image
الأحد 2022/11/06

آخر تحديث: 13:01 (بيروت)

علكة نينا سيمون... صناعة "الطوطم المقدس"

الأحد 2022/11/06 محمد حجيري
علكة نينا سيمون... صناعة "الطوطم المقدس"
نينا سيمون وتصميم العلكة
increase حجم الخط decrease
لفتني خبر ورد في وكالة "فرانس برس" الفرنسية "معرض وكتاب يتمحوران حول... علكة نينا سيمون"، قرأته بشيء من اللامبالاة وبطريقة عرضية في البداية، قلت قد يكون من ضمن موجة الهوس بالمشاهير، ذلك أن محبي المشاهير على استعداد دائما لدفع كل ما يملكونه للحصول على تذكارات أو صور أو أشياء تخصّهم، شأن منديل سكارليت جوهانسن المستعمل (بيع بـ 5300 دولار)، أو سروال أوليفيا نيوتن جون الجلدي (بيع بـ 162 ألف دولار) أو ظفر ليدي غاغا المزيف(12 ألف دولار) أو علكة بريتني سبيرز(14 ألف دولار). ما لفتني أنّ علكة نينا سيمون (21 فبراير 1933 - 21 أبريل 2003) لم توضع في مزاد بل تحولت حكاية من نوع آخر، فيها شيء من "الحميمية" الغريبة، شيء عن "المعنى الذي نعطيه للأشياء الصغيرة" التافهة، شيء من الزمن الذي يترك أثراً في حياتنا، ويصعب أن نفهمه، وهو الأكثر ميتافيزيقية.

باختصار هي شيء من الثقافة الفيتشية في العالم، وكلمة فيتشيه كما نعلم في الأنثروبولوجيا استُخدمت في وصف الارتباط بالأديان وخاصة الأدوات التي يُظن أن لها قيمة سحرية أو خارقة، هذا ما يتوهمه وارين إيليس، الموسيقي والعازف على آلات متعددة، حين احتفظ بعلكة نينا سيمون ودوّن سيرة أو كتاباً حولها أو انطلاقاً منها، الأمر الذي جعل الكاتبة ماريا بوبوفا تكتب "علكة نينا سيمون والغرابة المتلألئة... كيف يلقي الفن تعويذته الفائقة علينا"، وهي تذكرت كيف زارت غرفة الشاعرة إميلي ديكنسون ولمست سريرها حيث كانت تحلم وتحبّ، في موسم آخر، في مدينة أخرى، تقول بوبوفا شعرت بالسحر المخيف عندما رأت شعرها البني من خلال زجاج المتحف "أعجوبة كيف كان من الممكن أن نشعر كثيرًا من خلال القرب المطلق إلى كتلة من الذرات عديمة الإحساس".
قصة العلكة وهي مادة شبحية للسفر عبر الزمن والتحولات في الحياة، بدأت كما يقول وارين إيليس حين وضعتها نينا سيمون داخل منديل كانت تمسح به عرق جبينها وتركته على البيانو، خلال حفلة في لندن عام 1999، نظمها الموسيقي والفنان الأسترالي نيك كايف، وكانت نينا سيمون أبرز نجومها. وذكر إيليس، المشارك مع كايف في الحفلة، أنه صعد إلى المسرح ما إن غادرته المغنية الشهيرة، بهدف أخذ "هذا الشيء الأغرب على الإطلاق"، و"الأمر لم يكن مرتبطاً بالهوس (بالمشاهير)" بحسب قوله، و"لا أدري حتى لماذا أخذتها، لكن سريعاً أصبح ذلك مهماً جداً لي"، وكان يضعها في حقيبته، واحتفظ بها إيليس مذّاك لنفسه على مدى عشرين عاماً، وفي 2019، سأله نيك كايف ما إذا كان يملك أي قطعة مرتبطة بالموسيقى لإدراجها ضمن معرض في كوبنهاغن. وعندما عرف من إيليس بأنه لا يزال يحتفظ بالعلكة، رد عليه "أنت تقلقني". وقد تحمّس الرجلان لفكرة عرض العلكة خلف واجهة زجاجية في المعرض تحت حراسة أمنية. وشكّل ذلك بداية رحلة أخرى. فقد سُحبت العلكة من المنديل على يد مصممة المجوهرات النيوزيلندية هانا أبريتشارد المقيمة في لندن. وصبّت قوالب منها لترك أثر لهذه العلكة في حال أصاب الأصلية أي ضرر أو تلف، عملية صب العلكة في سبائك وخواتم من الفضة والذهب الأبيض لمن هم قريبون منه؛ أصبحت قصة العلكة سمة رئيسية. ربما يتحول تصميم العلكة مادة استهلاكية وموضة في المرحلة المقبلة، كل شيء وارد في هذا العالم الشديد الملل والكثير الأساطير...


كتاب "علكة نينا سيمون" بحسب مختصره، هو مذكرات مؤرقة حول حياة الشاب البالغ من العمر 57 عامًا والذي نشأ في جنوب شرق أستراليا وسنواته التي قضاها يعمل في جميع أنحاء أوروبا في ثمانينيات القرن الماضي، فضلاً عن ليلة واحدة خاصة ومتعالية غيرت مجرى حياته. من خلال الكتابة يستكشف إيليس الروابط الثمينة التي يمكن تشكيلها من شيء تافه كهذا، وهو أدرك لماذا احتفظ بعلكة نينا سيمون طوال هذا الوقت وأصبحت مثل "الطوطم المقدس" أو الآثار المقدسة بالنسبة له، إذ تزامنت حفلة الفنانة وهذه القطعة التي تركتها مع تغير بالغ الأهمية في حياته. يقول "تغيرتْ حياتي بعد الحفل الموسيقي. تزوجتُ، وتغير عملي، وتحسنتْ حياتي. أصبحتُ رصينًا. توقفت من شرب الخمر بعد ادمانه. شعرتُ أن ثروتي تغيرت. أجد أنه من المدهش كيف نعطي معنى للأشياء والتجارب".

في مسار كتابات ايليس شيء مما كتبته الروائية توني موريسون عقب وفاة نينا سيمون في العام 2003 إذ قالت في تأبينها، "لقد أنقذت نينا سيمون حياتنا". 
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها