أبو خليل القباني في مصر..مذكرات عمر وصفي ومريم سماط

بشير البكر الاثنين 2022/01/31
خليل.jpg
الدمشقي أبو خليل قباني
حجم الخط
مشاركة عبر
في الكتاب الجديد الصادر عن "دار المتوسط"،  للباحث تيسير خلف (سيرة الأجواق المسرحية العربية في القرن التاسع عشر) حول بدايات المسرح العربي في مصر في نهايات القرن التاسع عشر، تحتل القسم الأكبر مسيرة المسرحي السوري أحمد ابي خليل القباني، من خلال مذكرات الذين عملوا معه، بعدما انتقل من دمشق إلى مصر العام 1884 على إثر منع التمثيل في ولاية سوريا العثمانية العام 1883، وهو الذي بدأ مسيرة الاحتراف في المسرح العربي في سوريا، العام 1874، حين حصل على ترخيص رسمي، وباع ممتلكاته، واستأجر قاعة في خان الجمرك، في الوسط التجاري لمدينة دمشق، وجهزها لتكون مسرحاً لعرض رواياته مقابل أجر مالي، وتفرغ وفرقته بشكل كامل للعمل.

وتأتي الشهادة الأولى حول دور القباني وتأثيره في الحركة المسرحية في مصر، على لسان الممثل عمر وصفي، واسمه الحقيقي عمر محمد ميقاتي، الذي ولد في القاهرة وخاض تجارب مسرحية عديدة قبل أن يلتحق بفرقة القباني، الذي وصف أيامه معه بأنها "خير عهود الحياة". وحين انتهت فرقة أبي خليل بعد حريق مسرحه في القاهرة، انضم إلى فرقة الشيخ سلامة حجازي ممثلاً ومخرجاً. وبدأ عمر وصفي نشر مذكراته الفنية تحت عنوان "تاريخ حياة الممثلين"، ثم "تاريخ التمثيل والممثلين في مصر"، وهي تشكّل المصدر الوحيد عن الكثير من المعلومات المتعلقة بنشأة المسرح العربي في مصر، رغم ما يعتريها من تداخل وضبابية في تواريخ بعض الأحداث. وكتب عنه المحامي والكاتب المسرحي، أحمد عبد الرحمن قراعه: "كانت أبرز صفات عمر أنه ساخر، يهزل ليعبر عن الجد، ويُلقي باللطيفة، ليخرج من مأزق، لا يسهل الانسحاب منه، إذا اتخذ موقف الجد أو أرسل النكتة، لتُصفي الجو"، وانتقل من المسجد إلى المسرح. وبعدما توفي والده، وهو في سنة الثانية عشرة، كان عليه أن يتولى وظائفه الثلاث، وهي الميقات والآذان والقرآن. لكنه وجد من يدله على أماكن "التشخيص"، وكانت البداية من عرض في بولاق مع "فرقة القرداحي" التي كان من أفرادها سلامة موسى والمطربة ليلى الشامية، وكانوا يمثلون ليلتها رواية "عائدة"، ويقول "كل هذه الأشياء حيرتني كالمجنون، أحلم في نومي بها وأهمل دروسي، وأريد أن أكون ممثلاً"، وصار يمشي في الشارع ويؤدي إشارات تمثيلية. ونتعرف على معلومة جديدة وهي أن مارون النقاش أطلق في العام 1847 على "التياترو" اسم "المرسح"، مولداً العبارة من مرزح الدبكة أي ساحة الدبكة، وعمّت تسميته في بلاد الشام ومصر حتى ثلاثينيات القرن العشرين، عندما استقرت تسمية المسرح بدعم من مجمع اللغة العربية في مصر.


                                        (عمر وصفي)

واللافت أن الأدوار الثلاثة الأولى التي لعبها عمر وصفي، كانت مقطوعات مسرحية من إعداد أو نصوص شيوخ من الأزهر، مثل رواية "المحمل الشريف" تأليف الشيخ بصرة، العالم بالأزهر، وقام هو بدور المعلم في توزيع الأدوار، فيما واصل الفتى دراساته في علوم الدين ومثّل أدواراً نسائية. وكان أن قام الموسيقار الايطالي انريكو كورتي، بتولي مهمة انتاج العمل، وأنفق عليه من ماله الخاص ليكون عرضاً كبيراً، لكنه تبلّغ إلغاء العرض من قبل الخديوي توفيق لمعارضته الدين، وهنا أنفض الجمع وعاد كل إلى عمله.

وكالعادة، شكل التمويل عقبة أساسية، وهو يأتي في غالبية الأحيان من أصحاب خمارات مثل ميخائيل جرجس الذي نصحه شقيقه المدرس بتأسيس فرقة مسرحية وتمويلها، كي يغطي على "نقيصة" إدارة خمارة. والعقبة الثانية هي التمثيل بالاسم الصريح، وهذا يعد مشكلة بالنسبة للأهل والأقارب، لذلك اختار اسماً فنياً هو عمر وصفي، وجاء النجاح مع مسرحيتي "هند بنت الملك النعمان"، و"قوت القلوب مع غانم أيوب" لأبي خليل القباني، لكن لعبة الأسماء المستعارة سرعان ما انفضحت وعلم الأهل أن ابنهم صار "تياترجي"، ويعمل مهرجاً "بلياتشو". فحولوه للعمل لدى عمه تاجر الأخشاب والفحم، الذي لم يلبث أن طرده لأنه تجرأ على ركوب حماره الخاص، وكانت عودته للمسرح من جديد ونزع العمامة. ويروي أن من أهم فرق تلك الفترة، فرقة القباني السورية كلياً، والتي تمثل قصصاً عربية مثل "ولّادة بنت المستكفي"، وفرقة القرداحي من الاسكندرية التي تمثل قصصاً افرنجية مثل "تاجر البندقية" التي صار اسمها "الصراف المنتقم". ومن الشخصيات البارزة في تلك الفترة، عناية بك (عبد الرزاق بك عناية)، الذي "كان له أكبر فضل في ما تسمونه الآن نهضة المسرح لأنه استثمر أمواله في هذا الميدان". والشيخ سلامة حجازي، اسم عظيم ردده المسرح كثيراً. ساهم في بناء المسرح الحديث، وكان له أول أثر في وضع حجر الأساس.

وكدليل على تطور المسرح، يقول وصفي "أما الدُّور التي كنا نمثل فيها، والتي كانت عبارة عن خيمة يعدّها الفراشون كما يعدون خيمة الأفراح والمياتم، أصبحنا نقيمها من الخشب، واستعملنا كلوب النور بدلاً من مصابيح البترول"، وأصبحت لهم موسيقى تعزف على باب التياترو، وفي فترات الراحة موسيقى نحاسية، ولم تعرف المسارح قبل الشيخ سلامة الموسيقى الوترية. وربما كان سليمان الحداد هو أول ممثل، "على حد تعبيركم اليوم، صادفته في حياتي"، فقد أبى هذا الرجل أن يجاري الفرق التمثيلية في تمثيل الروايات التي كانت شائعة في ذلك الوقت، والتي كان يحبّها الجمهور، وكان رأيه أنه لا بد من فاتحة عهد جديد ونهضة جديدة، ولا ينسى فضل عدلي بك يكن، وكيل محافظة القنال، وهو صاحب الدولة عدلي باشا، الذي ساند التمثيل والفنون، ولعب دوراً "لن ينساه أحد ممن مارس الفن في ذلك الوقت"، سواء من الممثلين أو المطربين، و"لقينا من مساعدته وتشجيعه لنا ما جعلنا نلهج بالشكر والثناء".

وكانت مدينة دمياط أكبر تجمع للسوريين المهاجرين إلى مصر في القرن التاسع عشر، وكانوا يشكلون أكثر من ربع سكانها، وغالبيتهم من التجار. وفي هذا الجو ألّف أبو خليل العام 1894، فرقة مصرية بعد الفرقة السورية التي كان يأتي بها إلينا، وضمت هذه الفرقة بنات سماط، مريم وهيلانة وحنينة، وعمر وصفي والمطرب الشيخ حسن صالح، وعمر فايق، الاختصاصي  في أدوار الملوك، واختصت الفرقة بالروايات المؤلفة بدل المعرّبة، مثل "عنتر بن شداد"، "ولّادة بنت المستكفي"، "عفيفة"، و"الأمير محمود". وشهدت إقبالاً عظيماً وتزاحماً على باب "التياترو" وتعاركاً على شباك التذاكر، وقد تاجر الكثيرون في هذه التذاكر التي كانوا يشترونها من التياترو ويبيعونها بأضعاف ثمنها.

وبعد فترة غادر القباني ولم يعد الى مصر إلا بعد مرور زمن، وروى وصفي أنه اخترع سبباً لذلك وفاة زوجته، وحين عاد لاحقاً شكل فرقة أخرى وجد وصفي لنفسه مكاناً فيها، وبنى القباني داراً فخمة هي دار تياترو سوق الخضار، لفرقة أبي خليل القباني، وهو إذ يمتدح القباني يغمز من قناة منافسه قرداحي "الذي كان أبغض شيء إلى نفسه دفع أجور الممثلين"، ويسجل أن أول إعانة للمسرح كانت من مجلس بلدية الاسكندرية لفرقة اسكندر فرح.

وفي حديثه عن "القباني العظيم" كما يصفه، يقول إنه رجل "يستحق كل هذا الإجلال والإعظام من الوجوه والعظماء وأرباب القلم، وأهل الفن، فقد كان الرجل بين الأعيان ظريفاً، وكان بين العلماء والأدباء أديباً واسع الاطلاع حلو الحديث، طيب المعاشرة غزير العلم حريصاً على العربية كل الحرص، فكان لا يسمح لممثل أن يهفو هفوة في النحو أو الصرف، وكان بين الفنانين موسيقياً عظيماً عالماً بأصول الفن وقواعده، فكان الرجل في الحقيقة موسيقياً، أكثر منه ممثلاً. محبوباً بين الناس، يقبل عليه العظماء ويتقدم إليه أدباء العصر برواياتهم بين مترجم ومؤلّف". ويروي تفاصيل في منتهى الطرافة عن رحلته مع القباني إلى سوريا مروراً بمرفأ بيروت، التي حاول أن يقصد ملاهيها في ليلته الأولى "لكنهم أفهموني أن الليلة تتعطل الملاهي لأنها ليلة السبت، وكل المطربات من اليهود. ويصف منزل القباني في حي القنوات بدمشق على نحو تفصيلي، يعكس ما كانت تعيش فيه هذه العائلة من غنى وبروتوكول وحسن ضيافة. ويتوقف مطولاً عند طقوس الاستقبال والبروتوكول والطعام في بيت القباني "ما وجدته من كرم هؤلاء الناس، ذلك الكرم العربي الصميم الذي نسمع عنه في القصص والقصائد". وحين عادوا إلى مصر، حظي القباني باستقبال فريد: "بلغنا مصر، وما كدنا نصل إليها حتى هرع رجال الفن والمعجبين بالاستاذ أبي خليل يستقبلونه مهنئين بسلامة العودة. وللرجل بين الناس، والأعيان، والأدباء، وأهل الفن منزلة سامية". واختتم أبو خليل عمله التمثيلي في مصر بختام موسم 1899. "هذا الرجل الذي عاشرته طويلاً، والذي كان له أثر لا ينكر في فن التمثيل بمصر". ويقول إن القباني كان فناناً بارعاً في الموسيقى قبل أن يكون ممثلاً، فالتمثيل عنده في المقام الثاني، أما الموسيقى فقد بارعاً ملما بأصولها إلماماً يحسده عليه أساتذة اليوم. وهو متواضع ويعامل العاملين معه معاملة راقية ومن ذلك طريقة تسليم المرتّبات.

مريم سماط
ولدت هذه الممثلة التي ذاع صيتها في مصر، في بيروت العام 1870 لأسرة من طائفة الروم الأرثوذكس تعود أصول أسرتها إلى مدينة محردة في محافظة حماة، ودخلت عالم التمثيل في الفترة ذاتها التي دخل فيها زميلها عمر وصفي، أي العام 1889، وعملت مع جمعية المعارف لفترة قصيرة، ثم مع فرقة القباني في العام 1890، ومن ثم في فرقة أنشأها والدها بالشراكة مع صديقه الدمشقي إسكندر فرح. وبعدها، تنقلت بين عدد من الفرق إلى أن التحقت بالقباني من جديد في العام 1894، فبدأت مرحلة جديدة من مسيرتها الاحترافية، ونشرت مذكراتها الفنية عن بدايات التمثيل المسرحي في مصر في جريدة "الأهرام" العام 1915، ما يشكل وثيقة هامة لدراسة تاريخ الحركة المسرحية والتمثيل في مصر، كونها كانت واحدة من أولى الممثلات اللواتي جعلن لفن التمثيل مكانة لما كانت تتمتع به من سيرة عطرة، وثقافة رفيعة جعلتها رمزاً من رموز هذا الفن، وقدوة المجتمع.

ويقدم وصفي شهادة عن هذه السيدة التي أولمت له حين زار بيروت في قصر أهلها الواقع في "بيروت-برج أبي حيدر". وكل الإطراء التي حصلت عليه في سنوات تمثيلها الأولى في مصر من حسن الأداء والظهور، هو أثناء وجودها في فرقة القباني، لكنها مثلت بعد رحيل القباني عن مصر، مع فرقتي سلامة حجازي وجورج أبيض، ولقيت بذلك الثناء "بين الممثلات اللواتي أحرزن بنبوغهن وتفوقهن شهرة بعيدة، حضرة الممثلة البارعة مريم سماط رئيسة ممثلات جورج أبيض. فإن الذي يراها وهي تمثل، يتصور أنه يرى حقيقة لا تمثيلاً". وبعد تألقها في مسرحيتي "نابليون، والكابورال سيمون"، لقبتها الصحافة بـ"سارة برنار الشرق" تيمناً بالممثلة الفرنسية الشهيرة. وجرى تكريمها العام 1916 من قبل "نادي إحياء التمثيل العربي"، تحت عنوان "احتفال عظيم بتكريم ممثلة كبرى". وخصصت لها مجلة "روز اليوسف" العام 1926 غلافاً، باعتبارها "ذات شأن كبير في عالم التمثيل".

ولخصت تجربتها في التمثيل في مصر في خمسة مقالات نشرتها في صحيفة "الأهرام"، صيف العام 1915، نقلها كتاب تيسير خلف لتكمل، مع مذكرات عمر وصفي، صورة عن مرحلة مهمة في تاريخ المسرح المصري، الذي كان القباني أحد رواده الأوائل ومطوريه خلال الأعوام الـ15 الأخيرة من القرن التاسع عشر.

وفي الختام هناك جملة من الملاحظات حيال هذا الكتاب، وتتلخص في أن الباحث والكاتب تيسير خلف، بذل جهداً كبيراً في تحقيق هذه المذكرات ومراجعتها وتدقيق معلوماتها وضبط تواريخها، وهو يستحق الثناء على ذلك كون هذه المذكرات تشكل المصدر الوحيد عن الصفات الشخصية والخلقية لرواد المسرح العربي في مصر، وكشفت مجموعة من الحقائق المتعلقة بسيرة الفرق المسرحية في مصر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. أكدت على دور أبي خليل القباني المحوري في ترسيخ التقاليد الاحترافية في المسرح العربي، وهو الذي شكل ظاهرة فنية تتمتع بشعبية واسعة، سواء في المدن أم في الأرياف النائية، ومن هنا ولدت ظاهرة المسرح الجوال.

ومن خلال هذه المذكرات نقف على مسألة مهمة، وهي استمرارية التجربة المسرحية العربية التي ظهرت في القرن التاسع عشر، وتطورها في العقد الثاني من القرن العشرين بشكل كبير على يد الجيل الذي تتلمذ على يد عمر وصفي وسلامة حجازي وكامل الخلعي وغيرهم، ممن تتلمذوا لدى الرواد الأوائل من أبي خليل القباني إلى سليمان الحداد وسليمان القرداحي إلى يوسف الخياط. ويبدو من ذلك مشاركة سورية كبيرة في المسرح بمصر، والقادمون من دمشق وبيروت في ذلك الزمن، وجدوا في مصر أجواء من الحرية سمحت لهم بالعمل من دون قيود، والملاحظ مشاركة النساء وغالبيتهن من بيروت، مثل مريم سماط وشقيقاتها. ومن الاكتشافات أيضاً أن المسرح شكل مجال استثمار يجنى منه المستثمرون في الفرق أرباحاً كبيرة، وتتردد على لسان عمر وصفي جملة "الأرباح الجزلة تتدفق عليه حتى أصبح من الأغنياء"، وذلك على عكس ما هو عليه الحال في زماننا.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث