"لا يمكن للإيطاليين الفوز علينا، لكن يمكننا أن نخسر أمامهم" (يوهان كرويف)
"كانت الكرة تقبل كالبرق فأوقفها بحركة إصبع... كنت هناك بكاملي، ولكن بلا شفيع. كائن بلا شفيغ هو حقل رجراج" (كاظم جهاد)
توضيح
في مرحلة الصبا تابعت مباراة لكرة القدم، عبر صوت المعلق الرياضي منقولة في الراديو وكنت حينها مريضاً في بيت جدي في الريف، تركت أثراً في نفسي وتعزيم ساحر ما زلت أسمعه وأكاد أراه وجد طريقه الى هذا النص.
1
ما إن تتحرك الكرة حتى تكون في سباق حميم مع ظاهرها بذاكرة الوحا وحا والبدار بدار، وما إن يتحرك اللاعب حتى يكون في سباق حميم مع ظاهره بنفس الذاكرة.
كلّ في مدار الآخر من الفرقاء يخاطبان معا حيادية الاستدارة في شكل الكرة في ما يشبه المحاورة ويستدعيان الناحية التي يميل بها العزم الى ناحية الانكشاف يحدسها اللاعب كعقيلة لضربة متفرّدة. في الجانب الآخر للتكليف الذي لا يدركه البصر من لعبة كرة القدم سر كسحر الأباطيل يدخل الوهم إليه من أوسع باب ويحرر في داخله الخبيء كمعلن. ولكن ما هذا الجانب الذي لا يدركه البصر؟ إنه اليقين الذي يربك الأرقام بإحالتها الى درجة صفر تجبّ ما قبلها، يقيناً لا يدحض يفعّله تسجيل الهدف... يا للغرابة إنه هدف بحق تماماً كما جاء في الصورة؛ أسباب الفوز المعلن متحركة بذاتها تتطابق مع أسباب الفوز في المنشور الملصق على الجدار في أكبر شارع يتوسط المدينة، يا لها من مزاوجة ممتعة، التأمل يأخذ طابع المناورة، اللاعب السريع المتميز يلامس حدسُه اليقينَ بحركة ترى في الفوز حرفة. إنه ومن خلال المناورة يؤكّد وجوده مرتين عيانا في منطقتين إحداهما على حافة المرئي مثل ظله، هذا الظل هو منطقة التجليات المرشحة للعبور الى الفوز. تبدو اللعبة للوهلة الأولى كأنها مصابة بدوار بحر يربك سهم البوصلة؛ مع كل ضربة تخرج الكرة من حيزها المحايد إلى حيز الممايلة والتخمين، كرة مسترسلة أولا ثمّ متداولة سابحة في الفضاء ومترجّلة فالكرة كرقم مقفل بدايته نهاية يمثل كلا ملتبسا يستوعب كافة الزوايا والمعادلات ينفتح بالضرورة على الضربة المبدعة من كل الجهات، تنبض القلوب لها في صدورنا حجّرتها البدايات المريرة وليّنتها الأزمنة كقلب مطابق.
تستطيع أن تضع يدك على صدر صاحبك لتتيقن أن فيه قلبك. زيادة السرعة تعني زيادة المتعة قانون رياضي أولا... بدت ألوان الملصق وخطوطه متموجة لكنها تظل كصورة غيض من فيض المناورة، بدت المراوغة مستتبة في جانب آخر تغمره الشمس مثل عجينة طيّعة، بدت الأقدام في فضاء آخر مجاور تنجزه ضربة متفردة بدا اللاعبون وفي حوزتهم كرة يحيق بها قوس قزح مثل قبة يربطها خط الزوال بحشد من الأخيلة، بعضها يؤكّد لنا انتمائه الى لاعب اعتزل الرياضة من زمن يكاد حضوره يكون عقائديا الى اليوم.
2
(*) "في يوم من أيام نهايات تشرين/ الأول أكتوبر من سنة 1863، هكذا تقول الرواية، اجتمع ممثلون عن إحدى عشرة جامعة انكليزية ووضعوا قواعد لعبة كرة القدم الأوليّة. ووضعوا في نفس الوقت، حدا لعقود طويلة من النظام الاعتباطي المتبع لهذه اللعبة بدءا من القرن الثاني قبل الميلاد عند الصينيين حيث يذكر أن محاربيهم قد عرفوا هذه اللعبة ومارسوها بينهم، ثم في انكلترا القرن الثاني عشر بداية مرحلة النمو الطبيعي للعبة وصولا الى هذا الاجتماع. توشك لعبة كرة القدم، وفق دلالات موحية، أن تكون لعبة عسكرية ولدت في المعسكرات في أوقات السلم لكسر الملل، ثم في مرحلة لاحقة في الجامعات وربما لهذا السبب هي لعبة تجمع الفوز بالنجاح والافتخار وعناصر أخرى أكسبتها المتابعين والمشجعين. لكنها اكتسبت على يد بعض المتنورين خصائص أخرى منحتها خصال جديدة، فلم تتوقف عند حدود الاستعراض الرياضي والمنافسة بل صار لها مساهمات في اللقاءات الوطنية والدولية فيما بعد وتغييرات تدخل في صميم اللعب. كان أهم الإضافات التي أنعشت اللعبة هو إيجاد وتنظيم مسابقة بطولة لكأس العالم تمّت اقامتها لأول مرّة في أوروغواي سنة 1930 أوجدها ونظمها الرئيس السابق ـ لـ الفيفا1921ـ 1954 الفرنسي جول ريميه ـ وإضافات أخرى متتابعة منها تبنّي الفيفا الفانيلات المرقّمة في بطولة كأس العالم لسنة 1950، ولم تك قبل ذلك اجبارية عند استخدامها لأول مرة من قبل الأوستراليين في 1912 ولا عند الانكليز لاحقا في الثلاثينيات. لكن دخول الكفلاء من الأشخاص والمؤسسات المالية الداعمة في 1968 لغايات متعدّدة أشهرها الدعائية، كان حاسما وأحدثت شبه طفرة هي التي نشهد نتائجها اليوم".
كانت لعبة كرة القدم في طورها الجنيني مشاعية على جانب من الشراسة فظّة غرائزية، محدودة ومقيّدة، تنتصر فيها العرامة على المراوغة والتدبير، مدعاة للتجنب والحذر أكثر منها للمشاهدة، وحتى المشاهدة في بداياتها لم تكن تخلو من تطفل العامّة المشوب بالفضول والتساؤل، مجرد مخاصمة اعتباطية قوامها الفرجة. لا غرابة أن تبدو اللعبة لمن لم يألفها أشبه بإحجية، اللاعبون فيها عناصر اهتزاز وخلخلة بقصد الحيلة ينقصها الفهم والتذوّق وتنقصها المتعة بالضرورة. لقد تعوّد الإنسان أن يكون للجهد المبذول ثمن فهو يبحث أولا عن ثمن الجهد ولا يستطيع أن يفهم أن الثمن يكمن في حقيقة جمالية وفنيّة، لم تأخذ بعد نصيبها من التبلور ومراس المشاهدة في عيون النظارة. لعبة كرة القدم ما هي إلا محاولة لترويض النزاعات والحروب التي لم تكن تتوقف بين التجمعات البشرية. تغيير المفاهيم يغير الحضارة. ولهذا أسباب تتعلق بقوانين القوّة ذلك أن امتناع السعادة في داخلنا يشبه العلة الموروثة ممثلة بحمولة تاريخية من الصعاب والقلق والبلايا عودتنا الكآبة فتاريخ أهل الأرض إرث من الخصومات موغل في القِدَم يجعل من كل تجمع بشري شبهة نزاع توجب الفرجة... حضور القوانين المفصلي وعوامل التشجيع أمدّت اللعبة بعنصر نمو اجتماعي أخذ طابع المكان والوجوه والمرحلة وتحولنا من الصراع الوحشي الى السباق الودّي وصار الإنتصار فوزا والمنافسة لقاء وحل التسامح بدل البغضاء. أحلى ما في القوانين أنها كانت متسامحة مع طبيعة البشر وطبيعة اللعبة وأخطائها فلم تفكر في إقصائها بل غضّت الطرف عن بعض الخشونة التي بدونها لا مذاق للعبة، هل يتصور أحد كيف كان يمكن أن يكون منظر اللعبة بلا أخطاء هي في الحقيقة استفزازات لا بد منها؟
لعبة كرة القدم ثمرة نقية تؤكل بقشرتها. لولا مناكفات اللعبة التي تعدّ أحيانا من الأخطاء لما كانت هنالك فرص المناورة وفرض واقع حال سرّب إليها رشاقة الفن من كل ناحية، تتألق لعبة كرة القدم حين يشرق في ثناياها طابع الفنون.
لقد بدأت اللعبة شخصية متقلّصة تقتصر على لاعبيها، ثمّ صار لها جمهور ضيق من الآصدقاء وجمهور أوسع فعميم، لكنها بفضل بعض الأوائل من أصحاب النظر، صارت اليوم تحلّق بجناحين يجمعان الفن والمتعة بالفائدة. سلسلة التحابب كفيلة، لو أتيح لها المجال، بتحويل الشياطين الى ملائكة. لعبة كرة القدم بطابعها الإحتفالي وما لها من قبول سلبت الطبيعةَ سوءاتها فصارت تدعو الى التقارب. إذا كانت الدموع بشرية بامتياز فهي أيضا ضيقة بامتياز، من الصعب جدا أن تتفق الجماهير على الحزن إلّا في حالات نادرة لكنها تتفق غالبا على السعادة ذلك لأن الفرح كوني المزاج.
وتكاد ليلة اللقاء الأخير تتميز بمزاج وطني جامع يجعلها ليلة من ليالي البطولات للبلد الفائز بكأس الدورة، طبول وأناشيد كنت شاهدا على إحداها؛ شاشات بحجم واجهات المقاهي عملاقة والهتافات ألوان توحدها بين حين وحين صيحة حماس ملتفّة تنبعث كاللهب، المدينة متحزّمة بالصخب، عشاق وأصدقاء يتعانقون متكئين على أعمدة النور وفوق رؤوسهم الزهور دوالي، أعمدة النور متكئة على الليل والليل بألف نافذة مضاءة، زحام أعياد وحشود من كل درب ترضع الفرح وتتراضع المحبة، ودموع للغرابة السعادة قاسمها المشترك، جماهير تطوف بين المنازل والساحات ومدينة ساهرة... ومع الفجر سكون ونشوة مترسبة رسوب المعادن والأحجار، مليون سقط متاع وأوراق ونفايات وأعقاب سكائر وقناني تشهد كالأثر بعرس الليلة السابقة.

3
متابعة مباراة كرة القدم عبر المذياع رصد لانحياز الخط الى عبقرية النقطة.
أقرأ اختطافا بلغة الجسد، سجل الجسد بأن أقع على نفسي دفعة واحدة. شعب من الأذرع والسيقان تحمله ريح موجية، محمّلة بالأرواح لهذا الرأس الذي تتباعد فيه الأزمنة. يبدو أنها مسألة تعوّد ليس أكثر، تمارين على الاختفاء والظهور في لمح البصر أتقنتها متخذاّ الحركة لباسا ونمط تفكير. يمكنني أن أقود حركة اللاعبين الى جلسة على العشب يتعرّف فيها البصر على عبقرية مختومة في طبيعة المراقبة التي، تجعل مشجعا مثلي متموجا بنفس القدر من الممارسة التي يساهم بها الريف. هذياناتي وخيالاتي جزء من مادة التكوين وبحال واحدة جزء من عموم المشهد فلا مزارع يمر أو عصفور إلّا وله شيء من التمثيل والتمدد لا بكيانه بل بشخصه في مشهد عموم الملعب... في الحركة الثانوية البعيدة عن السياق العام للمشاهدة الغامضة المشفوعة بالأعذار... في الصورة الإجمالية لحركة الشراكة البشرية بشكل متقطع من خلال زوايا نظر متعددة تتداخل فيها السيقان في ضرب من ضروب التعشيق... عند حرّاس الملاعب في المداخل أو فوق المدرجات وقرب الأبواب والمرافق المسيجة... في منظر أحد المشجعين يفك أزرار القميص... في درجة هياج المشجعين ولحن النشيد... في أحاديث سائقي الحافلات المنتظرين خارج الملعب... عند بائع الأشرطة الملونة يضحك ويرقص بنفس أسلوب التنقلات في وصلة السكسفون بين فقرات البرامج التي يأتي بها الراديو كل حين... ومع بعض التوسّع، في الشعلة التي يأتي بها البستاني من قلب البستان مساء وحواليه الهوام وأشياء أخرى استحسنتها مكتوبة باللهب تقول؛ إلى كل البشر.
4
ما هذا الشرط الذي يلازمني في المناسبات المهمة مثل ظلّي مسبوقا بالنسيان والذي لا طعم له ولا لون ولا يفصح عن معنى؟ أحاول أن أسبقه بخطوة او أتأخر عنه خطوة لأطابق بينه وبين مواعيد الذاكرة وإلا فلن أخرج من هذه الجملة الموسيقية التي تلح علي أبدا لأنني في كل مرة أتذكره، أنسى أن أتذكر ما هو. ما هذا الذي لكي أنساه يجب أولا أن أتذكره؟ يجب أن أكون مريضا، إنني مريض بالفعل لقد أجفلت في سيل من الرذاذ مفاجئ، يا إلهي تذكرت إنها لعبة كرة القدم، لقد أيقظتني زخّة رحيمة لا نسيان ولا يحزنون بل هو العكس بل هي السعادة بل هي مجرد غفوة مسافر على جناح الطائر الميمون في انتظار لعبة لفرط انشغالي بها نسيتها. أصادف هذه الحالة دائما حينما أكون مثقلا بحماس يتكفل بأن يشدّ أفكاري الى عالم مفقود، كل ما لم يتحقق بعد مفقود لا نقاش، ووصولي إليه لا يعني وجودي فيه بل أصل إليه بنصفي وأعيش فيه بنصفي بيني وبين النسيان مجرد خطوة أتخطاها الى الوراء، فإن دخلت؛ دخلته بنصف إنسان يا للحسرة، حدث مرة وأنا اتابع قافلة من النمل تسافر بقطعة حلوى أن أغمضت عيني على صوت الأذان محض هنّة عدت منها بمتاع من الذكريات عشت على شرط نسيانها زمنا حتى اكتفيت. بعد قليل يحل موعدي المحروس بالإشارات المسحورة تقع جميعها مثل كنز في مذياع قديم بأكثر من ضمادة، سددوني مثل سهم مريّش على وتر القوس واطلقنوني في أوان اللعبة لأرى بعيني ما كان نسيانه بين بين. كبرت ولم يكبر السحر ولا الإشارات، بل كبرت أسحاري من مرض يتوخى الشفاء فإذا به وباء. إن كان تبدد الحظوظ في الحياة سريعا فلا شك أن تبدد الأعمار أسرع ، اسرع من كرة البخت في فم أرنب يقرأ الطالع ويفك الطلاسم، أسرع من مطاردات تجد في الرقص استعارة وأسرع من أعراس قديمة نمت طقوسيتها الغابرة ووصلتنا كحاشية خارج كادر الصورة عرفا من بين أعراف ، أسرع من نول العجائز يتطلعن الى القمر ويهمسن؛ لا لا إنه غير ذاك، حينما في الصبا كانت تتفتح لابتساماتهن الأزهار وتتدفق الأنهار. أسرع من عودة النسيان وشرط التذكر. بكرّاس صغير أدفع الوباء ليلة إثر ليلة، لا أغير جلستي. في انتظار صباح جديد أفتح النافذة لأوسّع من سكني وأجعل له امتداده في الضوء، أمنحه بعدا إضافيا يتجوّل فيه شخصي الثالث.
(*) المعلومات في بداية القطعة الثانية مأخوذة عن كتاب "100 حاجة يجب معرفتها عن كرة القدم" لماتيو لو مو وبول ميكيل Mathieu le Maux et Paul Miquel 2010 GQ France.



التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها