image
الجمعة 2022/11/11

آخر تحديث: 16:42 (بيروت)

في اليابان كما في لبنان..نساء أتسوكو بارو المتمردات

الجمعة 2022/11/11 محمد شرف
increase حجم الخط decrease
معرض الفنانة اليابانية أتسوكو بنتن بارو، المقام لدى "زيكو هاوس"، يطرح أسئلة كثيرة غير بعيدة من الواقع المعيش، الذي يبدو متشابهاً ويحمل قواسم مشتركة، أكان في اليابان أم في لبنان، أو في بلدان كثيرة من هذا العالم المترامي الأطراف. إذ إن إحدى نتائج العولمة، وتطوّر وسائل التواصل على أنواعها، التي شملت مختلف جوانب الحياة الإنسانية، جعل العالم أشبه بخليّة تعج بالحركة، كما ساعد في إنتقال بعض المظاهر، سلبية أكانت أو إيجابية، من إحدى زوايا العالم إلى الزوايا الأخرى بسرعة ورشاقة شديدين.

أتسوكو بنتن بارو، المولودة في اليابان في خمسينات القرن الماضي، كانت انتقلت إلى باريس، حيث حصلت على دبلوم في الإتنوغرافيا بجامعة السوربون. في العام 1988، وبعد عملها في مجال تجارة التحف وتصميم الأزياء، أصبحت مديرة لشركة Saravah للإنتاج الموسيقي. إثر ذلك إفتتحت صالة عرض في اليابان، وألحقت بها قاعة للموسيقى. وقامت الفنانة، منذ نهاية ثمانينات القرن المنصرم وحتى منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، بتنظيم ما يربو على مئتي معرض تشكيلي وألف حفلة موسيقية. ومنذ العام 2015، انصرفت إلى الرسم والتصوير، وعملت على تبيان هوية ذاتية متعددة الثقافات، في محاولة لردم الهوّة بين اليابان والثقافة الغربية.

عنوان معرض بنتن: "عشتار إلهة الحرب والحب" يحمل في طيّاته معاني شتّى، إذا ما نُظر إليه كمدخل إلى معرض تشكيلي. وهذا النوع لا ينطبق عليه المثل القائل "المكتوب يُقرأ من عنوانه". فالعنوان قد لا يكون سوى شذرة مجازية، قد تترك المتلقي متسائلاً عن العلاقة بين العبارة واللوحة، وستدفعه، حكماً أو بحسب درجة الإهتمام، إلى التفكر في الماورائيات الكامنة خلف الظواهر السطحية، التي يمكن ملاحظتها للوهلة الأولى.

تَعتبر الفنانة، من خلال مجموعة أعمالها المعروضة، أن صعود العوالم وسقوطها قد تم على أساس عدم المساواة، حين يتعلّق الأمر بمسائل الجندر وملحقاتها، وبفهم مسائل ذات إتصال بموضوع الفن. كانت الفنانة حضرت جلسات رسم نظّمها The association of East London Strippers Collective، وقد رأت بأم العين احتفاء العارضين (كرجال في حال وجودهم) والعارضات بأجسادهن، ولباقتهن كراقصات ومؤديات للحركات المختلفة. هذا "التجهيز الجسدي" الواقعي أعاد الفنانة سنوات كثيرة إلى الوراء، وأحيا لديها جملة من الذكريات المتصلة بطفولتها في اليابان، حيث كان من العادي تشجيع المرأة على أن تكون جميلة وصامتة في الوقت نفسه. وكما يبدو، فإن مجموعة الأعمال، التي نحن في صددها، جاءت كنتيجة لإيحاءات فرضتها تلك المرحلة من الطفولة. لكن، ومع مرور الأيام التي ساعدت في تطوّير رؤية الفنانة للعالم المحيط بها، وتراكم خبراتها الحياتية، تحوّلت بعض أنواع الشعور التي راودتها إلى غضب، قد يكون جارفاً في بعض الأحيان. يعود ذلك إلى إدراكها الصارخ للكيفية التي عملت من خلالها الهيكلية الإجتماعية، عبر العصور، على نفي دور المرأة وجهودها من أجل تحديد هويتها، والتعرّض لحريتها في التصرف بجسدها، كأداة شعورية وجندرية.

الأعمال المنتمية لمجموعة الأعمال هذه تمزج ما بين الطابع الغرافيكي الخطوطي والتجسيد شبه التمثيلي للمرأة، أو للقامة البشرية بشكل عام، بحسب رؤية معاصرة تقلب النظرة الجامدة التي رسّخها المجتمع الذكوري. أما من الناحية العملية، فقد عمدت الفنانة إلى الكولاج، على سبيل المثال، من أجل إطلاق دينامية معينة على العمل، وذلك من خلال إلصاق قطع القماش، والصور المقتطعة من مجلات الموضة. تسعى بنتن، من خلال ذلك، إلى تثبيت حقيقة اجتماعية قد تكون وظيفتها، أحياناً، رصد الإستعمال التصويري لجسد المرأة كموضوع لا يتصل بالموضة بحسب، بل بنواحٍ أخرى ذات علاقة بالإغواء والرقص وبالرفض أيضاً. ولا شك في أن الرقص تحديداً كانت له مكانة خاصة في الأعمال، وبعضه يتّسم بطابع رمزي، رغم واقعيته، كتلك المجموعة من الراقصات اللواتي يقمن بحركات بهلوانية، ويشكلن هرماً إنسانياً فوق قبة معدنية تجتمع تحتها رؤوس رجال دين ملتحين، بحسب اعتقادنا حول طبيعة ووظيفة هؤلاء.

وكأن بنتن، في أعمالها هذه، تستحضر هذا الرقص كشكل من أشكال التمرّد، والحرب اللامرئية، المضمرة، بين الظالم القابع على كرسيه المزخرف، أو الملتحف بزي يقيه "شرور" النقد، وبين المظلوم القابع في الدرجات السفلى من مجتع حافل باللامساواة، ولا يخلو ذلك كلّه من أجواء الطرافة والسخرية، واللعب على حواف المسموح والممنوع. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها