آخر تحديث:13:01(بيروت)
الخميس 06/01/2022
share

صبغة الله

محمود الزيباوي | الخميس 06/01/2022
شارك المقال :
  • صبغة الله
    معمودية المسيح، جدارية من القرن الثاني عشر، كنيسة دير مار موسى الحبشي في النبك، سوريا.
  • منمنمة من مخطوط سرياني يعود إلى عام النصف الأول من القرن الثالث عشر، مكتبة الفاتيكان.
    منمنمة من مخطوط سرياني يعود إلى عام النصف الأول من القرن الثالث عشر، مكتبة الفاتيكان.
  •  منمنمة من مخطوط سرياني يعود إلى عام 1203، المتحف البريطاني، لندن.
    منمنمة من مخطوط سرياني يعود إلى عام 1203، المتحف البريطاني، لندن.
  • منمنمة من مخطوط قبطي يعود إلى عام 1250، مكتبة المعهد الكاثوليكي، باريس.
    منمنمة من مخطوط قبطي يعود إلى عام 1250، مكتبة المعهد الكاثوليكي، باريس.
  • منمنمة من مخطوط قبطي يعود إلى عام 1180، المكتبة الوطنية، باريس.
    منمنمة من مخطوط قبطي يعود إلى عام 1180، المكتبة الوطنية، باريس.
جاء في سورة البقرة: "صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون" (138). ورأى المفسرون ان "صبغة لله" تعني "دين الله"، ونقل محمود بن حمزة الكرماني في "لباب التفسير وعجائب التأويل" عن عبد الله بن عباس قوله بأن "الأصل في تسمية الدين صبغة من جهة عيسى ابن مريم، حين قصد يحيى بن زكريا، فقال: جئتك لأصطبغ منك، وأغتسل في نهر الأردن. فلما خرج نزل عليه روح القدس. وكانت النصارى إذا وُلد لأحدهم ابن وأتى عليه سبعة أيام صبغوه في ماء لهم، يُقال له المعمودية، ليطهّروه بذلك، ويقولون: هذا مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانياً حقا".

في هذا السياق، يضيف الكرماني أن النصارى يسمّون ماء المعمودية كذلك "التغمير، ومنهم من يسمّيه الصبغ"، كما انه يسمّون "يحيى الصابغ، وفي بعض تراجمهم المعمداني". تتكرّر هذه الرواية في عدد كبير من المصادر الإسلامية، كما في "كنز الدرر وجامع الغرر" حيث يستعيدها ابن أيبك الدوداري: "وقيل إنّ يحيى عليه السلام، صبغ عيسى، عليه السلام، أي عمّده، فإنّه غمسه في نهر الأردنّ. فيُقال له يحيى الصابغ". حدّد الرواة تاريخ هذه الواقعة انطلاقا من رواية الانجيل. في "لباب التأويل في معاني التنزيل"، يقول الخازن: "وزعموا أن يحيى اجتمع هو وعيسى بنهر الأردن وله ثلاثون سنة". في "المختصر في تاريخ البشر"، يقول أبو الفداء بأن عيسى "إنما ابتدأ بالدعوة لما صار له ثلاثون سنة، ولما أمره الله أن يدعو الناس إلى دين النصارى غمسه يحيى في نهر الأردن ولعيسى نحو ثلاثين سنة".

الدنح والغطاس والعماد
يضيف أبو الفداء في هذا الباب: "وكان ذلك لستة أيام خلت من كانون الثاني لمضي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة للإسكندر"، وتشير سنة الاسكندر هنا إلى التقويم السلوقي، نسبة إلى سلوقس الأول، مؤسس السلالة السلوقية عام 312 قبل الميلاد، وهو تقويم شائع في العالم السرياني. أما السادس من كانون الثاني فهو اليوم الذي يُحتفل فيه بعيد معمودية المسيح، وهو العيد الذي عُرف كذلك باسم الدنح، والكلمة سريانية، ومعناها الظهور. في كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، ناقش أبو الريحان البيروني مسألة ماهيّة التواريخ وبحث في أسماء الشهور وما فيها من أعياد خاصة بالأمم المختلفة، وعرض للأعياد المسيحية في الفصل الخاص بـ"ما يستعمله النصارى الملكائية في الشهور السريانية"، وذكر في هذا الباب "عيد الدنح" الذي يحتفل به النصارى في السادس من شهر "كانون الآخر"، أي كانون الثاني، وهو بحسب تعبيره "يوم المعمودية الذي صبغ فيه يحيى بن زكريا المسيح وغمسه في ماء العمودية بنهر الأردن عند بلوغ ثلاثين سنة من عمره، واتصل به روح القدس في شبه حمامة نزلت من السماء على ما ذُكر في الإنجيل".

عُرف عيد الدنح كذلك بالغطاس، وبهذه التسمية ذكره المقريزي في "المواعظ والاعتبار"، وكتب في وصفه: "وأصله عند النصارى، أنّ يحيى بن زكريا عليهما السلام، المعروف عندهم بيوحنا المعمدانيّ، عمّد المسيح، أي غسله في بحيرة الأردن، وعندما خرج المسيح عليه السلام من الماء، اتصل به روح القدس، فصار النصارى لذلك يغمسون أولادهم في الماء في هذا اليوم، وينزلون فيه بأجمعهم، ولا يكون ذلك إلا في شدّة البرد، ويسمّونه يوم الغطاس، وكان له بمصر موسم عظيم إلى الغاية، ويُسمى أيضاً بيوم العماد".

في القرون الأولى، عمد المسيحيون على الاحتفال بالميلاد وبالعماد في عيد جامع يُقام في السادس من كانون الثاني. في القرن الرابع، بدأ الاحتفال بالميلاد بشكل مستقل، وفي القرن السادس، كتب الإمبراطور يوستينيانوس "إلى جميع الاساقفة ان يعملوا عيد الميلاد في الخامس والعشرين من كانون الأول، والدنح لستة ايام من كانون الأخير، فامتثلوا امره، خلا الأرمن فإنهم داموا على العادة الاولى في تعييد العيدين في يوم واحد"، بحسب ما أورده العالم السرياني ابن العبري في "المختصر في تاريخ الدول". في المقابل، يذكر المقريزي أن الاحتفال بهذا العيد كان يُقام في مصر "في اليوم الحادي عشر من شهر طوبة"، وهذا التاريخ يتبع التقويم القبطي، ويوافق التاسع عشر من شهر كانون الثاني.

الظهور الإلهي المقدّس
عُرف عيد الدنح بالغطاس، كما عُرف بيوم العماد، وهو في الكنيسة البيزنطية عيد "الظهور الإلهي المقدّس" الذي يُحتفل به في السادس من شهر كانون الثاني، كما ذكرنا. ظهرت صورة هذا العيد في زمن نشوء الفن المسيحي الأول، وتكوّنت في القرون الوسطى حيث اعتمد قالباً ثابتاً يستعيد الحدث الذي نقلته الأناجيل الأربعة: "جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن. وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السماوات قد انشقّت، والروح مثل حمامة نازلاً عليه. وكان صوت من السماوات: أنت ابني الحبيب الذي به سررت" (مرقص 1: 9-11).

يطلّ المسيح منتصباً في صدر الصورة وسط مياه الأردن، يحيط به يوحنّا المعمدان على الضفة اليمنى للنهر، وثلاثة من الملائكة على الضفة الأخرى. وفقا لما جاء في الإنجيل، يرتدي يوحنا لباسا "من وبر الإبل، وعلى حقويه منطقة من جلد" (متى 3: 4). عند أسفل قدميه، وفي الطرف الأسفل من الصورة، نجد شجرة صغيرة مع فأس عُلّق على غصن صغير ينبثق من جذعها، كما تقول الآية: "والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار" (متى 3: 4). يقف يسوع عاريا، راسما بيديه إشارة المباركة. ينحني يوحنا المعمدان في اتجاهه، باسطا ذراعه اليمنى فوق هامته. تشهد الملائكة الحدث، كما تقول الصلوات الكنسية الخاصة بهذا العيد.

في وسط القسم الأعلى من التأليف، تخرج حمامة بيضاء من الأخدار السماوية، وتتدلّى فوق هامة المسيح. بحسب الإنجيل، انحدر الروح القدس بهيئة حمامة على يسوع عند اعتماده في نهر الأردن، وسُمع صوت من السماء يقول بأن المعتمد هو ابن الله الحبيب، "فاتضح بذلك لاهوت المسيح وسر الثالوث القدوس العظيم، ومن ثمّ دُعي هذا العيد بعيد الظهور الإلهي، لظهور الإله في الناس"، كما يقول كتاب "السواعي الكبير" الخاص بالكنيسة البيزنطية الأرثوذكسية.

الحلل العباسية
تحضر هذه الصورة في سائر أنحاء العالم، ويتبدّل أسلوبها بين موقع وآخر. في منمنمة من مخطوط سرياني يعود إلى العام 1203، وهو من محفوظات المتحف البريطاني، تحدّ الحدث شجرتان مزخرفتان وفقا للأسلوب الشائع في فن الكتاب العباسي. يظهر هذا الأسلوب بشكل جلي في مخطوطين سريانيين من الحقبة نفسها مصدرهما نواحي الموصل، أحدهما من محفوظات مكتبة الفاتيكان، والآخر من محفوظات المكتبة البريطانية. في كل من هذين المخطوطين، تحضر صورة معمودية المسيح المعهودة بأسلوب يحاكي بشكل كامل جمالية مدرسة التصوير التي شاعت في بلاد ما بين النهرين.

لا تنحصر هذه الظاهرة في العالم السرياني، ذلك أننا نجد في مصر القبطية نتاجا واسعا يشهد لهذه الشراكة الفنية الكاملة. في هذا الميدان، يحضر "عماد المسيح" في انجيل تمّ نسخه في دمياط سنة 1180، وهو اليوم من محفوظات المكتبة الوطنية الفرنسية. في هذه المنمنمة، تتشكّل الحركة على أرضيّة تحدّها شجرتان أو صخرتان، وفقاً للمنهج العباسي في التصوير، ممّا يعطي التأليف التقليدي طابعا جديداً. يستعيد الرسام القبطي التأليف التقليدي، غير أنه يُصوّر المياه والنبات والأسماك تبعا للقاموس العباسي.

يتكرّر هذا المشهد في مخطوط إنجيلي يعود تاريخ إنشائه إلى العام 1250، وهو من محفوظات مكتبة المعهد الكاثوليكي في باريس. التأليف البيزنطي ثابت، غير ان الصياغة التشكيلية عباسية بامتياز، واعتمادها بهذه الحرفية العالية يشهد لاستمراريّتها في الحقبة المملوكية. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها