image
الثلاثاء 2022/11/22

آخر تحديث: 11:58 (بيروت)

في ذكرى رحيلها.. حقائق تكشفها وثيقة وفاة ليلى مراد

الثلاثاء 2022/11/22 أشرف غريب
increase حجم الخط decrease
رحلت ليلى مراد عن دنيانا قبل سبعة وعشرين عاماً، في 21 من تشرين الثاني/نوفمبر 1995، بعد أربعة عقود كاملة من العزلة قضتها بعيداً من الأضواء وهي التي لم تكن الأضواء تفارقها حينما كانت نجمة نجوم زمانها، وأول نجمة شباك عرفتها السينما المصرية خلال عشر سنوات كاملة بين 1945 و1955 السنة التي توقفت فيها عن التمثيل بفعل فاعل وليس بمحض إرادتها، حسبما شاع عنها واستقر فى نفوس عشاقها. وقد صاحب رحيل ليلى مراد لغط شديد بعدما حاول البعض اللعب من جديد على وتر أصولها اليهودية، وساهمت فى ذلك إذاعة "صوت إسرائيل من أورشليم القدس"، الناطقة بالعربية التي واكبت نبأ رحيل ليلى مراد باحتفالية خاصة، لم تقدمها لفنان من قبل، حتى أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب، ما كان يوحى برغبتهم فى تزكية هذا اللغط الدائر في الشارع العربي حول ديانتها ومكان دفنها والبلبلة التي تزامنت مع توقيت جنازتها ومكانها، خصوصاً أنهم أعلنوا نبأ وفاتها في صدر نشراتهم الإخبارية تحت عنوان "رحيل المطربة اليهودية الكبيرة ليلى مراد".


(ماكياج سيدة عجوز فى سيدة القطار 1952)

غير أن بيانات وثيقة وفاتها التي أنفرد بها، تزيل أي لبس يمكن أن يكون قد تبقى منه شيء داخل بعض النفوس، فتعالوا بنا نقرأ بيانات شهادة وفاة ليلى مراد:

أولاً: تؤكد خانة الديانة وكذلك خانة الجنسية بما لا يدع مجالا للشك، أن ليلى زكي مراد قد ماتت مسلمة مصرية رغم أنف كل من شككوا فى ذلك أو حاولوا التمسك في أصولها اليهودية التي لا ينكرها أحد، وأذكر أنني كنت قد التقيت ولدَيها أشرف أباظة وزكي فطين عبد الوهاب بعد ساعات قليلة من تشييع جثمانها العام 1995، وكانا شديدي الاستياء من هذه الشائعات التي نهشت في أمهما وتراب مدفنها لم يجف بعد، وأكدا لي أن ليلى مراد عاشت مسلمة وماتت مسلمة ودفنت فى مقابر المسلمين، وأن الجثمان خرج حسب وصيتها من مسجد السيدة نفيسة في القاهرة، وأنهما غير مسؤولين عن أي لبس صاحب توقيت أو مكان الجنازة. ويومها قال لي ابنها الأكبر أن القوات المسلحة المصرية أبلغته أنها تنوي تكريم والدته، ثم تساءل غاضباً: هل تكرم القوات المسلحة أشخاصاً يدينون باليهودية؟! المعروف أن ليلى مراد كانت قد أسلمت شفاهة العام 1946 بعد عام من اقترانها بزوجها الممثل أنور وجدي قبل أن تتوجه إلى الأزهر الشريف وتوثق إسلامها رسميا في كانون الأول/ديسمبر 1947.

ثانياً: تسجل بيانات شهادة الوفاة للتاريخ أن ليلى مراد أسلمت الروح إلى بارئها فى تمام التاسعة والنصف من ليلة الثلاثاء 21 تشرين الثاني/نوفمبر، وأن مكان الوفاة هو مستشفى مصر الدولي بالدقى الذي انتقلت إليه قبل أيام من رحيلها على أثر الأزمة الصحية التي فاجأتها، وهذا يفسّر لماذا تم تحرير هذه الشهادة صبيحة اليوم التالي 22/11/1995 فى سجل واقعات الدقى محافظة الجيزة وليس تبعاً لعنوان إقامتها الدائمة في غاردن سيتي.

(شهادة وفاة ليلى مراد)

ثالثاً: على ذكر عنوان إقامتها فقد أشارت الوثيقة إلى أنه (68 شارع قصر العيني) وهو ذاته العنوان الذي التقيت فيه ولدَيها أشرف وزكي بعيد رحيلها بقليل، وكانت ليلى قد انتقلت إلى هذه العمارة في بدايات الثمانينيات قادمة من منطقة الزمالك، مُفضلةً العودة مرة أخرى إلى حي غاردن سيتي، الذي كانت تعيش فيه قبل ذلك حينما كانت زوجة للمخرج الراحل فطين عبد الوهاب.

رابعاً: لوحظ في خانة الأم أن اسمها جميلة مراد، وليس جميلة إبراهيم روشو كما جاء في وثيقة زواج ابنتها من أنور وجدي العام 1945، ويبدو أن الأم قد أخذت لقب الزوج على الطريقة الغربية وتم توثيق الاسم على هذا النحو خاصة، وأن مصادر أخرى أرّخت لليلى مراد، استقرت على اعتبار أن أمها هي جميلة مراد، من دون أي ذكر لإبراهيم روشو، الاسم الحقيقي لوالد ليلى، والأهم من ذلك أن هذه الوثيقة الرسمية تؤكد أن اسم والدها زكي مراد وليس زكي مردخاي، كما تقول مصادر وينقل عنها الآخرون نقلاً ببغائياً من دون وعي أو تدقيق.  

خامساً: لكن أكثر البيانات إثارة للبس والبلبلة في وثيقة شهادة الوفاة، هو عُمر ليلى مراد عند رحيلها العام 1995، فقد قيل يومها إنها رحلت عن 77 عاماً استناداً إلى تاريخ ميلادها المتداول في 18 شباط/ فبراير 1918، لكن بيانات شهادة الوفاة تشير إلى أنها رحلت عن تسعة وسبعين عاماً، فهل هو خطأ لحظة المصاب الجلل أم سهو مسجل البيانات؟ أم أنها – على هذا النحو – من مواليد 1916 وليس 1918، أو سنة 1919 حسبما جاء فى بيانات جواز سفرها؟ أو 1921 حسب وثيقة زواجها من أنور وجدي؟ الأمر الملفت أن وثيقة وفاتها لم تذكر في خانة تاريخ الميلاد، لا اليوم ولا الشهر ولا السنة، ما يدعم احتمال أن يكون أحد أقاربها هو الذي قام بتسجيل البيانات وليس أحد إبنَيها أشرف أو زكي، وأن رقم 79 سنة كان اجتهاداً أو تقديراً عفوياً من جانب مسجل البيانات أو الموظف المسؤول. وبالمناسبة، حسناً فعلت مكتبة الإسكندرية العام 2008 حينما تراجع الناقد السينمائي الراحل سمير فريد، مسؤول السينما في المكتبة، عن الاحتفال بمئوية ميلاد ليلى مراد لأنهم كانوا سوف يقعون في خطأ تاريخي فادح لو تمت هذه الاحتفالية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ليلى مراد من مواليد 1908، وهذا ما تنفيه تماماً كل وثائقها الشخصية حتى في ما بينها من اختلاف.

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها