آخر تحديث:12:36(بيروت)
السبت 04/09/2021
share

ميكيس تيودوراكيس الذي أحبّ أن يعيش في لبنان

محمود الزيباوي | السبت 04/09/2021
شارك المقال :
  • ميكيس تيودوراكيس الذي أحبّ أن يعيش في لبنان
    في لبنان، صيف 1973.
  •  على خشبة كازينو لبنان، صيف 1973.
    على خشبة كازينو لبنان، صيف 1973.
  •  في القاهرة، خريف 1970.
    في القاهرة، خريف 1970.
رحل ميكيس تيودوراكيس عن هذه الدنيا بعدما بلغ السادسة والتسعين، تاركاً إرثاً موسيقياً غزيراً يتميّز بتنوّعه المدهش. انطلق في عالم التأليف الموسيقي باكراً، وعرف الشهرة الواسعة في منتصف الستينات. بعدها، دخل السجن في زمن "حكم الكولونيلات"، ثم عاش منفياً في فرنسا، أربع سنوات، تحولّ خلالها رمزاً من رموز الفن الملتزم. جال خلال سنوات المنفى في أنحاء العالم، وحلّ في لبنان في 1973، وقال يومها: "إذا لم أستطع في يوم من الأيام العودة إلى أثينا فسآتي لأعيش في لبنان، فلبنان أخو اليونان، انه أكثر انفتاحاً وأكثر حرية".

وضع تيودوراكيس مؤلفاته الموسيقية الأولى في سنوات المراهقة، وبدأ اسمه يلمع محلياً في السنوات الأولى من الخمسينات. انتقل بعدها إلى باريس ليكمل دراسته، وحقق خلال بضع سنوات، نجاحاً كبيراً في عالم التأليف الموسيقي، لفت الأنظار إليه. كتب موسيقى فيلم "لقاء في ضوء القمر" في 1957، ثم وضع أغنية فيلم "شهر العسل" في 1959، وشكّل هذان الفيلمان بداية لانطلاقه في عالم الموسيقى السينمائية التصويرية العالمية. في تلك الحقبة، عاد الموسيقي الشاب إلى جذوره، ولحّن أربع أغنيات كتب كلماتها شقيقه يانيس، ثم لحّن مجموعة من أشعار يانيس ريتسوس تحت عنوان "ابيتافيوس"، وشكلت هذه الباقة ثورة ثقافية في اليونان، وما زالت شائعة وحية في الذاكرة الجماعية في زمننا. 

مع صعود اليمين في اليونان، دخل تيودوراكيس بقوة في معترك الحياة السياسية، وعُرف بنشاطه الثقافي اليساري. لحّن سلسلة كبيرة من المجموعات الغنائية اعتمدت نصوصاً لأكبر شعراء اليونان، وتُعرف هذه المجموعات تباعاً بـ"أغاني الجزُر"، "أغاني المدن"، "ابيفانيا" من شعر جورج سفيريس، "موثاوزن" من شعر اياكوڤوس كامبانيليس، و"روميوسيني" من شعر يانيس ريتسوس. وتُعتبر هذه المجموعات من الكلاسيكيات الغنائية اليونانية، والكثير منها معروف عالمياً. إلى جانب هذه المجموعات الغنائية، لحّن من شعر أوديسو اليتيس، مغناة دينية الطابع حملت عنوان "أكسيون استي"، أي "له المجد"، كما ألّف مقطوعات موسيقية مسرحية عرفت نجاحاً كبيراً، وأبدع في عالم الموسيقى التصويرية السينمائية، وتمثّل هذا الإبداع في سلسلة ضمت أربعة أفلام عُرضت في 1962، وهي: "عشاق توريال"، "فيدرا"، "السكين في الجرح"، و"الكترا". وما بات معروفاً، بلغ تيودوراكيس قمة الشهرة في هذا الميدان مع فيلم "زوربا" الذي عرض في 1964، وأضحى اسمه مرادفاً لاسم بطل الفيلم.

في ربيع 1967، رزحت اليونان تحت "حكم الكولونيلات"، ودخل تيودوراكيس في مواجهة مفتوحة مع هذا النظام العسكري، ودخل السجن، ثم وُضع تحت الإقامة الجبرية، وذلك قبل نفيه مع زوجته وولديه إلى قرية زاتونا النائية. استمرّت هذه المواجهة، وأدّت إلى اقتياد تيودوراكيس إلى معسكر اعتقال في بلدة أتيكا، في مقاطعة أتيكا الشرقية. ارتفعت الأصوات المنددة بهذا الاعتقال في مختلف أنحاء أوروبا، فعمدت السلطة العسكرية الحاكمة إلى نفي تيودوراكيس، فلجأ إلى فرنسا في مطلع السبعينات. وضع الموسيقي الملتزم، خلال هذه السنوات الصعبة، سلسلة غنائية أخرى سرعان ما دخلت الذاكرة الجماعية، وبرز سينمائياً من خلال فيلم "زد" الذي اعتمد مجموعة من ألحانه اختيرت من نتاجه السابق، بسبب وجوده في السجن عند انجاز هذا الفيلم في 1969.

وقفة في القاهرة
استقرّ تيودوراكيس في فرنسا، وانطلق منها في جولات متواصلة في سائر أنحاء العالم، وبات أيقونة الفن الملتزم. في تشرين الأول 1970، فوجئت الأوساط المصرية بوصوله إلى القاهرة إثر رحيل عبد الناصر، وكتبت مجلة "الكواكب" يومها: "جاء يعبّر عن مشاعره ويعزّي مصر في فقيدها العظيم. تيودوراكيس، الفنان والسياسي، لم يدفعه شيء سوى إيمانه بالمناضل الراحل، فهو يرى فيه تجسيداً للنضال من أجل تحرير الشعوب". في حديث أجرته معه ماري غضبان، قال الموسيقار: "أنا من أشد المعجبين بالرئيس ناصر، كان رجلاً يؤمن بشعبه أشد الإيمان، استطاع أن يجمع بين القوة والحكمة، وهذه مسألة نادرة". وأضاف: "لم أسعد مرة برؤيته شخصياً، وكنت أتمنّى ذلك. ناصر كان صوت شعبه". جاء تيودوراكيس حاملاً معه "تحية من شعب اليونان المكافح لهذا الزعيم القائد"، وألّف أنشودة لوداع ناصر في هذه المناسبة، ويشهد هذا العمل على اهتمامه بالعالم العربي الذي ظهر بصورة ساطعة في السنوات التالية. 

بقي تيودوراكيس في المنفى أربع سنوات، ألّف خلالها مجموعة أخرى من أعماله الكبيرة، أهمها سلسلة 18 أغنية من "الوطن المرير" من شعر ريتسوس، ومغناة "النشيد العام" من نظم بابلو نيرودا. كذلك، وضع موسيقى سلسلة أخرى من الأفلام، أشهرها "حالة حصار" و"سيربيكو". في تلك الحقبة، استعاد تيودوراكيس يومياته في السجن، ونشرها تحت عنوان "صوت الحرية"، ونقل "ملحق الأنوار" بعضاً من هذه اليوميات إلى العربية في كانون الثاني 1973، وكتب في تعريفه: "ميكيس تيودوراكيس، الموسيقار المشهور، البالغ السبعة والأربعين من عمره يُعتبر كنزاً قومياً في اليونان، وأحد أعظم المشهورين اليونانيين في العالم قاطبة، ليس فقط بسبب موسيقاه في فيلمي "زوربا" و"زد"، بل أيضاً كصوت مقاومة ضارية ضد حكم الكولونيلات. حارب ضد النازية زمن الحرب في منظمات سرّية، وحارب إلى جانب الشيوعيين إبان الحرب الأهلية. سُجن وعُذِّب. في العام 1963، ساعد في انشاء حركة الشبيبة اليسارية "لامباركيس"، والاسم نسبةً لأحد النواب كان قتله مصدراً لقصة فيلم "زد". كان نائباً يسارياً في البرلمان منذ العام 1964 وحتى الانقلاب العسكري. أعماله الموسيقية يمنعها نظام الحكم القائم في اليونان. ويظلّ تيودوراكيس صوت الحرية، وصانع موسيقى الثورة".

الجولة اللبنانية
بعد أقل من شهرين، وصل تيودوراكيس إلى بيروت، و"عرفه الجمهور اللبناني خطيباً وسياسياً، بالإضافة إلى ما قدّمه من موسيقى وغناء، وكانت هذه الزيارة كافية ليعود ويجد عدداً كبيراً من المتحمّسين لفنه الذي يضمّنه قضية الحرية والظلم تحت كل سماء، منطلقاً من أرضه التي شهدت قديماً وجود الأغارقة الذين مدّنوا العالم بالفن والفكر والعطاء"، كما كتب جان شاهين في مجلة "الشبكة". جاء تيوداراكيس في آذار، وعاد في حزيران، بدعوة من طوروس سيرانوسيان، وقدّم مع فرقته أربع أمسيات، اثنتان في مسرح كازينو لبنان، واثنتان في قلعة جبيل. استهلّ الموسيقار المنفي جولته اللبنانية بمؤتمر صحافي عقده في فندق "المارتينيز" في بيروت، وقال متوجّهاً إلى اللبنانيين: "بلادكم رائعة، وإذا لم أستطع في يوم من الأيام العودة إلى أثينا، فسآتي لأعيش في لبنان، فلبنان أخو اليونان. إنه أكثر انفتاحاً وأكثر حرية". وأضاف: "العرب يغنون كثيراً، وهذا رائع. الغناء يطهّر النفس، ويفتحها على العالم".

عاد تيودوراكيس إلى موطنه في صيف 1974، وأمضى فيه ست سنوات، ثم انتقل من جديد إلى فرنسا في 1980 ليواصل مشروعه الموسيقي السيمفوني الذي انشغل به في الخمسينات، وحطّ في بيروت من جديد في آذار 1982 بدعوة مشتركة من وزارة السياحة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأحيا حفلة في قصر البيكاديلي، وأطلق نشيداً خاصاً بمنظمة التحرير. بقي تيودوراكيس مناصراً للقضية الفلسطينية، وعُرف بتصريحاته المعادية للصهيونية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والغريب أن وسائل الإعلام العربية لا تذكر شيئا عن هذا السجال الإعلامي الذي بلغ الذروة في 2012. 

واصل الفنان مسيرته بعدما بلغ الخامسة والثمانين، وأضاف إلى سجله مؤلفات موسيقية تشهد لقدرته الدائمة في الخلق والابداع في خريف عمره الطويل، ورحل مكللاً بالمجد يوم الخميس. وقالت وزيرة الثقافة لينا مندوري في رثائه: "اليوم فقدنا جزءاً من روح اليونان. ميكيس تيودوراكيس، ميكي المعلم والمثقف والمقاوم، رحل. هو الذي جعل كلّ اليونانيين يغنّون الشعراء".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها