image
الخميس 2022/11/10

آخر تحديث: 15:26 (بيروت)

غارانس لوكين لـ"المدن": توثيق شهادة مازن الحمادة..مسؤوليتي تجاه السوريين

الخميس 2022/11/10 علي سفر
increase حجم الخط decrease
لا تحتاج الصحافية الفرنسية، غارانس لوكين، أن تشرح للآخرين علاقتها مع سوريا والسوريين، وهي التي عايشت تفاصيل مأساتهم منذ انطلاق الثورة، وقادتها حواسها وعواطفها للتسلل إلى دمشق ذات يوم بطريقة غير قانونية، لتسجل تفاصيل ما كان يحدث في المدينة في الأشهر الأولى من العام 2011، ومضت في أوقات لاحقة في مسارات مختلفة في هذا الشأن كان أبرزها عملها على توثيق عمل فريق جامعي الأدلة على مجازر النظام، من خلال أفلام وثائقية. لكن عملها الأهم في هذا السياق كان كتابها "عملية قيصر- في قلب آلة الموت السورية"(صدر في 2015)، والذي سجلت فيه شهادة المنشق السوري الذي فضح، من خلال تسريبه عشرات آلاف الصور عن القتلى تحت التعذيب، ما جرى ويجري في معتقلات الأسد، وقد تُرجم الكتاب إلى لغات عديدة، ليتصدر واجهة الكتب التي تشرح للجمهور حول العالم حقيقة ما يحدث في سوريا.

وعادت لوكين قبل أيام لتقدم للجمهور الفرنسي كتاباً جديداً عن السوريين حمل عنوان "إنسَ اسمك- مازن الحمادة، مذكرات المغيب"، عن دار StocK الفرنسية، ويتضمن تفاصيل جلسات حوارية قامت بها برفقة الشاعرة والمترجمة السورية عائشة أرناؤوط، مع الناشط السوري مازن الحمادة الذي فُقد التواصل معه بتاريخ 23 شباط 2020، حيث قال بعض من تابع قصته بأنه قد عاد أو أعيد إلى سوريا بعد تواصله مع سفارة النظام في ألمانيا!

قضية اختفاء مازن المريبة، ما زالت تطرح علامة استفهام كبيرة في أوساط الناشطين السوريين، كما أن انقطاع التواصل معه يعيد حكايته إلى نقطة الصفر، حيث لطالما شكلت سجون سوريا الأسد ثقباً أسود يختفي فيه المعارضون، فلا يعرف مصيرهم بعد احتجازهم فيها. لقد قرر مازن، منذ لجوئه إلى هولندا، أن يكون شاهداً على الجرائم التي رآها، وجولات التعذيب التي تعرض لها، وها هو وبعودته المزعومة يعيد تثبيت ورقة إفلات النظام من العقاب على واجهة صورته التي يحاول حلفاؤه تنظيفها من دماء ضحاياه. ويأتي كتاب لوكين الأخير ليضيف إلى القصة السورية الموغلة في وحشية تفاصيلها، أوراقاً جديدة...

تقول غارانس لوكين لـ"المدن" في إطار حديثها عن الكتاب إنه "موجه للقراء الفرنسيين والسوريين على حد سواء، ما أحببت أن أفعله فيه هو الغوص في ذاكرة مازن، وعدم نسيان ما قاله لي، لأنه عاد إلى سوريا وفقدنا كل أخباره، وكنت قد ذكرت في مقدمة الكتاب أنني تحدثت مطولاً معه، برفقة عائشة أرناؤوط، وكان علينا ألا ندع كلماته تغيب، لأنها تعتبر جزءاً من التاريخ السوري. ما أحببته في مازن أنه لم يأت من دمشق، بل من مدينة أخرى هي دير الزور، وكان لديه هذا الجانب الذي يميز شخصاً لم يأت من العاصمة، ككثير من السوريين، وأعجبتني شهادته لأنها قادمة من ركن آخر من سوريا".


(كتاب عملية قيصر بلغات متعددة يفضح جرائم الأسد)

وحول طبيعة ما فعلته وهي تصنع خطاباً يأتي من ذاكرة المعتقل السابق، تقول: "لقد قلت بأن الكتاب موجه لقراء على ضفتي ثقافتين مختلفتين، لأني معنية بحماية الذاكرة السورية، ولأنها شيء يعنيني جداً بشكل شخصي. فأنا كنت دائماً موضع ترحيب من قبل السوريين، خصوصاً عندما ذهبت إلى سوريا، البلد الذي يمسني، وله مكانة في حياتي، وفي قلبي، ولدي دائماً رغبة عارمة بأن أردّ للسوريين بعضاً مما قدموه لي، وهذه طريقتي في التعبير عن شكري لهم، من خلال العمل الذي أقوم به، وأستطيع فعله. من هنا يكون تسجيل الذاكرة السورية، والكتابة عن السوريين، وسيلتي لتقديم ما يمكنني تقديمه، وهذا ما فعلته مع مازن".

تضيف: "الكتاب موجه للقارئ الفرنسي أيضاً، بالدرجة الأولى لكي يفهم بأن الحرب لم تنته بعد، خلافاً لما يتم الترويج له، وبأنه، حتى لو وضعت الحرب أوزارها يوماً ما، ولنقل فرضاً أن النظام قد استعاد إدلب على سبيل المثال، وكامل الأراضي السورية بنسبة مئة في المئة، فهذا لا يعني أن الحرب قد انتهت لأنها مستمرة من خلال الذاكرة وأثر العنف الجسدي الذي تعرض ويتعرض له المعتقلون، لأننا نعلم جيداً بأن التعذيب يستمر حتى بعد توقفه فيزيائياً على جسد الإنسان. بل إنه يبدأ بعد هذه اللحظة، لأنه يدمر من يتعرضون له، جسدياً ومعنوياً، وإنسانياً، وضحية التعذيب لا تعود إلى وضعها الإنساني بعده، إذن، لدينا مرحلة ما قبل التعذيب ومرحلة ما يليه، التعذيب لا يتحكم في حياة الضحية وإنما يحطمها.

وتقول لوكين: "صحيح أن هناك أشخاصاً يستطيعون تجاوز التمزق الناتج عن هذا الانتهاك، لكن هناك آخرين لا يستطيعون ببساطة تجاوزه، ومازن كان من أولئك الذين لم ينجحوا في تجاوز ما حدث لهم في المعتقل، لأسباب شتى، فقد كان بعيداً جداً من عائلته، عندما كان لاجئاً في هولندا، رغم وجود أخته في القرية نفسها حيث عاش، وكان قد قدم العديد من الشهادات حول موضوع الاعتقال والتعذيب، وهذا ما أتعبه وأثّر فيه نفسياً، خصوصاً أنه كان يعيد ويكرر كل مرة سرد الوقائع، وزاد في تعميق أزمته النفسية صمتُ المجتمع الدولي... أعتقد بأن المجتمع الدولي يعتبر أن التعذيب ينتهي بخروج ضحاياه من السجن، لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، كما في قضية المختفين على سبيل المثال، وهي قضية تمس الكثير من السوريين، فأنت كسوري لا تستطيع أن تعيش حياة طبيعية وهناك شخص مُختفٍ يخصك، سيصيبك هذا بفجوة في الذاكرة تعيش معك طوال حياتك، بالإضافة إلى الفراغ وغياب الشخص نفسه! ما سيؤثر في حياتك التي لن تعود كما كانت".

مرّ كتاب "إنس اسمك" بمراحل متعددة، كان بينها التوقف بسبب رفض الشاهد المغيب إكمال بوحه، وبسبب اختفائه، وعن هذا تقول لوكين: "يمكنكم أن تقرأوا في المقدمة إشارتي إلى تداعي حالة مازن النفسية، ولجوئه إلى مخاطبتنا بعنف لفظي في بعض الأحيان، وتعاطيه القاسي معنا، فاضطررنا إثر ذلك إلى وقف العمل على الكتاب، لكني لم أستطع نسيان كلماته، وعندما قال لي أبو الجود، شقيق مازن، إمضي في كتابة الحكاية، لأنها شيء جيد، شعرت بالارتياح، وهممت بإنجاز الكتاب".

بين كتاب "عملية قيصر" وهذا الكتاب مرت سنوات، تبدلت فيها أحوال كثيرة، نسأل غارانس لوكين: هل مازال المجتمع الدولي مهتماً بالقضية السورية؟ فتجيب: "أشك هذه الأيام في أن المجتمع الدولي يهتم بالموضوع السوري، إلا عندما يتعلق الأمر بالجماعات الإسلامية، حتى هنا في فرنسا، الموضوع أمسى مثار اهتمام عندما تمت استعادة الأطفال والنساء من مخيمات احتجاز عناصر داعش، وأصبحنا نرى أن العمليات العسكرية شبه متوقفة، ما أدى إلى تراجع الاهتمام الإعلامي بالشأن السوري، إلا من بعض الصحافيين، مثل سيلين مارتولي وإيديث بوفييه اللذين مازالا يذهبان إلى الرقة، لكن هذا كل شيء، خصوصاً مع تقدم الملف الأوكراني على كل الأخبار، خلال الأشهر الماضية، وهنا أعتقد بأنه لو تم الاهتمام أكثر وبعمق بالقضية السورية، كنا ربما سنعرف أكثر عما سيحدث في أوكرانيا لاحقاً!".

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها