image
الأربعاء 2022/11/16

آخر تحديث: 13:07 (بيروت)

يوم كانت الكرة تلعب بنا

الأربعاء 2022/11/16 محمد حجيري
يوم كانت الكرة تلعب بنا
نجم البدايات
increase حجم الخط decrease
في أيام طفولتي البليدة والساذجة، في منتصف الثمانينات، كنتُ مثل أقراني من أبناء الأحياء والحارات المتواضعة والفقيرة، في تلك البلدة النائية والمهمّشة والمنعزلة، نمارس شقاءنا اليومي في أشكال اللهو واللعب والمرح البرّيّ، ونهوى تشكيل فرق كرة القدم، تماثلاً مع المونديال العالمي ومستديرته الساحرة... أحياناً يكون الفريق من أبناء حي أو مدرسة، ومرات يكون من عائلة واحدة، ولا يخلو الأمر من ولاء حزبي متورّم.

كل فريق في ذلك الزمن والمملّ والبريء، النقي والقاسي، كان يشترى كرة قدم من نوع "كونتي" أو "أديداس"، بشق الروح، يجمع المنتسبون لفظياً للفريق ثمنها بالليرة (ومن كان معه الليرة؟)، ويرتدون الأحذية الرياضية السوداء، طليعة الصناعات الصينية الرثّة التي وصلت إلى لبنان (ملك زمانه مَن كان يرتدي حذاءً رياضياً مخصصاً للكرة)، ويذهبون الى الملاعب عند أطراف البلدة أو في المدارس، يتمرغون في التراب الأحمر قبل مجيء الغسالات وأنواع المنظفات السائدة اليوم. في ذلك الزمن حينما كانت الحرب تنهش بلدنا، كان لجوء المراهقين والأطفال إلى الكرة، بينما يلجأ كثر من الشبان إلى التفرغ المليشياوي، بحثاً عن لقمة عيش وكثيراً ما تصير طريقاً إلى الموت..

وسط هذه المعمعة، كنتُ أجرّب أن أكون لاعباً، أركض وراء الكرة ركضاً، قدمي لا تفكر، وربما تنتظرها أن تأتي إليّ، غالباً ما أتخيل لاعباً في التلفزيون، وأجرّب أن أقلّده، أي ألعب في الخيال، وأركل الكرة في الخيال، وغالباً ما اصطدم بفشل ذريع، أعجز عن المراوغة والتمريرات وأفشل في التسديدات أو الركلات المناسبة، سواء بالقدم أو بالرأس، ومرات أقف حارساً لمرمى بلا شباك وبلا عارضة. كان الحارس بالنسبة لبعض تلك الفرق الطفولية علامة من علامات الضعف، الكل يريد أن يكون مهاجماً، الكل يريد أن يستحوذ على الكرة ليسدّد ويسجّل الأهداف وينتصر. في البدايات كانت الكرة تلعب بنا أكثر مما نلعب بها، "تنطنط" ونحن نتفرج عليها، لكنها تنقذنا من رتابة الوقت وطوق العزلة.

تلك الفرق الضيعوية الصغيرة، كانت مثل الجمهوريات الكبرى، تختار اسماً لها يدل على السمو والقوّة والعلياء، فهناك النجمة والأُسود والنمور والأرزة، وفي أبسط الأحوال التضامن أو الاتحاد، والجامع بينها هو تقليد تسديدات الفرنسي ميشال بلاتيني الرأسية، وشيطنات الأرجنتيني دييغيو مارادونا، ورقصات البرازيلي زيكو، وهجمات الألماني كلينسمان الخاطفة وغيرهم. مع الوقت بدا أن اطفال الحارات يتطورون في لعبة الكرة، لم تعد تلعب بهم، بل بات هناك توصيف نجوم الضيعة الذين يسمعون تصفيق الجمهور. لكن نجوم الكرة هؤلاء، بسبب البُعد الجغرافي من المدينة-المركز، بقيت نجوميتهم محلية، لم يكن لهؤلاء الحظ في أن يصبحوا نجوم الشاشة، ولا الانضمام إلى فرق الدرجة الأولى.

والآن إذ استعيد علاقتي بكرة القدم، أحسب أن هالتها بقيت هناك، في زمن الطفولة والمراهقة، حين تابعت البرازيل وفرنسا والأرجنتين وإنكلترا أو الأرجنتين وألمانيا، وخلال السنوات الثلاثين الماضية، صارت علاقتي بالكرة شأناً كتابياً ومهنياً. في كل موسم كروي نعود للبحث عما كتب الشعراء عن الكرة، وما دوّنه الروائيون عن اللاعبين، وأي اللقطات استعملها السينمائيون... في البدايات، كانت الكتب المتعلّقة بكرة القدم شحيحة ونادرة، تتأرجح بين "قلق حارس المرمي" لبيتر هندكة، أو "كرة القدم بين الشمس والظل" لإدواردو غاليانو، أو نص محمود درويش عن مارادونا. اليوم باتت هناك عناوين كتب تشكّل مكتبة عن كرة القدم، سواء في السوسيولوجيا أو القصص أو التاريخ أو الفلسفة وحتى الشعر...

لم أعد أذهب إلى ملاعب الكرة، ولا أذهب إلى المقاهي الصاخبة بالمشجعين، بل جربت أنْ أجلبَ الكرة إلى ملاعب الكتابة، أجرّب ما إذا كان بإمكاني كتابة الشعر والرواية عنها. المرة الأبرز التي كنت فيها متحمّساً للمونديال، عندما أحرز زين الدين زيدان كأس العالم بتسديداته الرأسية. ربما اندفاعي لزيدان سببه أنّ تجربته أخذت بُعداً آخر في الكتابة عن الهويات، فهو الفرنسي من أصل جزائري، يساهم في تغيير معادلة الكرة العالمية في وقت كان اليمين الفرنسي يصعد ضد الفرنسيين من أصول عربية أو أفريقية، ولاحقاً كانت نَطحَته صدر لاعب المنتخب الإيطالي ماركو ماتيراتزي، والتي تلقى على إثرها بطاقة حمراء في نهائي مسابقة كأس العالم 2006، موضع اهتمام بالنسبة إلي، وما زال سر النطحة عالقاً كأنها باتت أسطورة للقيل والقال. إذ تناولها أستاذ الفلسفة أوليفيه بوريول في كتابه "في مديح المآثر السيئة"، وتعتبر، مع يد مارادونا، من الحوادث "السيئة" الأشهر في تاريخ كرة القدم، وقد أضفيَتا بُعداً أسطورياً على اللاعبين.

أما الكتاب الأشهر عن نطحة زيدان فكان للمؤلفة والمخرجة المسرحية آن ديلبي بعنوان "الدقيقة 107". لم تتردد في التأكيد بأنها كانت تتمشى في الشوارع عندما كانت أنظار الملايين معلّقة على شاشات التلفزة لمشاهدة المباراة النهائية بانتظار اللحظة الحاسمة. هنا شبّهت المؤلفة، ملعب كرة القدم، بمسرح جديد يعرف كيف يلهب مشاعر الجموع الهائلة.... لم تعد الكرة تلعب بنا فحسب، بل صارت المرآة العاكسة لهذا الكوكب، ومتنفسه.   
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها