حجم الخط
مشاركة عبر
كنت على خشبة مسرح "بعلبك" في القنطاري، أؤدي مسرحية "علاء الدين والفانوس السحري" لشكيب خوري، وإذ بي ألاحظ أن الصالة، التي كانت ممتلئة بالأطفال السعداء، قد بدأت تفرغ على دفعات. حصل هذا بعيد ظهر يوم 13 نيسان 1975. فبينما كنا في المسرح ننعم بالأمان، ونحن نرى "علاء الدين" عالقاً في حفرة بعدما أوقع به الشرير المحتال، وأغلق عليه طريق الخروج بصخرة كبيرة، كان القتلة الأشرار يقطعون الطرق في المدينة، ويقتلون الأمان في الشوارع.
قد يبدو الأمر جنوناً، لكني اعتبرت ذلك مؤامرة ضد جمهور المسرح الذي كان معنا، فاتخذت قراراً بالمقاومة في مقابل قرار القتلة الأشرار بالإبادة. كان المسرح وسيلتي الوحيدة، كما وسيلة مسرحيين آخرين قرروا المقاومة لإعادة المسرح إلى الحياة، والحياة إلى المسرح. اكتشفت أن لهذه المقاومة جذوراً في التاريخ.
في العام 1997، مُنحت جائزة نوبل للآداب للمسرحي المتمرّد الإيطالي داريو فو. استهزأت أبواق السلطات الشريرة بقرار لجنة نوبل لأنها اختارت مهرّجاً وأعطته جائزة لا يستحقها البذيئون. ترددت كلمة "بذيئون" في كل قرارت قمع المسرحيين وأوامر الفتك بهم عبر التاريخ، ومنذ عصر الحضارة اليونانية المسرحية، حينما مُنعت "المساخر" التي كان يقدمها عامة الناس في الشوارع، خلال احتفالات "ديونيزوس"، مقابل عروض النبلاء في المسارح الرسمية. أدلى بذلك المسرحي داريو فو، خلال إلقاء كلمته في حفلة تسلمه الجائزة، وذكّر الحضور بقرار ملك صقلية فريدريك الثاني، العام 1221م، والذي قضى بالسماح لكل من يصادف "لاعباً بالحركات"، أي ممثلا إيمائيا أو مهرجاً، بضرب هذا المؤدي وحتى قتله إن حلا له ذلك، من دون أن تكون لذلك عواقب تُفضي لملاحقة القاتل قضائياً، وذلك لأن عمل الممثل هو نوع من الشعوذة والسحر، وجزاؤه الحرق حياً. قرار مماثل صدر في ديارنا العربية وردت فيه مسألة الحرق حين أصدر الخليفة "المعتمد" سنة 238 هجرية، أمراً يقضي بمنع تلك العروض (عروض السماجة التمثيلية) وبإحراق بيوت ممارسيها بما فيها من صور على الجدران، لأنهم يثيرون الجلبة والفوضى في الشوارع.
إمتدّ هذا القمع حتى أيامنا واتّخذ أشكالاً متنوعة في كل أرجاء المعمورة. فكان كل مسرحي واجه منطق الفاشية في الدول العنصرية، بنشره قيم الجمال، يُعتبر خائناً، وكل من تصدى لمنطق إسكات الأفواه، في الدول الديكتاتورية، بفتحه أبواب اللقاء والحوار، يُعتبرعميلاً، وكل من يسعى لإخراج علاء الدين من المغارة ليُسعد الأطفال، يستحق رصاصة في الرأس.
نحن المسرحيين، نثير الجلبة والفوضى عندما لا ننطق بلسان الطاغية، وبذيئون حين نثير في الناس متعة التفكير، وعملاء خطيرون لأننا نجمع الناس في بيت آمن ليتعارفوا ويتحاوروا ويتفكرّوا. بيتنا آمن، ومن دخله صار واحداً منّا، وسنناضل للحفاظ عليه.
نحن المسرحيين، لنا الحق في العيش في سلام مع جمهورنا، جمهورنا الذي كان يقطع خطوط تماسكم الحربية ليشارك في حضور عرض مسرحي يوم كنتم تغلقون التواصل بالرصاص، ويوم كنتم ترهبون الناس بالمتفجرات. وسنُخرج علاء الدين من المغارة والمارد من الفانوس وكل أبطال المسرحيات والمهرجين والراقصين، وسنغني معاً ضد الظلم والطغاة والمحتلين بقوة السلاح والمستغلين بقوة المال، سنغني ما قالته لي تلك الأم، وهي تركض مع ابنها، بخوف بين القذائف المنهمرة، نحو المسرح: "في المسرح كل شيء آمن ويمكن التفكير بجدواه حتى الموت".
(*) كلمة خص بها المسرحي فائق حميصي، "المدن"، وتأتي قبيل الاحتفال بيوم المسرح العالمي في 27 آذار/مارس الجاري.
قد يبدو الأمر جنوناً، لكني اعتبرت ذلك مؤامرة ضد جمهور المسرح الذي كان معنا، فاتخذت قراراً بالمقاومة في مقابل قرار القتلة الأشرار بالإبادة. كان المسرح وسيلتي الوحيدة، كما وسيلة مسرحيين آخرين قرروا المقاومة لإعادة المسرح إلى الحياة، والحياة إلى المسرح. اكتشفت أن لهذه المقاومة جذوراً في التاريخ.
في العام 1997، مُنحت جائزة نوبل للآداب للمسرحي المتمرّد الإيطالي داريو فو. استهزأت أبواق السلطات الشريرة بقرار لجنة نوبل لأنها اختارت مهرّجاً وأعطته جائزة لا يستحقها البذيئون. ترددت كلمة "بذيئون" في كل قرارت قمع المسرحيين وأوامر الفتك بهم عبر التاريخ، ومنذ عصر الحضارة اليونانية المسرحية، حينما مُنعت "المساخر" التي كان يقدمها عامة الناس في الشوارع، خلال احتفالات "ديونيزوس"، مقابل عروض النبلاء في المسارح الرسمية. أدلى بذلك المسرحي داريو فو، خلال إلقاء كلمته في حفلة تسلمه الجائزة، وذكّر الحضور بقرار ملك صقلية فريدريك الثاني، العام 1221م، والذي قضى بالسماح لكل من يصادف "لاعباً بالحركات"، أي ممثلا إيمائيا أو مهرجاً، بضرب هذا المؤدي وحتى قتله إن حلا له ذلك، من دون أن تكون لذلك عواقب تُفضي لملاحقة القاتل قضائياً، وذلك لأن عمل الممثل هو نوع من الشعوذة والسحر، وجزاؤه الحرق حياً. قرار مماثل صدر في ديارنا العربية وردت فيه مسألة الحرق حين أصدر الخليفة "المعتمد" سنة 238 هجرية، أمراً يقضي بمنع تلك العروض (عروض السماجة التمثيلية) وبإحراق بيوت ممارسيها بما فيها من صور على الجدران، لأنهم يثيرون الجلبة والفوضى في الشوارع.
إمتدّ هذا القمع حتى أيامنا واتّخذ أشكالاً متنوعة في كل أرجاء المعمورة. فكان كل مسرحي واجه منطق الفاشية في الدول العنصرية، بنشره قيم الجمال، يُعتبر خائناً، وكل من تصدى لمنطق إسكات الأفواه، في الدول الديكتاتورية، بفتحه أبواب اللقاء والحوار، يُعتبرعميلاً، وكل من يسعى لإخراج علاء الدين من المغارة ليُسعد الأطفال، يستحق رصاصة في الرأس.
نحن المسرحيين، نثير الجلبة والفوضى عندما لا ننطق بلسان الطاغية، وبذيئون حين نثير في الناس متعة التفكير، وعملاء خطيرون لأننا نجمع الناس في بيت آمن ليتعارفوا ويتحاوروا ويتفكرّوا. بيتنا آمن، ومن دخله صار واحداً منّا، وسنناضل للحفاظ عليه.
نحن المسرحيين، لنا الحق في العيش في سلام مع جمهورنا، جمهورنا الذي كان يقطع خطوط تماسكم الحربية ليشارك في حضور عرض مسرحي يوم كنتم تغلقون التواصل بالرصاص، ويوم كنتم ترهبون الناس بالمتفجرات. وسنُخرج علاء الدين من المغارة والمارد من الفانوس وكل أبطال المسرحيات والمهرجين والراقصين، وسنغني معاً ضد الظلم والطغاة والمحتلين بقوة السلاح والمستغلين بقوة المال، سنغني ما قالته لي تلك الأم، وهي تركض مع ابنها، بخوف بين القذائف المنهمرة، نحو المسرح: "في المسرح كل شيء آمن ويمكن التفكير بجدواه حتى الموت".
(*) كلمة خص بها المسرحي فائق حميصي، "المدن"، وتأتي قبيل الاحتفال بيوم المسرح العالمي في 27 آذار/مارس الجاري.

التعليقات
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها