image
الخميس 2022/11/10

آخر تحديث: 14:49 (بيروت)

"أعنف حبّ" لإليان الراهب: عودة مقاتل إلى رشده..أو اللاعودة

الخميس 2022/11/10 ربيع شامي
increase حجم الخط decrease
فيلم "أعنف حبّ"، أحدث أفلام المخرجة اللبنانية إليان الراهب، والذي يحمل عنواناً بالانكليزية "Miguel's War"، عرض قبل أيام في بيروت وتستمر مشاركاته في المهرجانات، وهو الذي نال جائزة "تيدي" ضمن فعاليات الدورة الـ71 من "مهرجان برلين السينمائي الدولي".
 
يتمحور الشريط حول رجل مثلي، نشأ في بيئة تضطهده خلال الحرب الأهلية اللبنانية. تربّى "ميغيل" (1963) على يد أب كاثوليكي وأمّ مستبدّة من عائلة سورية ثرية. شخصية واقعية عاشت الحرب اللبنانية وقسوتها، وأجبرت في سن العشرينات على ترك لبنان بشكل قسريّ، ليعيش عقوداً من الزمن حياة ملتبسة، تتداخل فيها الأماكن والشخصيات والمواقف من دون أن تتمكّن من التصالح أو الانتماء إلى ماضيها وحاضرها.


فكرة الفيلم بدأت حين تولّى مترجم فوري، نقل حلقة نقاش عن فيلم سابق للراهب إلى الإسبانية في مدينة برشلونة، وفي النقاش استطرد بشرحه وانفعالاته المتّصلة بذاكرة الحرب، ما أثار حفيظة المخرجة وعاتبته خلال الاستراحة على قوله أشياء لا تريد قولها وتوسّعه في النقاش، وهو رأي شخصي له لا يلزم الفيلم. تولد عن هذا الصدام لقاءان استمرا ساعات، أراد فيها ميشال اللبناني أو ميغيل الاسباني، أن يخبر حكايته اللبنانية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصراع الحرب ومشاركته في القتال كجزء من بحثه عن هويته الجماعية والذاتية، وما حملته من ذاكرة عنيفة وقاسية من خلال بحثه الذاتي عن هويته الجسدية والعائلية والدينية والوطنية.

قسّمتْ الراهب الفيلم أربعة أجزاء، هي مراحل علاقتها مع شخصية فيلمها، التي بدأت بإصطدام مع ذاكرته البعيدة والتي تداخلت فيها الاحداث والأماكن مع خيالاته وتهويماته عما رأى وما عاش وما سمع، عن مواقف ومشاهد واحداث وتواريخ، عن سرديات تحدّث عنها ثمّ تراجع أو اختلطتْ مع سرديات أخرى، جعلتْ المخرجة تشعر أنها أمام مشروع فيلم وثائقي عن شخصية حقيقية، تدمج بين الحقيقة والخيال وتذهب بتطرفها الفانتازمي بحثاً عن راحة أو خلاص.

ولمقاربة لجموح خيال "ميشال"، تستعين اليان الراهب بالوسائط الفنّية، مُحاولةً رسم صورة تقريبية لشخصية ميشال الواقعية واللاواقعية، رسوم تحريك تُدخل المُشاهد في عالم شخصية مستمدّة من الحرب، عنف خيالها وإصرارها على تحويله الى سيرة ذاتية تقبض على ملامحها حيناً وتفلت منها مراراً وتكراراً. 

وفي مقاربتها لسرديات مشاركته كمقاتل في الحرب، تعيد إليان الراهب شخصية فيلمها إلى لبنان وتستعين بلعبة الكاستينغ لتواجهه بممثلين محترفين أتوا من دون معرفة بشخصية الفيلم، ليقفوا وجهاً لوجه معه في سرد مواقف وأحداث مختلفة، بعضها متماهٍ وبعضها متضارب مع روايته المشتّتة بالتواريخ والأماكن. أو تتطرق إلى شخصيات قريبة من عائلته أو سبق أن شاركت في مكان تواجده كمقاتل متطوّع في عمر المراهقة، كانت المواجهة الحقيقية لعنف ميشال وحبه المضطرب من طرف واحد لذاكرته ورفضه لها.


شخصية "ميشال" المتأرجحة بين واقع وخيال متأزمين، بقيتْ حتى دقائق الفيلم الأخيرة ملتبسة ومتصارعة مع المخرجة إليان الراهب التي دخلتْ أكثر إلى عالم ميغيل، وانتقلت من تقنيات الوسائط الفنية وكاستينع الممثلين المحترفين، لإدخاله إلى بيتها حيث يلتقي شخصيات قريبة جداً منها مثل والدها ووالدتها، في محاولة منها لجعل هذا الفيلم أو هذه الكاميرا أداة تصالح أو تقبّل مع الذات وماضيها وإن خلص الفيلم إلى نهايات متعدّدة.

مرة جديدة، تغوص إليان الرهب في استعادة أشباح الماضي وذاكرة الحرب وعنفها، التي تسرد في كل مرة بشكل مختلف ومعاكس لوجهات النظر، بحثاً منها عن مادة فيلمية وفنيّة، أو سعياً منها لرسم صورة تشبيهية لتاريخ ما زال عالقاً وحاضراً في عنف مفرداته وألفاظ كلامه، وردود أفعاله غير المتوقعة في حياتنا وواقعنا المعاش...
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها