آخر تحديث:12:18(بيروت)
الأربعاء 29/09/2021
share

شاكر الأنباري... هادي العلوي الصوفي والمثقف الكوني

المدن - ثقافة | الأربعاء 29/09/2021
شارك المقال :
شاكر الأنباري... هادي العلوي الصوفي والمثقف الكوني "باطنية التصوف تجربة فردية فقط"
مات هادي العلوي في 27 أيلول 1998 أي قبل 23 سنة، وقد تجرد في أواخر حياته من الزي الغربي وراح يلبس أثناء خروجه من البيت الزي العراقي المكون من دشداشة، وسترة، وحذاء، وجاء تحوله ذاك رفضاً للتغريب حيث ربطه بالهيمنة والسطوة الاستعمارية وإلغاء الهوية الحضارية، خاصة في الملابس، وعانى هادي العلوي من ربو مزمن أودى بحياته، وظلت زوجته أم حسن ملازمة له حتى لحظاته الأخيرة. زرته في بيته أكثر من مرة، وعادة ما كان يتواجد في مكتب مؤسسة المدى في ركن الدين لمتابعة إصدارات كتبه، وكنت شاركت في جنازته إذ تم دفنه في مقبرة السيدة زينب، مودعا من قبل العراقيين والسوريين، ولذكراه السنوية أنشر هنا مقطعا قصيرا من حوار طويل نشر ذات يوم في مجلة نزوى العمانية وجريدة "السفير" اللبنانية.

هادي العلوي باحث ومفكر وسياسي بطريقته الخاصة، عاصر تحولات مجتمعاتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية فكان مشاركا نشطا في النقد والتنظير والحوار، يستخدم في تحليلاته واستنتاجاته مناهج عديدة يحاول أغلب الأحيان التوفيق بينها أو دمجها، ماركسية وماوية وصوفية ومشاعية وتاوية، وهو من كل ذلك يروم الوصول الى مقام المثقف الكوني، جوهرا لفلسفات الانسانية والاديان، المدافع عن المظلومين والفقراء والمضطهدين في عصر بدأ ينأى فعلا الى الكونية لكن دون وعيها الانساني، كونية تكنولوجية، عقلانية، من دون قلب أحيانا، لا توجهها فلسفة كما يقول هادي العلوي في هذا الحوار. وتلك أخطر ما يواجه الجنس البشري في هذه اللحظة من تاريخه، لأنه صار يمتلك القدرة على تدمير الحياة تماما في كوكب الأرض.

ومصطلح المثقف الكوني ولد من رحم الصوفية، والصوفية الاسلامية تحديدا، لذلك كان حوارنا ضمن هذا الجو، الصوفية منهجا وممارسة، ماضياً وحاضراً، باعتبارها جانباً من الجوانب المضيئة في ثقافتنا العربية الاسلامية.

تعتبر الصوفية، بمختلف اتجاهاتها، واحدة من ركائز التراث العربي الاسلامي، برأيك ما الذي جعل لها هذه الخصوصية، ألأنها امتلكت رؤية متميزة حول الانسان والوجود؟ ألأنها خلقت لغتها الخاصة ومفاهيمها وطقوسها؟ هل تعتبر نقلة معرفية للإنسان المسلم؟

- لهذه الأسباب جميعها، امتلاك رؤية متميزة حول الانسان والوجود. لغتها الخاصة ومفاهيمها دون طقوسها فالتصرف لا طقوس له. دائما كانت الطقوس عند انتكاس التصوف إلى دروشة، ولكونها أخيرا نقلة معرفية للإنسان المسلم وقد تناولت كل ذلك، تفصيلا، في كتابي الجديد مدارات صوفية. أما أن الصوفية خلقت لغتها الخاصة فهذا أمر لا يشك به، فلغة التصوف تميزت بالرمزية الشديدة، أعطت المفردات معاني ودلالات توليدية بقرائن بعيدة عن أصولها القاموسية ضمن اتجاه المتصوفة لاختراق المسلمات في العقائد والأفكار واللغة، وقد يكون لدينا معجم صوفي بعيد كل البعد عن المعجم العادي للمفردات لا يفهم إلا من خلال التمرس في كلامهم لفهم مراميه وأبعاده، واضطر كتاب التصوف منذ وقت مبكر إلى تأليف قواميس صغيرة أو كبيرة لشرح مصطلحاتهم وأهمل المتصوفة الكثير من أصول اللغويين المقننة بما فيها بعض حالات الاعراب واقتربوا أكثر من اللغة المحكية من غير أن يخرجوا على البنية العامة للغة الكتابة التي لا يمكن تجاوزها لإنتاج نص معرفي مضبوط. وهم أول من اتجه لاستعمال اللغة الوسطى التي تجمع بين المحكي والمكتوب فتتخلص من تقعر اللغويين وتفاصحهم ومن غير أن تسقط في العامية الصرفة التي لا تفي بطلب النص المعرفي. ويرتبط ذلك باقترابهم من العامة. إن الكثير من النصوص الصوفية لرمزيتها، السائبة أحيانا، تدخل فيما يذاق ولا يفسر، كما قال ابن عربي: علوم أهل الأذواق لا تنقال ولا تنحكي.

عندما نقول صوفية اسلامية يتبادر إلى الذهن فورا الحكمة الهندية والزرادشتية والمانوية وغيرها من الفلسفات ذات العلاقة بالزهد والاشراق وصراع النور والظلمة، والمحبة المسيحية والغنوصية، هل لكل ذلك وشائج وتداخلات مع الصوفية الاسلامية؟

- لا علاقة للصوفية الاسلامية بالحكمة الهندية ولا بالزرادشتية ولا بالمانوية، إلا أن لها وشيجة بالمحبة المسيحية، مسيحية الأناجيل، ولها أفق عالمي موافق المسيح نفسه كما نقرأه في الأناجيل لا في الكنيسة والأناجيل لا تحسب على الدين إلا بصعوبة وهكذا التصوف والمحبة الصوفية هي إلغاء الفروق بين الأديان والمذاهب واعتبارها صحيحة كلها أو أنها كلها تنشد الحق. وهذا هو حب ابن عربي (أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني). والحب مصطلح صوفي يراد به غايتان: التسامح بين الأديان والحب الالهي والأخير شأن آخر يدخل في الاهتيامية الصوفية ومقصود ابن عربي في هذا البيت هو المعنى الأول: التسامح بين الأديان. أما الحب الالهي فقد سلكه من خلال حبيبته الكونية نظام وله قصة أوردناها في المدارات. أقرب المذاهب الى الصوفية الاسلامية هي التاوية الصينية _ التاوية الفلسفية دون التاوية الدين وبينهما جذر المشاعية والكفاح ضد سلطة الدولة وسلطة المال قاسم مشترك للمتصوف والتاوي. الحكمة الهندية والزرادشتية والمانوية هي منحى غنوصي ضعيف التأثير على التصوف بمناحيه الثلاثة: المعرفي والاجتماعي والاهتيامي، والمقارنة تتم فقط مع التاوية الفلسفية.

كثيراً ما توصف الصوفية الاسلامية بأنها فلسفة باطنية، برأي هادي العلوي هل مرد ذلك يعود إلى التقية من العرف الديني السائد، أم لأنها تجربة فردية بحتة؟

- باطنية التصوف تجربة فردية فقط. الأولى هي اندماج المتصوف بروح الكون الذي يسميه الحق. (وهو التاو عند الصينيين) ومن عناصرها الاشراق والفناء والتجلي والرؤية والرؤيا. المتصوف روح خالصة تستنبط الوجود بتجلياته ومطلقيته. والمتصوف من أهل الباطن وباطنيته في هذا المنحى ليست باطنية الاسماعيلية التي تشترك معه في التأويل الباطن للأصول الدينية ولا تشاركه الاشراق أو الفناء أو الرؤيا الاسماعيلية التي تشترك معه في التأويل الباطن للاصول الدينية ولا تشاركه الاشراق أو الفناء أو الرؤيا، فالاسماعيلية حركة سيا _ اجتماعية

(*) مدونة نشرها الروائي العراقي شاكر الأنباري في صفحته الفايسبوكية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها