آخر تحديث:06:56(بيروت)
الأحد 05/09/2021
share

الفن في ظل الأنظمة التوتاليتارية... من هتلر إلى طالبان

محمد شرف | الأحد 05/09/2021
شارك المقال :
الفن في ظل الأنظمة التوتاليتارية... من هتلر إلى طالبان "الحصان الازرق" فرانز مارك

"يتحطّم قلبي عند الحديث عن الفنانين الأفغان وهم يدمرون فنهم بدافع الخوف. أفغانستان تصبح سوداء وبيضاء مرة أخرى. إنها تفقد جمالها وتنوّعها وألوانها. أخشى أن يدع العالم هذا يحدث مرة أخرى" (ناشط في تويتر – "المدن"، 26 / 8 / 2021).

وردت العبارة - الخبر في "المدن" تحت عنوان "جمهورية خوف جديدة.. أفغانستان تفقد ألوانها". ليس في الأمر ما يدعو إلى الإستغراب الشديد. ممارسات "طالبان" خلال فترة سيطرتها الماضية على أفغانستان ما زالت في البال. يتوقّع البعض أن الحركة الأصولية قد تغيّر سياستها تجاه أمور عديدة، ومن ضمنها الفنون على أنواعها. لكن هذا مجرّد تخمين لن يتوافق، ربما، مع الواقع.

هذا الأمر يحيلنا إلى مسألة لطالما شغلت الباحثين في مجالات الفنون، وهي علاقة الأنظمة التوتاليتارية بالفن. هذا النوع من الأنظمة لا يتهاون، كما هو معروف، مع أي فرد لا يخدم مصالحه، وإذا ما رفض الفنان، من بين أولئك الأفراد، خدمة مصالح النظام، فإنه سيضطر حينها إلى التنقل بين مختلف العقبات والعثرات والممارسات القادمة من ظلام القرون الوسطى، ليصبح كمن "يسير بين الأفاعي"، كما يقال. في ظروف مماثلة، يتوجّب على الفنان إعادة تحديد محيط ساحة المعركة، وابتكار استراتيجيات تتكيف مع البيئة السياسية والاجتماعية الجديدة. هذا الأمر قد يؤدي إلى إبتسار عمله وشخصيته، إذ نادرًا ما يستطيع الفنان الهروب من الواقع الممسك به، فهو ينظر إلى هذا الواقع كما لو كان في المرآة، عالقاً في زوبعة منومة مغناطيسية. ومع ذلك، لا يكفي النظر من أجل الرؤية، إذ عليه ضبط عدسة الكاميرا وتكييفها، ليضع وجهه وخلفيته في نفس مجال الوضوح. هذه الخلفية تبدو غالباً ضبابية، كما أنه يمكننا كسر المرآة، ومحاولة رؤية ما وراء المظاهر، أي، بمعنى آخر، محاولة خلق واقع آخر، مع الأخذ قي الإعتبار أن الفن والسياسة يعملان على مستويين متعارضين تمامًا.

ما من شك في أن النازية تقدّم مثالاً ساطعاً في المجال الذي نحن في صدده. يقول المؤرخ هنري غروشانس في كتابه "هتلر والفنانين"، إن أدولف هتلر، الذي تولى السلطة في عام 1933: اعتبر "أن الفن اليوناني والروماني غير ملوث بالتأثيرات اليهودية". كان الفن الحديث، في نظر هتلر، عملاً من أعمال العنف الجمالي الذي مارسه اليهود ضد العقل الألماني. كان هذا صحيحًا بالنسبة لهتلر، كما كتب غروشانس، على الرغم من أن ليبرمان وميدنر وفريوندليش ومارك شاغال وسواهم، الذين قدموا مساهمات كبيرة للحركة الحداثية الألمانية، كانوا يهودًا. لكن هتلر "أخذ على عاتقه مسؤولية تقرير من يفكر ويتصرف مثل اليهودي في ما يتعلّق بالثقافة".

وإذا كنا ذكرنا الفنانين اليهود تحديداً، وأشرنا إلى انجازاتهم في مجال الفن التشكيلي، فذلك من قبيل اعتماد الموضوعية، بصرف النظر عن الناحية السياسية أو العنصرية في معانيها السلبية أو الإيجابية. أما فيما يختص بالنظرة النازية، فإن ما يسمّى بالطبيعة "اليهودية" المتعلّقة بالفن،  تنتج، بحسب تلك النظرية، "موضوعات مشوّهة وفاسدة تؤدي إلى الإنحطاط، وتلك بعض أعراض العرق المذكور".


لكن الحقيقة تؤكّد أن تهمة "الفساد الفنّي" لم تطاول اليهود فحسب، بل طاولت كل الفنّانين ممن ساروا على نهج لا يتوافق مع النظرة النازية. فالفن التجريدي، على سبيل المثل، كان مصدر خوف لدى الديكتاتوريات، لأنه، بحسب رؤية الأنظمة السياسية التي لا تولي إهتماماً لحرية الفكر، لا بل تحاربها، تعتبر أن الفن التجريدي يحمل في طياته تعابير نقدية مناهضة للفكر القائم في المجتمع (تشاء المفارقة أن الفكر الديني الإسلامي الأصولي، وعلى عكس الفكر النازي، يرفض التشخيص لأسباب معروفة، في حين أن الزخارف الإسلامية، المسموح بها، هي في نهاية المطاف شكل من أشكال التجريد). هذا، وقد أطلق النظام النازي صفة المنحط على كل ما هو حديث، وكان تداوله محظورا. في معرض أطلق عليه تسمية "معرض الفن المنحط"، في عام 1937، عُرضت لوحات لعمالقة الفن الحديث في العالم. فنانون مثل بيكاسو، كاندينسكي، كليه، بيكمان، وغيرهم. ولكن، وكما شاءت السخرية، أن يُعرض كذلك، من باب الخطأ، تمثال الملاكم الألماني ماكس شميلينغ ضمن فئة "الفن الألماني" وهو عائد للفنان الألماني رودولف بيلّينغ، وعملين آخرين تجريديين، وما أن أدرك القائمون على المعرض خطأهم حتى استُبعد العملان من المعرض بلا ضجيج.


لا تحبّذ الدكتاتورية، على تعدد أشكالها، ما يمكن أن يكون "غامضاً". سعى التيار النازي إلى استلهام الفن اليوناني والروماني الكلاسيكي، حيث رأى أدولف هتلر (تجدر الإشارة إلى أن هتلر نفسه كان فنانًا فاشلًا. إذ لم ينجح في دراسة الفنون الجميلة، وكان فنه التقليدي نقيضًا للاستكشافات الفنية التعبيرية وغير الواقعية، التي كان معاصروه يطورونها)، نقول إن هتلر رأى في الفن الكلاسيكي المظهر الخارجي لمثل عرقية داخلية، وفي حال كونه بطوليًا أم ورومانسيًا، فإن الرجل العادي يمتلك القدرة على فهمه. وعلى نقيض ثقافة فترة فايمار، التي نظروا إليها باشمئزاز، طوّر النازيون جمالية محافظة، واستخدموا الثقافة كوسيلة للدعاية خلال فترة سيطرتهم على ألمانيا.


ولكن، لا بد من القول إن الموقف السلبي من الفن الحديث لم يقتصر على جمهور ألمانيا وحدها. فقد خضع عالم الفنون لتغييرات كبيرة. وفيما يختص بالفنون المرئية، لا يوجد إجماع على ابتكارات التكعيبية والدادائية والسريالية، التي جاءت صادمة للبعض، وخصوصاً للإنسان العادي الذي كان تقبّل الرمزية وما بعد الانطباعية والوحشية Fauvisme على مضض. فغالبية السكان في ألمانيا، كما في أي مكان آخر، لا يهتمون بالفن الجديد الذي يعتبره الكثيرون نخبويًا ومشكوكًا فيه من الناحية الأخلاقيًة، وغالبًا ما يكون غامضاً. هذا، في حين أن ألمانيا كانت، في عشرينيات القرن الماضي، أحد المراكز الأساسية للفن الطليعي، ومهدًا للتعبيرية في الرسم والنحت، إضافة إلى، من ناحية أخرى، مؤلفات أرنولد شونبيرج الموسيقية المتواضعة، والأعمال المتأثرة بموسيقى الجاز لبول هينديميث وكورت ويل، هذا في مجال الموسيقى، أما في مجال السينما، فلا بد أن نذكر إنجازات فريتز لانغ، الذي جلب التعبيرية إلى السينما.

(معرض الفن المنحط)
يتميز فن الرايخ الثالث بأسلوب رومانسي واقعي يعتمد على النماذج الكلاسيكية. وفي الوقت الذي حُظرت فيه ما تسمى بالأنماط الحديثة "المنحطة"، يفضل الاشتراكيون الوطنيون اللوحات التي تمجد، بأسلوب كلاسيكي تقليدي، قيم "Blut und Boden" ("الدم والتربة") والنقاء العرقي والعسكرة والدين، والزعيم هتلر في طبيعة الحال، إضافة إلى مفاهيم الطاعة العمياء له. يحتفل الفن النازي أيضًا بمشاهد الناس العاملين في الحقول، والعودة إلى الفضائل البسيطة لتيمات حب الوطن، والأنشطة النسائية في الإنجاب والتعليم، التي يرمز إليها شعار "كيندر، كوش، كيرتش" ("أطفال، مطبخ، كنيسة"). (أعمال هنريش كنير، لودفيغ ديتمان، كونراد هوميل، أدولف ويسيل وآخرين، على سبيل المثال).

وبحسب مفهوم أية ديكتاتورية في العالم، فإن الفن يجب أن يكون واضحاً وبسيطا، ولا يحتاج إلى تفكير كثير من أجل فهم ما يريد الفنان أن يعبّر عنه، ومقبولا من قبل الجماهير، عدا عن أنه ضرورة إعتباره عنصراً مشجّعاً لبناء هيكلية المجتمع، كما كان يُعتقد. لكن في الحقيقة كان الفن مجرد سلعة تعكس رؤية الحاكم وأهوائه. لذلك افتتح هتلر بنفسه، عام 1937، "بيت الفن الألماني"، كما كان يُسمى حينذاك، ودعا إلى أن يكون الفن في خدمة ايديولوجية الحزب الاشتراكي القومي العمالي الألماني، كما يصرح الفنان كريستيان فيليب مولر الذي كُلف بتقديم المشورة لبيت الفن في كيفية معالجة موضوع الفنون والدول والسلطة، وعلاقته بالمتخيل الجماعي، ليصرّح إثر عمله على ما كان مطلوباً منه: "إنها مهمة صعبة للغاية".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها