آخر تحديث:13:40(بيروت)
الخميس 30/09/2021
share

جوزيف ابراهيم سعيد...لملمة الرواية التشادية الأولى من تحت النجوم

محمد جدّي حسن | الخميس 30/09/2021
شارك المقال :
جوزيف ابراهيم سعيد...لملمة الرواية التشادية الأولى من تحت النجوم في بلد متعدد الأعراق والديانات، حاول "ابن تشاد" رأب الصدع
قبل ثلاثِ سنوات حضرتُ اجتماعاً برفقة عشرات من المهتمين بالأدب، من أجل تأسيس نادٍ للقراءة. داخل مطعم صغير، شربنا الشاي، واتفقنا سريعاً على عقد جلستين في الشهر نناقش خلالهما كتاباً نقرأه بعد نختاره بالتصويت. في نهاية تلك الجلسة أطلقنا عليه "نادي جوزيف إبراهيم سعيد"، فهو أول اسم طرأ في البال واتفق الجميع عليه بلا نقاش.

قبل ذلك ببضعة أعوام، كنتُ طالباً في الثانوية حين سمعت اسمه للمرة الأولى. حكى لي صديق فرانكفوني قصة، ثم قال لي إنه قرأها في كتاب جوزيف ابراهيم، الذي يعدّ من ضمن مقررات الثانوية. كنتُ أدرس بالعربية في مناهج تأتينا من ليبيا والسودان والسعودية، ولم نكن نقرأ رواياتٍ إفريقية، لذا كانت دهشتي كبيرة، لدرجة أنني اشتريت الكتاب ووضعته مع الكراريس رغم عدم قدرتي آنذاك على القراءة بالفرنسية.

جوزيف ابراهيم سعيد، هو أوّل مَن كتب الرواية في جمهورية تشاد، كما أنه أوّل تشادي حصل على الشهادة الثانوية. ولد جوزيف في بلد متعدد الأعراق والديانات، لأب مسلم وأمّ مسيحية، في العام 1927 في أنجمينا. حدث مع جوزيف سعيد، كما حدث مع مصطفي سعيد، أظهر ذكاءً عالياً أثناء الدراسة وأنهى الابتدائيه باختصار، فأُرسلَ إلى برازاڤيل من أجل المدرسة الوسطى، ضرب أوتاده هناك ثم قلعها ليضربها في جبل آخر يسمى فرنسا، حيث امتُحن للشهادة الثانوية في العام 1950. 


هي عادة إفريقية، أن يجتمع الأقارب والأهل والأصدقاء داخل كوخ أو عند جذع شجرة، بينما النجوم تلمع في السماء، ويبدأ الحديث عن قصص الآباء والأساطير القديمة. عادة استمرت حتى عُرفت عائلات بالحكّائين، وصار "الحكّاء" لقباً نبيلاً وخاصاً بعائلات معينة تحفظ كل الحكايا والقصص. جوزيف استقى من الأساطير والحكايات التي سمعها، وأضاف عليها قصصاً خيالية عن السلام والعدل والمساواة وجمعها في روايته Au Tchad Sous Les Etoiles.

لا شكّ أن جوزيف بدأ يكتب حكاياته منذ بداية الخمسينات، فبعض القصص يتحدث عن العبودية، والاستعمار الفرنسي، وبعضها عن استخدام الفرنسيين للنعرات القبلية لخلق تصدعات بين المواطنين كي يمكنهم السيطرة. لا شكّ أنه كان رجلاً طموحاً. شاب من إفريقيا يدرس في فرنسا، لكنه يحلم ببلاد مستقلة يحكمها أهلها من دون تدخل المستعمِر. كان واعياً بأن المستعمِر سيحوّل الكراهية الموجهة إليه نحو الداخل، ليكون حقداً متبادلاً بين من يُنتظر منهم تأسيس وطن. 

وفي حين كان الجميع مبتهجاً بحفلة الاستقلال، ومندهشاً بالألعاب النارية، ومنتشياً بفرحة مغادرة "النصارى"، كان جوزيف يرتب أوراقه ليخبرهم بأن خطراً كبيراً يداهمهم. ومَن غيره يمكنه أن يعرف أنّ جحيماً ينتظر هؤلاء المنتشين في ظل الاستقلال، الناسين بأن المستعمر قد أسقط شرارات عديدة فوق سقف القش. خمس عشرة حكاية تتحدث عن السلام والعدالة والاستعمار. وتتحدث الرواية عن القصص والأساطير التشادية، وتركز على أساطير القبائل المختلفة، لكنها تتناول أيضاً مواضيع تمس محاربة الفساد والعدالة.

حتمية التعايش السلمي 
كان يا ما كان في قديم الزمان، قبيلة تسمى "كتوكو" تعرضت أرضها لحوادث طبيعية فلم تعد صالحة للعيش، وهاجرت القبيلة إلى الشمال حيث تسكن قبيلة العمالقة المعروفة باسم الساوو. كانت قبيلة العمالقة في حالة انقراض، فاستقبلت الكتوكو وعاشوا معاً في سلامٍ لسنوات حتى تزوج أميرهم بفتاة من الكتوكو الذين بفضلهم واصل العمالقة العيش والتكاثر رغم أن ثمن مواصلة جيناتهم هو تقلّص أحجامهم، حتى صاروا في حجم الرجل العادي بعد ثلاثة أجيال. ومن خلال هذه القصة الرمزية، يُسقط الكاتب حتمية التعايش السلمي لبناء الوطن ومواصلة العيش، ويقتضي ذلك التنازل عن الفوارق وتقبّل الواقع كما هو، من أجل بناء وطن يتسع للجميع.

في بلد متعدد الأعراق والديانات، يحاول الكاتب أن يرأب الصدع ويعالج الجرح عبر قصص تتحدث عن أناس سعوا إلى التعايش السلمي رغم اختلافاتهم، وكانت البلاد على شفا حرب أهلية، والنسيج الاجتماعي يتمزق يوماً بعد يوم، الشمال يبتعد والجنوب يتقوقع على نفسه والنعرات الدينية تتفاقم. وفي تلك الأجواء المشحونة، يقول الكاتب عبر حكاياته أن الشعب التشادي يرحب بالغرباء ويتعايش مع الآخر. فالكاتب ولد لأبٍ مسلم وأمّ مسيحية، واختار أن يكون كاثوليكياً بينما اختار ابنه الإسلام، وعاشوا في وئام، لكنه يشاهد بلاده تتجه نحو نفق مظلم، فألّف القصص علّها تطفئ فتيلاً بدأ يشتعل.

وضع جوزيف كتابه في لغة بسيطة، لغة عادية يمكن أن يقرأها طلاب الثانوية من دون أي صعوبة، ووزع الكتاب بحسب اختلاف القصص. لذا اعتبر البعض بأن عمله يندرج تحت بند مجموعة قصصية، بينما ذهبت غالبية النقاد إلى جعلها رواية، بسبب الرابط الذي وضعه الكاتب بين القصص.

درس ابراهيم سعيد، القانون، وعمل قاضياً ثم مدعياً للجمهورية، قبل أن يصير دبلوماسياً وسفيراً في باريس، ثمّ وزيراً للعدل في تشاد من 1966 إلى 1975. وفي العام 1967 عاد للكتابة وكتب سيرته الذاتية بعنوان "ابن تشاد".

كل محاولاته لتجنب وقوع حرب أهلية في بلاده باءتْ بالفشل، لأنه لم يكن هناك مَن يقرأ، ومن يقرأون ما كانوا يستطيعون إحداث فارق. ورغم أن روايته من أوّلها إلى آخرها تحث على  الحوار والمساواة وتقبّل الآخر، لم تتمكن من منع عودة الشياطين القديمة. بعد سنة من نشر الكتاب، تعرضت تظاهرة سلمية في العاصمة إلى قمع كبير، ومات العشرات، وسال دمٌ لم يتوقف حتى اليوم. وفي العام 1979 اشتعلت الحرب الأهلية.

مات جوزيف سعيد في 4 آذار/مارس1980 في العاصمة أنجمينا. وطوال حياته وعبر كتاباته، نادى بدولة موحدة وبنبذ التعصب القبلي والجهوي. وحتى اليوم، بعد مضيّ نصف قرن على كتاب جوزيف، فإن صوته ما زال واضحاً ومؤثراً ونحتاج للاستماع إليه، كما أنه شقّ لنا طريقاً كان وعراً، وأدخل بلاده في جمهورية الأدب. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها