image
الأحد 2022/11/20

آخر تحديث: 07:48 (بيروت)

التاريخ النضالي لكرة القدم... عنف وارستقراطية وطبقة عاملة

الأحد 2022/11/20 أسامة فاروق
التاريخ النضالي لكرة القدم... عنف وارستقراطية وطبقة عاملة
من مشهديات المونديال
increase حجم الخط decrease
منذ زمن بعيد، بالتحديد في عام 1314 صدر في إنكلترا أول مرسوم ضد كرة القدم، بسبب الإخلال بالنظام العام. وفي عام 1576 تم الحكم على 14 شخصا في مقاطعة "ميدليكس" بتهمة "التجمع غير القانوني" وممارسة لعبة تسمى كرة القدم، لما يمكن أن يتسببوا فيه من ضوضاء وحوادث أخرى خطيرة.


بالطبع لم تكن اللعبة بشكلها الحالي، فلم تكن المساحة أو عدد اللاعبين قد تحددا بعد، لذا استمر التقييد تارة بالقوانين وتارة أخرى بتقليص المساحات المتاحة للعب حتى العصور الحديثة خصوصا مع استمرار حوادث العنف، ففي 1885 مثلاً وبعد مباراة ودية بين "بريستون نورث إند" و"أستون فيلا"، قام المشجعون بمهاجمة لاعبي "بريستون" بالعصي والحجارة وفقد أحد اللاعبين وعيه نتيجة الهجوم، وفي العام الذي يليه جاء دور مشجعي "بريستون" للاعتداء على جماهير "كويننز بارك"، وبين عامي 1895 و1915 سجلت الصحف الإنكليزية 137 مواجهة مرتبطة بكرة القدم.


(كارثة هيسل في بلجيكا)
المشهد الحضاري للجمهور الجالس على بعد سنتيمترات من الملعب في منافسات الدوري الإنكليزي، الذي ينال إعجابنا على الدوام، لم يكن نتيجة وعي ثقافي لحظي، إنما هو الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة المراحل، راح ضحيتها المئات من الضحايا، والإحصائيات في هذا الصدد لا يمكن حصرها، لكن المهم هنا معرفة من استطاع فهم أسبابها ومن ثم تحجيمها بل والاستفادة منها، فبعد حادث التدافع في "هيسل" في العاصمة البلجيكية بروكسل خلال لقاء جمع ليفربول ويوفنتوس الإيطالي العام 1985 وراح ضحيته 39 مشجعاً، أصدرت حكومة مارغريت تاتشر "قانون النظام العام"، ثمّ "قانون متفرج كرة القدم" 1989، وبعدها بسنوات صدر "قانون جرائم كرة القدم"، وكلها قوانين تحجم التصرفات الخارجة في المدرجات. بعدها بسنوات أخرى أُقرّت تكلفة فلكية للاشتراك الموسمي لحضور المباريات حتى يفكر المشجع كثيرا قبل ارتكاب أدنى مخالفة قد تكلفه الطرد. اجراءات عديدة عبر سنوات طويلة لم تقض على ظواهر العنف بشكل تام، لكنها أدت في النهاية لهذا المشهد الذي ينال استحساننا وحسدنا أحياناً. والأهم أن كل هذه الاجراءات كان لها وجه آخر، فالهدف النهائي منها كان تدجين اللعبة و"تحويل المشجعين إلى مستهلكين"، كما يرصد الصحافي الفرنسي ميكائيل كوريا في كتابه "تاريخ شعبي لكرة القدم".


العودة إلى الجذور

كتاب كوريا مفيد جداً لشرح الوجوه الأخرى للعبة، وبداياتها التاريخية التي تفسر جنوحها إلى العنف أحياناً، خصوصاً وأنه يفصل بحدة بين عالم كرة القدم الجديد الذي ينحني لمنطق التاجر السلطوي، والعالم الآخر الذي يريد التحرّر والعودة بكرة القدم إلى جذورها. إلى اللعبة التي ولدت في منتصف القرن التاسع عشر في خضم الثورة الصناعية، والتي كانت خليطا من مجموعة من الألعاب المشابهة منذ العصور الوسطى، وكان الغرض الأساسي منها "تهذيب الشباب البرجوازي وبث روح المبادرة والمنافسة اللازمين للرأسمالية الصناعية والمشاريع الاستعمارية"، والأهم السيطرة على العمال ومنحهم أداة الهاء تخرج طاقاتهم وتعلمهم في الوقت نفسه تقسيم العمل، إلا إنها انتشرت كالنار في الهشيم و"كانت تتحرر تدريجيا من وصاية أرباب العمل، فبعدما صممها قادة الصناعة للسيطرة على العمال وتحويل نضالهم الاجتماعي إلى وجهة أخرى، ساهمت المستديرة في ظهور وعي طبقي قوي، وكانت ممارستها أسبوعياً على أرض المصنع، تعزّز المتعة وتشكل نوعاً جديداً من المؤانسة المجتمعية".

من هنا بالتحديد تولّد الشغف، وبدأت اللعبة في التحوّل، حيث تعزز الشعور لدى العمال بالانتماء لنفس الحي والفئة العاملة التي تنافس وتربح وربما تذل أرباب العمل/ السلطة في المباريات، ينقل كوريا عن المؤرخ إريك هوبسباوم قوله إن كرة القدم تجسدت منذ 1880 باعتبارها "دينا علمانيا لطبقة البروليتاريا البريطانية" بكنيستها (النادي) ومكان عبادتها (الاستاد) وأتباعها (المشجعون). ومع التمدّد الجغرافي للإمبراطورية البريطانية انتشرت اللعبة في كل أنحاء العالم وإن غزتها في ذلك الوقت "البورجوازية الرأسمالية"، فإنه بالتوازي مع هذه الكرة المهيمنة تم بناء "كرة أخرى من الأسفل بفضل انتشارها بين الطبقات الشعبية".

انتشار تعززه البساطة فقواعد اللعبة موجزة جداً "منذ تقنينها لأول مرة عام 1863، لم يطرأ على قوانينها السبعة عشر سوى بعض التغيرات الهامشية"، وتتطلب ممارستها وسائل بسيطة: كرة يمكن أن تكون بدائية، ومنطقة هواء مفتوح، يمكن أن تكون زاوية في شارع أو أرض قاحلة. تلك القواعد البسيطة توفّر حرية هائلة وتجعل من ركل الكرة مصدر سعادة لا يمكن وصفها "تكمن ينابيعها في روح الفريق وتدوير الكرة كعمل جماعي على أرض الميدان، وكذلك الانخراط الجسدي في المواجهة"، وبالتأكيد البحث عن اللمحات والمراوغات الجيدة فـ"الجمال يأتي أولا، الانتصار ثانياً، والمهم هو الفرح" كما يقول اللاعب البرازيلي سقراط.



تلك بالتحديد كرة القدم التي يبحث عنها المؤلف في كتابة، الكرة التي تستمد شعبيتها من قوتها الدرامية كعرض مسرحي متكامل الأطراف، يحاول البحث عن أبطالها الأوائل الذين تم إبعادهم عن المسرح/ الساحات الرياضية ولم يتبق لهم سوى المشاهدة عبر الشاشات، يبحث عن التاريخ النضالي لكرة القدم حيث كانت "وعاء للمقاومة للعديد من الأنظمة القائمة، سواء كانت أنظمة ديكتاتورية أو استعمارية أو أنظمة بطريركية أو أنظمة أرباب العمل أو كلها مجتمعة".


ضد الهيمنة

 من مانشستر إلى بوينس آيرس، ومن داكار إلى إسطنبول، ومن ساو باولو إلى القاهرة، ومن تورينو إلى غزة، تتشابه محاولات السلطات بمختلف أشكالها للسيطرة على اللعبة، وتتشابه محاولات الأنصار لردها إلى أحضانهم بعيدا عن كل أشكال الهيمنة الديكتاتورية أو سيطرة المستثمرين والشركات الدولية. يتتبع كوريا المسألة من بداياتها منذ المحاولات الأولى لطبقة النبلاء البرجوازية في العصور الوسطى، وحتى تكوين الفرق والأندية الشعبية التي تلاحظ أنها إما تتبع مؤسسة صناعية أو كنيسة حيث كان رجال الدين يرون في اللعبة الشعبية أداة مثالية يمكنها الحفاظ على الشباب العامل ذي الميول الانحرافية من التدني الأخلاقي "في ليفربول وبيرمنغهام على سبيل المثال، وخلال حقبة الثمانينيات من القرن التاسع عشر، كان نادٍ من كل أربعة أندية قد تأسس على يد رعايا أبرشية ما"، والعديد من الأندية التي تلمع حتى الآن في الدوري الإنكليزي لها أصول كنسية، حيث أنشأت مجموعة شباب ينتمون "للميثودية" نادي أستون فيلا، وفريق "كرايست تشيرش صنداي" الذي نشأ بمبادرة لقساوسة ومدربين إنجيليين تمخض عنه لاحقا نادي بولتون، وفي عام 1878 تأسس نادي إيفرتون لأبناء أبرشية كنيسة سانت دومنجوز.

ومن المصانع والشركات ظهرت أندية مثل "ويستهام" بهدف التقارب بين العمال وأصحاب شركة "التاميز لأعمال الحديد وبناء السفن"، وظهر الكثير من الأندية العمالية المماثلة كـ"مانشستر يونايتد" و"آرسنال"، ويلاحظ مؤلف الكتاب أن تعميم كرة القدم شعبيا بهذه الطريقة، كان يحمل تناقضا رهيبا بين طياته "فبينما الكرة المستديرة أصبحت سمة ثقافية أساسية للطبقة العاملة، فإن إضفاء الصبغة الديموقراطية عليها كان مرادفاً للتهدئة وفرض السلطة الأبوية توازى خطورة أداة سيطرة برجوازية على عالم العمل".

بينما في موسكو مثلاً، سنجد أن المسألة مختلفة قليلاً، فتكوين الأندية ارتبط أكثر بالمؤسسات العسكرية الرسمية حيث تبع نادي "سسكا" الجيش الأحمر، بينما أسست الداخلية فريق "دينامو موسكو" في مقابل نادي سبارتاك المستقل، الذي تأسس عام 1922 على يد الإخوة ستاروستين. يرصد ميكائيل كوريا كيف أخفت المتابعة الجنونية لفريق سبارتاك حساً سياسياً عميقا تجاه نظام البوليس السياسي المسيطر، بل إن تنافسه مع غيره كان يقدم نموذجين مختلفين في فنون اللعبة نفسها، حيث يترجم دينامو "عقلانية الدولة" في حين يوصف أسلوب سبارتاك بأنه رومانسي وارتجالي ولا يمكن التنبؤ به، لكن الأهم أن المواجهات والاضطرابات التي كانت تشهدها الملاعب في تلك الأوقات كانت طريقة الجماهير لقول "لا" في مواجهة السلطة القمعية، حتى وصل الأمر بالسلطة للتلاعب في نتائج الفريق! كما أصبحت مباريات كرة القدم فرصة للتعبير علنا عن كراهية النظام النازي فيما بعد، خصوصا وأنه سعى إلى تسخير قوة الجذب التي تمارسها الرياضة على الجماهير.

(فرانكو المعادي لبرشلونة بين مناصريه وتحية فاشية اثناء متابعة مباراة)

وتتكرر القصة نفسها بشخصيات مختلفة في أماكن أخرى، فبينما كان نادي ريال مدريد مرتبطا بالسلطة الإسبانية "بدأ نادي برشلونة في تأكيد نفسه كأداة للمقاومة الاجتماعية والسياسية" يصف المؤلف شعور الجماهير في بدايات تأسيس تلك الفرق فيقول: "بما أنه لا يمكنك الصراخ في الشارع فرانكو قاتل، فإن الناس يصرخون في وجه لاعبي ريال مدريد. إنها ردة فعل نفسية: إذا كنت لا تستطيع الصراخ في وجه والدك فإنك تصرخ في وجه شخص آخر"، ولاتزال مواجهة الفريقين تشهد حساسية سياسية حتى الآن نتيجة قضية الانفصال المعروفة.


وفي البرازيل غيّر الانتصار على ممارسات التمييز العنصري شكل كرة القدم في العالم، وحوّلت السلطات الكرة لتصبح ثقافة جماهيرية وطنية رسخت المكونات الاجتماعية والعرقية، وأوضح التنوع العرقي للمنتخب البرازيلي في كأس العالم 1938 نجاح هذا النموذج الذي أطلق عليه المؤلف "الطابع الديموقراطي لكرة لقدم" حيث حرر البرازيليون مختلطي العرق كرة القدم بشكل نهائي من أصولها الإنكليزية والارستقراطية، وقدموا نموذجاً مختلفا عن كرة القدم الأوروبية "العلمية الصارمة"، يعتمد على التمريرات والمراوغة والتحكم الفردي في الكرة، ووصفتهم الصحافة وقتها بأنهم "فنانو الكرة المثاليين". النموذج البرازيلي هو أحد أوضح النماذج على التداخل الكبير مع السلطة السياسة، وكما تفنن اللاعبون في المراوغة، تفننت الجماهير كذلك في استخدام اللعبة للانتصار لقضياها في مواجهة الأنظمة الاستبدادية والاستعمار، ووسط هذا الجو المشحون دائما ظهرت أسماء لامعة لا تزال تضيء في تاريخ اللعبة حتى الان كسقراط وبيليه، بشكل عام قدمت البرازيل "كرة قدم متمردة" خاصة بها وتطورت اللعبة عبر السنوات إلى ممارسة شعبية مناهضة لكل أشكال السلطوية والاستعمار.


النماذج التي يقدمها الكتاب لا يمكن حصرها في هذه المساحة لكن الغرض النهائي منها جميعا هو ما يوضحه المؤلف في قوله بأنه في الوقت الذي تسحق فيه الليبرالية الاقتصادية الأفراد، وتترجم كل حركة من حركاتنا الاجتماعية إلى مصدر للربح، تبقى كرة القدم مرادفا لكرم أخلاق مشترك، وتظل ممارسة بها لفتات غير ربحية بطبيعتها، حيث التطور الفردي لكل لاعب هو رافد لحركة جماعية للفريق.

(*)صدرت نسخته العربية مؤخرا عن دار "المرايا" بترجمة محمد عبد الفتاح السباعي.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها