image
السبت 2022/11/12

آخر تحديث: 12:52 (بيروت)

بعيداً من الاحتجاج: تخريب الفن المكفول بصكوك...أو لمجرد التسلية

السبت 2022/11/12 شادي لويس
increase حجم الخط decrease
ما حدّ العقوبة التي يستحقها إلقاء حساء بارد، على لوحة فنية محمية بزجاج مضاد للرصاص؟ الأسبوع الماضي، حكمت محكمة هولندية بالسجن شهرين على ناشطين من حركة "أوقفوا النفط" البلجيكية، أحدهما حاول لصق رأسه الحليقة بلوحة يوهانس فيرمير "الفتاة ذات القِرط اللؤلؤي" في متحف موريتشيس بلاهاي، وسكب الآخر عبوة من حساء الطماطم على رأسه. لم يلحق باللوحة أي ضرر، فمثل بقية الهجمات التي قام بها نشطاء بيئيون مؤخراً، ضد لوحات فنية مؤمَّنة جيداً في قاعات المتاحف الأوروبية، كان الفعل رمزياً، وحرص منفذوه على استخدام وسائل القدر الأدنى من العنف، بحيث لا يترك الهجوم أثراً في العمل الفني أو أدنى أثر ممكن.

في المقام الأول، يظل الغرض هو لفت الانتباه، أما صيحات الاستهجان التي أطلقها رواد المتاحف في كل هجوم، فكان انتزاعها مقصوداً من قبل المهاجمين، وليس عرضاً جانبياً لفعلهم. فبحسب بيانات "أوقفوا النفط" المتتابعة، كانت المفارقة التهكمية هي الغرض. فإن كان تلطيخ زجاج لوحة ببعض الحساء أو بكريمة كعكة إسفنجية، يمكن تنظيفه على الفور، يستحق كل هذا الاستهجان، فلما لا يجتذب تخريب الحياة على الأرض ومستقبلها قدره المستحق من الغضب؟


(الاعتداء على لوجة "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي" ليوهانس فيرمير)

في العام 1914، وبمثل تلك المحاكاة الراغبة في لفت الانتباه بعقد المقارنة الصادمة، وبكثير من العنف المخطط له، قامت الناشطة الإنكليزية من أجل حق التصويت للمرأة، ماري ريتشاردسون، بمهاجمة لوحة "فينوس" لدييغو فيلاسكيز، بساطور، في إحدى قاعات الغاليري الوطني بلندن. جاء الهجوم بعد يوم واحد من إلقاء القبض على زميلتها في الحركة، إميلين بانكيرست. وخلّف ساطور المُحتجّة سبعة قطوع في اللوحة. أما بيان الاتحاد النسائي حينها، فبررت فيه ريتشاردسون فعلتها بالقول: "حاولت تدمير لوحة أجمل امرأة في التاريخ الأسطوري احتجاجاً على قيام الحكومة بتدمير السيدة بانكيرست، وهي أجمل شخصية في التاريخ الحديث". هكذا، وكما كان دائماً، يتضمن الإقدام على تخريب الفن إيماناً عميقاً بقيمته سلباً أو إيجاباً، لكن لا استهانة به. فالأثر المتوقع من الاعتداء ينبع من تلك القيمة الهائلة.

بالمثل، يختار ناشطو المناخ، أهدافهم بعناية، ليس لأنهم يجهلون قيمة تلك اللوحات، بل على العكس لأن الغاليريهات والمتاحف والمراكز الثقافية هي ملاعب أعمارهم الصغيرة. وفي حال مقارنتهم بالنشطاء الأميركيين، والذين قاموا بتفجير تمثال "المفكر" لأوغست رودان بثلاثة أصابع الديناميت، في العام 1970، اعتراضاً على حرب فيتنام، فلعل البعض يمكنه المزايدة على نشطاء البيئة اليوم، واتهامهم بالرخاوة وافتقادهم لقدر جادّ من الحس الراديكالي.


(الاعتداء على لوحة مونيه)

بعيداً من هجمات "أوقفوا النفط" الاستعراضية والمروّضة ذاتياً، يتم في الحقيقة تخريب الفن في مكان آخر، وبلا أي تبعات. كان تدمير القطع الفنية جزءاً من تقاليد فنية قائمة دائماً. في العام 2018، وبعد بيع لوحة "فتاة البالون" لبانكسي في مزاد في قاعة "سوذبيز" اللندنية، مزقت اللوحة نفسها، عبر آلية مثبتة داخلها من قبل الفنان، وهو ما أضاف نصف مليون دولار إلى قيمة اللوحة الممزقة. وقبلها في العام 2001، قام الفنان البريطاني، مايكل لندي، في واحدة من أكثر العروض الفنية تخريباً على الإطلاق وأذى للذات، بتحطيم كل ما يملكه من أعمال فنية تخصه أو تخص غيره، وكل مقتنياته الشخصية، ليخرج من قاعة العرض وهو لا يملك أي شيء على الإطلاق. يمكن لهذا العرض أن يحدث في بريطانيا، حيث يعطي القانون صاحب صك الملكية، الحق في التصرف في العمل الفني، بأي شكل، حتى التدمير. لكن في الولايات المتحدة، حيث يفرض القانون ولاية عامة تحت ظروف معينة على العمل الفني، فإن عرضاً على هذه الشاكلة كان يمكن تعطيله بحكم القانون.

خلال الصيف المنصرم، أعلن الفنان البريطاني داميان هيرست، عزمه حرق أكثر من أربعة آلاف من لوحاته في بث متواصل ومباشر، وذلك في إطار عرض فني بعنوان "العملة". وفي يوم واحد فقط، أحرق ألف لوحة منها. إلا أن موجة تدمير الفن تأخذ منحى أكثر إثارة للصدمة. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت قناة "تشانل فور" البريطانية، شراءها عدداً من اللوحات لفنانين محل خلاف لأسباب سياسية، من بينهم هتلر وبيكاسو ورولف هاريس وإيريك جيل، في إطار التجهيز لبرنامج تسلية تلفزيوني، يقدمه الكوميدي البريطاني، جيمي كار، حيث سيقوم الجمهور بالتصويت بنعم أو بلا على ما إذا كان يجب تدمير هذه اللوحات، وسيقوم كار باقتراح عدد من الأدوات للقيام بعميلة التخريب. 


(حرق لوحة فريدا كاهلو)

وفي شهر تموز/يوليو الماضي، أثناء افتتاح عرض للأزياء في ميامي، وضع جامع الأعمال الفنية الأميركي، مارتين مُبارك، لوحة أصلية لفريدا كاهلو، بعنوان "الأشباح الشريرة"، داخل كأس مارتيني، وعلى وقع الموسيقى الصاخبة وصيحات الحضور المشجعة، أشعل فيها النار، وكان الغرض من عملية التدمير، هو طرح ملكيتها بصك رقمي، وقد أعلن مبارك لاحقاً عن التبرع بقيمة البيع لجهات خيرية، من بينها مدينة مكيسكو سيتي، وهو ما رفضته عمودية المدنية، واعتبرت الأمر جريمة تستحق الملاحقة الجنائية.

تتوالى هجمات نشطاء المناخ الرمزية في متاحف أوروبا، ويتبعها كثير من الاستهجان وأحكام قصيرة بالسجن، وفي حالة واحدة تم إيداع أحد المهاجمين في مَصَحّ عقلي، بينما في مكان آخر تدمّر الأعمال الفنية ببساطة على الملأ، من دون تبعات، طالما توافر صك الملكية، وفي أحيان كثيرة لمجرد التسلية.  

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها