image
السبت 2022/11/05

آخر تحديث: 14:01 (بيروت)

رحيل وديع فلسطين... الكاتب السبّاق إلى التعريف بنجيب محفوظ

السبت 2022/11/05 المدن - ثقافة
رحيل وديع فلسطين... الكاتب السبّاق إلى التعريف بنجيب محفوظ
increase حجم الخط decrease
توفي أمس الجمعة، الكاتب والموسوعي المصري، وديع فلسطين، عن عمر ناهز 99 عامًا. كنا نتابعه في سنواته الأخيرة في جريدة "الحياة" قبل احتجابها، وأهدى الأديب مكتبته العامرة والنادرة إلى تلميذته في الجامعة الأميركية في القاهرة، الباحثة سلمى مرشاق سليم، والدة الباحث والكاتب اللبناني المُغتال لُقمان سليم، وهي من مواليد القاهرة لوالدين غير مصريين، ونشأت وتعلمت في القاهرة. 

وكان وديع يفتخر بأنّه حاز السبْق في التعريف بالروائي نجيب محفوظ، العام 1943، حين كان نجيب وقتها مغمورًا، يبحث عن دَربِه بين مسالك الإبداع المُلتوية. ومن فخر وديع أيضًا تحويلُه مجلة "قافلة الزيت" من مجرّد دوريّة تهتمُّ بأخبار شركة "أرامكو" النفطيّة ومُوظّفيها إلى نشريّة ثقافيّة، استكتب فيها كبارَ المؤلّفين والأدباء في العالم العربيّ آنذاك، مثل عبّاس محمود العقّاد، ومحمود تيمور، ومحمّد منصور وغيرهم، فصارت من أرقى المجلاّت مُستوًى في زمنها.

لم يُخف وديع فلسطين علاقته بسيد قطب، عندما سئل عن أبرز محطات حياته الفكرية، والمهنية، قال: إن صداقة وثيقة جمعتهما حين عملا معًا بمجلة "الرسالة"، واستمرت حتى قُبض على صاحبه، واختفت أخباره إلى أن أُعلن عن إعدامه. يستقر سيد قطب في ذاكرة وديع فلسطين كـ"أديب موهوب"، وناقد أدبي كان محل اهتمام شباب الأدباء، والشعراء-حينذاك، بالتوازي مع إقراره بتحولات فكرية أصابته بعد عودته من بعثة "سان فرانسيسكو"، وخلّفت أثرًا سلبيًا في مستقبله الأدبي.

واشتَهَر وديع فلسطين بمراسلة الأدباء والأعلام من مُعاصريه، حتى بلغ عدد الرسائلَ لديه العشرة آلاف رسالة بخطوط أيدي أصحابها، غدا جُلها كنزًا نفيسًا نادرًا، ومن عيونها رسائلُ من سيِّد قطب أرسلها إليه من وراء القضبان أيام اعتقاله.

تعرض وديع  في العام 2017 إلى اعتداء، وأُشيع وقتها أن مذكّراته التي سجّل فيها لقاءه مع حسن البنا سُرقت خلاله. ورغم أنه لم ينفِ ذلك ولم يؤكّده، إلّا أن مقرّبين منه أعلنوا حينها أنه لم يكتب أيّ مذكرات، وكان أحدثَ ما أصدره العام 2003، كتابٌ في جزأين بعنوان "وديع فلسطين يتحدّث عن أعلام عصره"، يوثّق فيه علاقاته بمئة شخصية من الكتّاب العرب منهم من كان في بلاده ومنهم من يعيش في المهجر.

وكان وديع زميلاً لصحافيين صاروا من أركان السلطة، لكنه لم يختر سبيلهم وآثر أن يعيش مستقلاً عن الاستظلال بأحذية السلطة، وأن يدفع ضريبة ذلك... قال مرة بأن ما دعاه لسلوك هذا المسلك بيتان من شعر نزار قباني:
وإذا أصبح المفكّر بوقاً..... يستوي الفكر عندها والحذاء.
أنا حريتي، فإن سلبوها...... تسقط الأرض دونها والسماء

وديع فلسطين، من مواليد العام 1923 بمركز أخميم بمحافظة سوهاج. بعد ولادته بشهر، لحق بأبيه فلسطين حبشي، الموظف بحكومة السودان، وقضى بها ست سنوات في العطبرة، وبعد إحالة والده إلى التقاعد العام 1930 عاد إلى القاهرة والتحق بمدرسة الجيزة الابتدائية الأميرية ثم المدرسة الإنكليزية بجزيرة الروضة، ثم الجامعة الأميركية في القاهرة حيث تخرج فيها العام 1942 بدرجة البكالوريوس...
ولعل الفترة الممتدّة بين 1948 و1957 كانت العتبة الأولى له للدخول في عالم التدريس الأكاديمي، فتمكّن من التعرّف عن كثب على مناهج "الجامعة الأميركية"، والتفقّه في أساليب وضعها. إلّا أن العمل الوظيفي لم يمنعه من التصدّي لمهمّة البحث والتأليف، فاستطاع أن يوقّع أكثر من 30 كتاباً ما بينَ تأليف أصيل وترجَمة، في مواضيعَ مختلفةٍ كالسياسة والتاريخ ومناهج تدريس الصحافة.

في العام 1945 تولى رئاسة قسم الترجمة في جريدة "المقطم" ومجلة "المقتطف"، وكان يحرر المقالات الرئيسية وعمل أيضاً بتحرير المقالات الأدبية والاقتصادية فيهما، وظل فيهما إلى أن أُغلقت الدار أواخر العام 1952.

وعندما أنشأ إبراهيم ناجي "رابطة الأدباء"، تولى وديع فلسطين منصب الوكيل فيها، وخلال تلك الفترة أيضاً عمل مراسلاً ووكيلاً لمجلة "الأديب" ومراسلاً لمجلة "الدبور" اللبنانية ومراسلاً لجريدة "الصباح" التونسية، وممثلاً لمعهد "الشؤون العربية الأميركية" الذي أنشأه في نيويورك خليل طوطح. بين العامين 1953 و1955 حرر مجلة "الاقتصاد والمحاسبة" والتي كان يصدرها نادي التجارة، وحرر الأعداد الاقتصادية بجريدة الأهرام.

شغل منصب عضو في "مجمع اللغة العربية" في سورية (1986)، و"مجمع اللغة العربية" في الأردن (1988) إلّا أنّه حُرِم من عضوية مجمع اللغة في بلده لدورتين بحجّة عدم استكمال النصاب القانوني، الأمر الذي ترك في نفسه الكثير من الأسى، نقلَه للقارئ عبر كتابه الصادر مؤخّراً عن "دار الجديد" ببيروت، وحمَل عنوان "الأديب من أين يبدأ؟"، وهو عبارة عن منتقيات من مقالاته كان قد نشرها على صفحات "مجلّة ألف" قبل سنوات، والتي تُصدِرها "الجامعة الأميركية بالقاهرة"، في قسم اللغة الإنكليزية والأدب المقارَن.

(وديع فلسطين مع طه حسين)

شارك الراحل في إصدار عدد من الموسوعات منها "الموسوعة العربية الميسّرة"، و"موسوعة الأقباط" باللغة الإنكليزية (ثمانية أجزاء)، و"موسوعة أعلام مصر والعالم". لكنّ كتابه الذي وقّعه العام 2003، وحمل عنوان "وديع فلسطين يتحدّث عن أعلام عصره" يبقى الأكثر ارتباطاً باسمه؛ ذلك لجهوده في تحديث كيفية التعاطي مع ترجمة الأعلام (السيرة الغيرية)، إذ سجّل فيه علاقاته بنحو مئةٍ من الأعلام في مصر والبلاد العربية والمهجر.

الجدير بالذكر، أن أبرز الترجمات التي أصدرها الراحل هي: "قضية فلسطين في ضوء الحق والعدل" لهنري القطان، و"مسرحية الأب" لأوغست ستريندبرغ، أمّا مؤلفاته العربية فأبرزها: "مي: حياتها صالونها وأدبها"، "مختارات من الشعر العربي المعاصر".
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها