image
الأربعاء 2022/11/16

آخر تحديث: 13:40 (بيروت)

حمزة باشر... شاعر الكادحين التشاديين متأثراً بمحمود درويش

الأربعاء 2022/11/16 محمد جدّي حسن
حمزة باشر... شاعر الكادحين التشاديين متأثراً بمحمود درويش
increase حجم الخط decrease
عصر عيد القديسين، انتظرتُ الشاعر التشادي حمزة باشر (أنجيمنا 1993)، في مقهى أماندين في الدائرة الثالثة، غير بعيد من نهر شاري الذي فاض وأغرق بيوت آلاف الفقراء. أنتظر شاعراً وضع قصائد في ديوانه الأول عن الكادحين والفقراء، أكثر مما وضعه أي شاعر تشادي آخر، مدركاً أنه يفضل المقاهي الشعبية على هذا المكان المكلل بالمصابيح والشموع.

أثناء انتظاري قرأت من ديوانه الذي حمل عنوان "لحن يسافر في الريح"(دار المتن 2020)، وسافرت مع قصيدته "شبح تسلل من يبوس":

في "مكاكازي"(*) القديمة 
عند الجدار الناهض في وجه الشرق 
هناك فتاة تنادي تعال! 
وريح تسافر في الريح 
ليل يغطي سماء المدنية 
        ليكتب الأمس،
والغد، كالأمس مثل الحكايات القديمة 
ينفق في القول شيئا من السحر
    فيوقظ الماء والعشب 
كان الزمان مليئا بأضداده 
      هناك فتى لا ينام!
فتى يحلم ليعيد السراب ماء! 
وحدي يساورني الشك فيّ 
  ويمتحن القمح أغنيتي" 
(*مكاكازي هو الاسم القديم لمنطقة قوي الأثرية).

أتذكر الآن، أنّ باشر حكى لي قصة جميلة عن صمود سكان منطقة قوي أمام هجمات قوات  مملكة وداي. 

كنا في مقهى بلتن نحتسي القهوة على بطون تقرقر جوعاً، بينما رائحة السمك المشوي، تداعب أنوفنا حين بدأ يشبع جوعنا بالحكايات بصوته الرخيم وفصاحته التي تجعله يتحدث بالفصحى، وهو يظن أنه يتكلّم بالدارجة أو المحكية. كقراء وكتّاب لم نكن جيدين في الخطابة وجميل الكلام، لكن حمزة شاعر، ولذا امتلك فصاحة الكلام ويمكن أن تدوّن ما يقوله في مقهى من دون الحاجة إلى تشذيب أو تعديل. أتذكر أنه حكاها هكذا: "مكاكازي هو الاسم القديم لمنطقة قوي الأثرية، حيث جاء في أساطيرها أن السحرة قالوا لسلطانها ذات مرة، حتى تنجو من هجمات مملكة دار وداي، عليك أن تبني جداراً، وتُدفن في وسطه امرأة بمواصفات جميلة. وعندما بحثوا عنها وجدوا ساكنة التي انطبقت فيها المواصفات.. فدفنت في الجدار.. منذ ذاك الوقت، توقفت هجمات سكان دار وداي عن مكاكازي.

رهان على القصيدة النثرية 
قبل صدور ديوان حمزة "ترانيم الكادح في سماء أنجمينا" عن دار النهضة العربية(*) في بيروت، كان هناك ديوان واحد في قصيدة النثر في أنحاء البلاد، أصدره الشاعر والمسرحي عطية جويد الذي تسلل إلى اللغة الفرنسية، هارباً من النافذة العربية التي بدا له أن مناظرها ليست جميلة.

سافر باشر في قصيدة النثر حتى نشر مجموعتين واصفاً رحلته تلك بالمغامرة وحين سألته لماذا اخترت قصيدة النثر؟ قال: لماذا لا نسمي الشعر شعراً من دون إضافات أخرى؟

يعيد حمزة السبب إلى القيود التي وجدها في الأنواع الأخرى للقصيدة. في مقابلة مع صدام الزيدي حول اختياره لقصيدة النثر في بلد يجد فيه الشعر صعوبات جمة قال: "لا تزال الخطى بعيدة، وتنأى بنفسها عن المغامرة في اكتشاف عوالم قصيدة النثر، فهي متأخرة جدًا، وأقل مقروئية في المشهد الأدبي التشادي، طبعًا للأسف".

في الربع الأخير من القرن المنصرم، كُتبت محاولات أولى لقصيدة نثر، لكنها لا تزال حتى الآن أسيرة بين "نمرود" الذي يعيش ويكتب في باريس، ومويس موجنان، وعبدياس نيباردوم (لجآ إلى مونتريال)، وكولسي لامكو، ونوكي دجدانون (اللذين يتجولان حاليًا بين لومي وواغادوغو). وإن المحاولات التي اجترحها هؤلاء، وإن بدت متوترة في معظمها، تجعل من هذه القصيدة أكثر افتعالًا في مساحات خارج حدود تشاد. أما في الداخل التشادي الآن، فثمة أقلام تكتب قصيدة النثر بالعربية، مثل موسى شاري، وعطية جواد، لكن تجربتهما للأسف لم تر النور، ولم يلتفت لها كثر، ما عدا ما هو مكتوب بالفرنسية، فقد نال حظوة طفيفة.

يكتب باشر عن شاغله الأول الذي هو الإنسان التشادي، عن بؤسه وهذا الجمال الذي يمتاز به، مضيفاً أن خفة دم الإفريقي تستحق الكتابة.

يمكن أن نسميه بالأستاذ حمزة باشر، على الرغم من أنه حصل على الماجستير قبل أيام في التاريخ المعاصر. هذا لقب يطلق على غالبية الدارسين بالعربية أيّاً كانت تخصصاتهم أو مجال عملهم في بلد يعطي للفرنسية مساحة أكبر من العربية مع أن اللغتين رسميتان.

يكتب حمزة قصيدة النثر، في بلد لم يعر اهتماماً لهذا النوع من الكتابة، خصوصاً في اللغة العربية، وميزانه الشعري هو حيث يجد ذاته، لذا وجد صعوبة في الإجابة حين سألته عن الشعراء الذين يعود إليهم ويعيد قراءتهم. بعد رفض واضح لذكر أسماء، وشوط من التردد، اعترف بأن محمود درويش هو الشاعر الذي يعود إليه مراراً وتكراراً.

متاهات الهوية واللغة 
يرى حمزة أن علينا تجاوز ثنائيات العَرَبفون والفرانكوفون، لنسمي ما نكتبه "الأدب التشادي". علينا تجاوز هذه الأنماط التي لا هي معرفية ولا ثقافية، ولو أغلقنا أنفسنا في هذه الأنماط فكيف نتعامل مع التشادي الذي يبدع باللغات المختلفة، أو "الأنقامباي" على سبيل المثال. لأننا الآن، مع فقهاء اللغة المعاصرين، وما أضافته اللسانيات، ما عادت اللغة إشكالاً في حد ذاتها، وإن بدا لنا ذلك، فإنها أداة تواصل، ونوافذ إبداع، وفسحة جمال، ومكامن ثراء الإنسانية، أكثر من اعتبارها ميدان حروب، ومحل صراع.

إلى جانب إهتمامه بالفن بكل أشكاله، يعطى حمزة اهتماماً بمعرفة التشاديين: "أهتمُّ بمعرفة الإنسان التشادي، كما أعتقد أن علينا تشكيل هذا الإنسان نصاً، وفناً، وبالامكان أن يساعدنا ذلك في التعرف على بعضنا البعض وتقبّل الاختلاف الذي أعتبره ثراء، وعطاء".

لا يتوقف باشر كثيراً عند سؤال الهوية الذي يؤرق العديد من الأدباء التشاديين الكاتبين بالفرنسية والعربية، بل يصفها بالشيء البسيط وأنها تكمن في العودة إلى اكتشاف مصادر أنفسنا، أو الأشياء.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها