آخر تحديث:15:36(بيروت)
الأربعاء 08/09/2021
share

يوم اكتأب جورج ناصيف

محمد حجيري | الأربعاء 08/09/2021
شارك المقال :
يوم اكتأب جورج ناصيف
كثرٌ كتبوا كلمات ووجدانيات ورثاءً في وداع جورج اسبر ناصيف، الصحافي، اليساري والأرثوذوكسي، و"المسيحي الوطني" (تسمية رائجة في زمن الحرب الأهلية وتصنيف المسيحيين بين "وطني" و"انعزالي")، والكاتب والمعلق المتنقل بين "بيروت المساء" اليسارية، و"السفير" العروبية، والمستقر في "النهار" الليبرالية التوينية، حيث أشرف في المرحلة الأخيرة على صفحة "أديان"...

كثرٌ نشروا صورهم النوستالجية مع ناصيف، مستذكرين ابتسامته أو علاقته بتأسيس "الحوار الدائم"(هو جمع من الناشطين والسياسين والمثقفين)، أو علاقته بمنظمة العمل الشيوعي، أو حركة الشبيبة الارثوذوكسية، فهو كان يجمع بين "ماركسية عروبية وتديّن علماني"، وهو أب لثلاثة أولاد، أحدهم رجل دين، وآخر كان ناشطاً في المجموعات اليسارية "المنشقة" أو المنفصلة على اليسار الحزبي... وعلى ما تظهره سيرة ناصيف، كان كثير الأهواء السياسية أو متعدد المشارب الثقافية بين علمانية ودينية مشرقية، أو يحاول جمع الأضداد والموجات. فبحسب بيان نعيه الكنسي: "قلّة عايشت تناقضات أرثوذوكسيته وعلمانيته، سلاميتّه وجرأته، فرحه وحزنه، شغفه بالحياة وقسوتِها عليه حتى الحُكم بالشلل والإنسحاب الهادئ من الروح والنبض"، وهو "مناضل في سبيل الحوار بين الأديان والعمل المسكوني في مشرِقٍ ملتهب ومشرذم"...

والرثاء الذي رافق غياب جورج ناصيف، كما عهدناه في أدبياتنا وكتابتنا، رفيق الموت والغياب، أو رفيق راحل وغائب له اسمه في الشأن العام، وهو لغو أهل "الفسبكة" بعدما كان لغو الصحف وكتّابها، ولغو أهل الشعر والقصائد... والإسراف في القول الرثائي في من غادروا عالمنا، و"إداروا لنا ظهرهم"، او أداروا ظهرهم للعالم الدنيوي، وذهبوا الى العالم الآخر، كأنه بمن يقولون أو يرثون، يعلنون على الملأ "لا يجوز في الراحل أو الميت غير الرثاء"، وبالتالي تغيب محاورة الغائب ومحادثته والتطرق إلى واقعه وشجونه ودراميته ويتم التركيز على نضالاته وشعاراته... والحال أن قلّة ممن كتبوا أو "فسبكوا" أو رثوا، أشاروا الى أن ناصيف أصابه الاكتئاب بعد "إخراجه" من صحيفة "النهار".

وبحسب صديقه الروائي الياس خوري: "وسط شعوره بالمرارة والأسى ضربه المرض ووضعه في الهامش وحيداً، حيث شهد من غربته انهيار الصحافة واندثارها، واحتضار لبنان الطويل". بمعنى آخر، كان موت جورج ناصيف الأول، قبل الموت الجسدي، خروجه من "النهار"، أو منعه عن شغفه بعمله، وبالتالي دخوله في رحلة الاكتئاب والمصحّ، منسياً منزوياً، كأنه يعيش "أياماً زائدة"... الاكتئاب في لبنان قضى على كثيرين، سواء كانوا حزبيين أو حالمين او يساريين او يمينيين، الاكتئاب بات ظاهرة ينبغي رصدها..

لا ضرورة للدخول في عالم الكتابة والاكتئاب، أو نهاية المكتئبين في عالم الشعر والفلسفة والرواية. ما نودّ قوله هو أن جورج ناصيف ليس وحده من اكتأب بعد اخراجه من مهنته أو عمله، بسبب تبدل الأحوال. صَرف الموظفين، وإقفال الصحف الورقية في بيروت، شكل صدمة للكثير من الكتّاب والصحافيين، حتى لبعض أصحاب الصحف أنفسهم. أسماء نعرفها، أسماء نسمع عنها، أسماء تفضل عدم ذكرها، أخذتها مصائر الصحف الفانية والمهن المترهلة إلى الاكتئاب... الصحافي جورج ناصيف كان النموذج الأبرز باعتباره الأكثر علانية.. وقَبله، مَن يتذكر تجربة المسرحي والشاعر عصام محفوظ؟ الناقد محمد دكروب قال لي مرة أنه بعد إقفال مجلة "الطريق"، شَعر بالاكتئاب والموت، وحين أعيد إصدارها، قال: "طالما مجلة الطريق بخير، أنا بخير".

لا شيء يمكن قوله سوى أن جورج ناصيف نموذج عن مصائرنا، واحوالنا.. وهذا غيض من فيض عن سرب من المكتئبين نتحدث عنهم في الكواليس، كأننا نتحدث عن أنفسنا...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها