقدم رخا رصدًا روائيًا لـ"أزمة الهويّة في المجتمع المصري"، يجد الراوي في هذه المصادفة مسوغًا للبحث والتأمل في كثير من المشتركات التي تجمع جيلين من المثقفين. جيل أروى صالح الذي عرف بجيل السبعينيات، وقاد الحركة الطالبية في عام 1972 ضد السادات. وجيل التسعينيات وأعماله الأدبية، متأملا حال الجيلين، ويفرد فصولًا لمحاولات نايف، بطل الرواية، المحمومة لترجمة قصيدة "عواء" للشاعر الأميركي آلن غينسبرغ المشهورة بالشطر الأول "رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنون، يتضوَّرون عراةً ومُهَسْترين". يوسف لديه هوسه بترجمة اسم الشاعر نفسه، فغينسبرغ اسم يهودي قديم وله أصول ألمانية بمعنى "الأسد"، حسب الرواية. الشعراء الثلاثة نجوم "جماعة التماسيح" يؤرخون، وفقًا للرواية، لجيل تسعينيات القرن العشرين في مصر، مثلما أرَّخت حركة "البيت" الأميركية لجيل خمسينيات القرن نفسه وستينياته في أميركا. ومثلما أرخت أروى في "المبتسرون" لجيل السبعينات في مصر. عملت حركة "البيت" على استكشاف الثقافة والسياسة الأميركية، والتحرر الجنسي ورفض المادية الاقتصادية... وتعري أروى أسطورة المثقف المناضل والحالم في السبعينيات وهبوطه إلى الواقع في مصر وسقوط هالته، أما يوسف رخا فيقدم نقداً لاذعًا للريفي وسيطرة قيمه البدوية في المدينة. وفي حوار أجراه يوسف رخا، مع منصورة عز الدين في جريدة "أخبار الأدب"، وصفت منصورة كتابته لتلك الرواية بأنه "فجّر نفسه في جيل التسعينيات"، وهو ما أجاب عليه قائلًا: "أعجبني ما قلتيه من أني فجرت نفسي في جيل التسعينيات،‮ ‬لأني شعرت أن هذا ما حدث فعلاً،‮ ‬لكن ليس في جيل التسعينيات وحده،‮ ‬بل في الوسط الأدبي المصري كله‮. ‬وأنا أكتب‮ "‬التماسيح‮" ‬أحسست أنني أقطع صلتي مع الجميع،‮ ‬أو أقول رؤيتي وليحدث ما‮ ‬يحدث‮. ‬كنت قد رأيت من الزيف ما‮ ‬يكفي‮. ‬أنتِ‮ ‬شخصياً‮ ‬علاقتكِ‮ ‬بالوسط الأدبي محدودة‮. ‬بعد فترة‮، ‬يصاب المرء بالنفور ويكون مستعداً‮ ‬للتضحية باحتفاءات ومكاسب محتملة كي لا‮ ‬يشارك في كل هذا الزيف‮. ‬للأسف القابلية على الحكم المسبق هائلة،‮ ‬وكذلك القابلية على نفي الخارجين على الرأي العام وإقصائهم خارج‮ ‬القبيلة‮".‬


يتأمل نص يوسف رخا مصائر جماعة "التماسيح" التي يمثلها. كما يتأمل مصائر المثقفات من خلال ثلاث سيدات أقمن علاقات مع أعضاء الجماعة: موون الشاعرة المتزوجة التي كانت على استعداد لخيانة زوجها. نرجس الفنانة التشكيلية الموهوبة التي تعبّر عن ازمة الفتاة المتحررة حين تقرر أن تعيش بمفردها في مجتمع مغلق ومتخلف، الهاربة من تاريخ من الزيجات الفاشلة في إحدى مدن الجنوب؛ وصبا الحقوقية المتزوجة من إيطالي، التي كانت بدأت حياتها بعلاقة مثلية مع صديقة لها، ثم قمعت هويتها الجنسية لاحقاً، وقررت أن تتزوج. هكذا هويات متشظية حائرة متفجرة ملتبسة...


الأوهام هي جزء مما يراه الراوي آفةَ جيل كامل لم يتعاط سوى الأوهام. وأروى صالح في "المبتسرون" تقول: "كأن قدرتي على الإستمرار بعد الصدمات كانت هي القدرة على تجديد الوهم! كنت دايما بعزي نفسي بالظن بأني أخطأت السبيل لمقصدي، وأواصل البحث محملة بنفس الأوهام"... في النهاية أحست بالفجيعة، كما أحسّ راوي يوسف رخا بالفجيعة: الفجيعة في موت نايف العبثي. وفي أوهام ثوار لم يمتلكوا سوى الحس بالاستعراض الذي جعلهم يرون الثورة وقوفاً في الميادين ومواجهات سلمية مع الشرطة المدججة بالغاز والسلاح. فيما يقدمون جثثهم بهذا الحس الانتحاري، في واقع يشبه قول أروى "نحن أبناء الزمن الذي فقد فيه حتى الحزن "جلاله" صار مملًا هو الآخر، مثل "البرد" مثل "الصداع"، والملل لا يصنع فناً، فقط أناساً مملين".
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها