image
الأحد 2022/10/30

آخر تحديث: 10:45 (بيروت)

عندما يرحل الرئيس

الأحد 2022/10/30 أسعد قطّان
عندما يرحل الرئيس
التيار الوطني الحر والتحضير لوداع ميشال عون من القصر الجمهوري في بعبدا(جورج فرح)
increase حجم الخط decrease
حين يرحل الرئيس متعثّراً خالي الوفاض على الرغم من الأهازيج التي تحاول أن توحي بالعكس، يصبح الكلام عمليّةً محفوفةً بالمخاطر، وذلك لا لكون التقييم النقديّ مسألةً شاقّةً فحسب، بل لأنّ أيّ كلام على دواعي الفشل وماهيّته وتداعياته قابل لأنّ يفسَّر بوصفه ضرباً من ضروب الشماتة… وهو ليس كذلك.

ربّما يجد المؤرّخون للجنرال القديم الذي يغادر، حفنةً من الأسباب التخفيفيّة، لكن هل سيقوون على إنصافه؟ كيف سيسردون حكاية الوطن المتهافت والسيادة المخطوفة والجمهوريّة المنهوبة؟ أين سيجدون الكلمات التي تحول دون أن تتحوّل الكلمات إلى هباء منثور؟ ماذا سيكتبون عن الرجل الذي أوحى، مرّةً تلو مرّة، بأنّه سيقلب الطاولة على رؤوس الجميع، ولم يقلبها؟ كيف يدافعون عمّن لاذ بالصمت حين نزلت آلاف الناس إلى الشوارع والساحات وطالبته بأن يسمّي الأشياء بأسمائها ويفضح المفسدين في الأرض، لكنّه ظلّ مستغلقاً كقبر صامت. وحين قرّر أن يتكلّم، بدا وكأنّه مجرّد دمية من كلام يتحكّم فيها رجل يتأبّط باليمنى لغته الغيبيّة، ويحمل باليسرى بندقيّته، ويأتمر بأوامر إيديولوجيا تفوح منها رائحة الموت وتهويمات العصور الغابرة. 

يلعب مناصرو الرئيس الذي يرحل لعبة القوّة التي ما برحوا يلعبونها منذ نيّف وثلاثة عقود على الأقلّ. لكنّ اللعبة اليوم باتت لا تسلّي أحداً. لقد كتب أرسطو أنّ الله نفسه لا يستطيع أن يغيّر التاريخ، والتاريخ الذي ينتهي اليوم موصوم بالأخطاء المقصودة وغير المقصودة، بشهوة السلطة التي ما زالت تسيل كاللعاب من أفواه بعض المقرّبين، بالمخاتلات والأكاذيب والصغائر، بالمستشارين الذين يتلوّنون كالحرباء، بالخطابات التي تتّهم الناس بالتآمر كأنّ الوجع يعرف أن يتآمر، بفلسفة «حلف الأقلّيّات» والمشرقيّة الكاذبة التي تستعيد ترّهات الأقلّويّة ثمّ ترتطم بحائط مسدود، وبمن لا يزال يحلم بأنّ التحالفات التي نسجها هنا وهناك ستبلغ به إلى تلّة القصر، وذلك على رأي شاعر العرب الأكبر في مدحه كافور الإخشيديّ: «وغير كثير أن يزورك راجل/فيرجع ملكاً للعراقين واليا».

يرحل الرئيس لأنّ وقت الرحيل في الدساتير والنصوص المرجعيّة قد حان. غير أنّ هذا الرحيل كان قد بدأ قبل ثلاث سنوات على الأقلّ. فحين تصير الحسابات السياسيّة أقوى من وجع الناس، لا يبقى للسياسيّين سوى أن يرحلوا. آنذاك قرّر بعضهم أن يرتحل عن الذين أُحرقت خيمهم في تشرين المجيد من العام ٢٠١٩، وعن الذين ماتوا يوم الرابع من آب ٢٠٢٠، وما بعده، بالنيترات وكواتم الصوت والنار والماء، فأمعنت عيونهم في الموت، حتّى وصل صراخ العيون إلى بعبدا. أمام هذا الكمّ الهائل من الموت والوجع المسكون بالموت، يصبح الرحيل الراهن تافهاً وهزيلاً، ويصبح هرماً كصاحبه الذي يبحث عن كلمات ولا يجدها. هذا الرحيل يمتزج اليوم، ولا شكّ، بخيبات مرّة تكاد تكون بحجم وطن يتداعى. لكنّه يمتزج أيضاً بأفول نجم نهج في السياسة عقد الناس عليه الآمال السندسيّة، فإذا به يصبح شريكاً في الألعوبة الإبليسيّة التي تكاد تفضي إلى زوال الوطن واندثار كلّ شيء. 


كلّ هذا الذلّ، كلّ هذا الوجع، كلّ هذا الموت، هو برسم المؤرّخين غداً، وبرسم التاريخ الذي لا يعرف الرحمة ولا يأبه بالعروش ومن يتربّع عليها. ربّما يكون معظمنا قد غاب عن هذه الدنيا حين يطلق التاريخ حكمه النهائيّ المبرم على الحقبة التي تنتهي اليوم. لكنّه سيطلقه لا محالة. وهذا هو الأهمّ.
increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها