آخر تحديث:12:09(بيروت)
الأربعاء 29/09/2021
share

السؤال المفتوح عن الأخلاق والرواية

أدهم حنا | الأربعاء 29/09/2021
شارك المقال :
السؤال المفتوح عن الأخلاق والرواية دون كيشوت
يبدو مثل سؤال مفتوح؛ أن نعرف ما القيمة الأخلاقية التي تضفيها قراءة الرواية عند الإنسان الفرد؛ سؤال مفتوح ينطوي على آلية فلسفية، لا يمكن إتمام الإجابة عنه، لكن هناك متعة ما في تتبع الأجوبة التي استخدمها الكثيرون في أثناء اشتغالهم على هذا السؤال.

في البداية، اقترنت القراءات الفردية بالتحرر من الدين، أو من رقبة مؤسسة أبوية تستحوذ على المكتوب، لا بل تجعله آلية عقاب. الفيلسوف ميشال فوكو في مراجعته كتاب تاريخ العقاب والجنون اهتم بفكرة إجبار المرضى النفسيين والمجرمين على قراءة النصوص الدينية، أو إجبارهم على الاستماع لها، دون أن يشير إلى أن هذا قد أفلح في تغيير العقليَّة الفرديَّة بطريقة خاصة. العظة والقصة والحكمة، لم تكن ذات تأثير معياري في الخارجين على القانون، أو الذي يعانون من أمراضٍ نفسيَّة.

انتقل المكتوب الروائي إلى صالونات الطبقة الملكية؛ على صورة هدايا مكتوبة للملوك، ومثال ذلك: سرفانتس، وبترارك من قبله كشاعر بلاط، وصولاً إلى غوته. وباندماج الأدب في طبقة برجوازية وربما احتكارها له؛ استطاعت تمثُّل قيم الجمال والثقافة قبل السياسة؛ وفق تعبير إيريك ويليك في كتابه "نظرية الأدب".

عصر النقاد
حمل القرن التاسع عشر معنى آخر عبر انتقال الرواية والشعر بحد ذاتهما إلى رؤية الواقع أو محاولة الانزياح، عما يبدو جذاباً لطبقة واحدة دون غيرها، ثم صار الأدب عمومياً وتخصص الأدب الروائي بما فيه؛ فانتشرت في إثر ذلك الآليات والصفات الروائية، وباتت النظريات الأدبية المعرفية، أقل استخفافاً بالأشكال البنائية الخاصة التي تتطور في كل بلدٍ على حدة. وبزغ عصر النقاد الأكثر احترافاً في صنع المعرفة الروائية، بدلاً من الحالة النقدية التي ارتبطت بالأخلاق مثلاً، أو حتى بطرق الكتابة والسرد، والأهم من ذلك؛ الموضوع الأدبي المكتوب.

في كل هذا وذاك، وبعد مضي ما يقارب القرنين على نشوء الرواية، وانتقالها الثوري من رصد السلوك الاجتماعي والسياسي عبر الأساليب الواقعية والرومانسية وبإسقاط شخصية الروائي على الموضوع؛ أو ما يعرف بالذاتية، إلى أبواب المخيلة والحرية في استهداف أي موضوع ضمن السياق الإنساني أو الاجتماعي. السؤال الذي يبدو أكثر إشكالية هو: ما الذي تضيفه الرواية إلى أخلاق الفرد ذاته؛ أي: في تاريخية المكتوب ذاته لاستفادة الفرد منه؟ والسؤال الموجه السابق، دائماً ما يدور حول روايات إشكالية عن ماركيز دو ساد مثلاً، أو جان جينه في حدائق الجنازة، والمقاربة مع دوستويفسكي أو تولستوي، أو الروايات الفرنسية والإنكليزية في القرن التاسع عشر؛ وذلك لارتباطها بموجة الحداثة ونشوء الدولة وتطور أوروبا والعالم في فترة كتابتها وانتشارها. 



ماكس فيبر

أما القرن الفائت والحالي فيبدو السؤال عنهما أقل ارتباطاً بالقيمة، ولاسيّما في عالم أوروبي اشتغل اجتماعياً على الرواية بوصفها معياراً للسلوك وفهمه؛ ماكس فيبر مثلاً: جعل الرواية مرصداً اجتماعياً، يدرس ظواهر يهتم بها الأدب لا بوصفها اختباراً اجتماعياً فقط، بل من وجهة نظر أدبية؛ مثل: سلوك محدثي النعمة، أو الحسد، أو الغيرة، أو الانتماء للوطن، أو الهوس الجنسي. لقد وجد علم الاجتماع والنفس كثيراً مما يصعب فهمه في الأدب. فرويد في عرض مسرحي لأوديب ملكاً لكاتبها سفوكليس؛ وجد عقدة الأم والخصاء، وماكس فيبر درس أثر الحرب على العلاقات الاجتماعية من روايات قرأها واعتبرها نماذج إنسانية وسلوكية.

في الاستفادة الأخلاقية مما يرتبط الرواية يجب دراسة عامل مهم: المتلقي. فقبل البحث عن طبيعة الرواية والروائي ذاته انطولوجياً، يجب معرفة المتلقي أيضاً، وضرورة حاجته للكتاب ليكون مصدراً من مصادر الأنا الأعلى الأخلاقي لديه؛ فسارتر مثلاً: دافع عن الروائي جان جينه حينما منعه البريطانيون من دخول أراضيهم بسبب مثليته الجنسية وكتابته عنها؛ إذ تخوفت السلطة وطبقتها الثقافية وفعلت المنع السلبي لما يبدو فيه الروائي حراً؛ وذلك خوفاً على المتلقي مما قد يقرأه والذي يندرج تحت مسمى الفواحش. وقد اتخذت أوروبا وأميركا سبلاً مختلفة في التوجه إلى المتلقي؛ إذ إنَّ المنشور والمعروض روائياً وسينمائياً يحمل طابعاً حراً دون أي قيد، أما عمّا يتبادر إلى تفكير العرب بكونه يتعدّى على القيم الأخلاقية... لم يعد موجوداً في عوالم أخرى؛ ليس من منطلق الانحطاط الأخلاقي بل من فهم آخر لمواضع الأخلاق وقيمتها والمرونة الهائلة في فهمها وتداولها.

أفلاك شديدة الضيق
يشرح لِسنِغ في كتابه «تربية الجنس البشري»(ترجمة حسن حنفي) قيمة القراءة، وانتشار ثقافة الكتاب وجعلها أساساً في حركة الحداثة، والأهم من ذلك؛ هو الوعي بالذات من خلال تجارب الآخرين المكتوبة. في مجالات القراءة العربية، تدور الرواية العربية في أفلاك شديدة الضيق، فمازالت في علاقتها مع القارئ العربي أقل تأثيراً من الرواية المترجمة. فلا يمكن فهم الرواية العربية بوصفها قريبة لتاريخنا الذي عشناه حتى؛ لأنَّ الطبيعة النفسية أو الاجتماعية للمكتوب تبقى في حدود الجذب التقليدية. قبل الحديث عن الرواية لا بدّ من الحديث عن المكتوب وعلاقته بالمتلقي عموماً؛ فلا شرط منطقي مُسبق الوضع للاستفادة من الرواية أخلاقياً؛ وفي حين أنَّ الكتاب العلمي لا يحقق جدواه العلمية أو الاجتماعية أو الثقافية المرجوة، فهل سيكون للرواية جدوى ما؟



مكتبات سورية
في سورية مثلاً؛ تبدو جميع المكتبات الجامعية فارغة من الطلاب، وحلقات البحث الاجتماعية تُباع جاهزة أمام الجامعات في الأكشاك الجامعيّة، دون أن يتعب الطالب في البحث عما يريد شرحه أو تأكيده.

إنَّ العيش في الأنظمة الاستبداديَّة حوَّل القراءة إلى صورة من صور الهواية الثانوية، أكثر من كونها ذات أثر في الوعي، أو ذات ضرورة تاريخيَّة واجتماعيَّة ونفسيَّة. يشير ديفيد هيوم إلى التعود أو الاعتياد بكونه جزءاً من الإدراك الحسي الأكثر قسوة، في الانسلاخ عن الفهم وآلية العقل الأسمى.

في سورية لا يمكن الاستشفاء بالكتابة والقراءة؛ ولاسيّما مع هجرة الروائيين السوريين، ومنع كتبهم من الانتشار، أو منع دعمها لتكون مقروءة بشكل واسع، فضلاً عن ارتباط الرواية بالمتعة، الأمر الذي جعلها جزءاً من بنية استهلاكية أقل تفاعلية مع الخارج، أو مع التأثيرات المحتملة. فإن كانت الرواية مبعثاً للتفكير لرصدها وقائع اجتماعية للفرد في منتصف القرن العشرين، فإن أشكال الرواية التي تطورت في العالم حتى الوقت الحاضر؛ تجاوزت أيّ رغبة أو غاية مرتبطة بالمتعة أو الحاجة لدى الفرد الغربي، كما انعكس صدى هذا عربياً. دان بروان خير دليل على هذا، إلى جانب الرومانسية الصوفية التي حققتها الروائية التركية إليف شفاق. الأكثر قراءة غربياً هو الأكثر قراءة عربياً، مع فارق وحيد؛ كثرة الأنواع المتاحة غربياً بالمقارنة مع الأدب العربي وتنويعاته.

ذاتها فكرة الأخلاق إشكالية وشديدة النسبية، لكن السؤال البديهي الذي يمكن طرحه يدور حول مدى الاستفادة، فحتى أعلام المتعة؛ مثل: بنتام ومِل يتحققان من الأخلاق بناءً على مدى فائدتها ونتائجها؛ وعلى ذلك يكون تحقيق المتعة أمراً أخلاقياً.

تبدو قراءة الكتب في سورية والرواية تحديداً أقرب إلى المتعة الخاصة الذاتية، أكثر من كونها تجربة ذات استفادة أخلاقية؛ وعلى ذلك يكون جزءً كبير من القراءة مرتبط بالمتعة الخاصة للفرد، الذي قد يعترض عليه الوجودي: جبرائيل مارسيل؛ لأنها تُغرق الفرد بالمتعة الذاتية الخاصة، أكثر من كونها تخلق تشاركاً ذاتياً واجتماعياً وتفاعلياً مع الآخرين، فقراءة إليف شفاق مثلاً تبدو درساً في الطبيعة العاطفية للحب، ودان بروان يعدُّ تجربة في متعة حل الألغاز، وقد تصادف آلاف السوريين ممن قرؤوا  بعض الروايات لكنهم لا ينتبهون للمعنى المنفصل بين حيواتهم وقراءاتهم . لا شك في أن قراءة الرواية تمنح بُعداً تأملياً وانعكاسياً للفرد؛ عبر تخيل حيوات الآخرين وقصصهم، وتجارب الحياة اليومية المكتوبة في الرواية، خاصة أن نمطاً من الروايات يبدو اجتماعياً وبالأصل يمنح القارئ بُعده الإرادي في اختيار نهاية مختلفة مثلاً، أو وضعه في أزمة الشخصيات وأزمنتهم وقدرتهم على الأحكام، لكن بالنسبة إلى أفراد مقيدين اجتماعياً وسياسياً لا يستطيعون سوى تعبئة الوقت برواية ما، يذكرهم ويجعلهم يدركون شيئاً فشيئاً أنهم ممسوحون إرادياً حتى على مستوى شخصياتهم؛ وعلى ذلك تبدو أخلاقية القراءة من عدمها متساوية، مازالت ذاتية الفرد هي وحدته ونجاته.

مقال يأتي جواباً على سؤال "المدن": هل تجعلك قراءة الأدب أكثر أخلاقية؟ وهو الثاني بعد مقال جان هاشم "الأدب والأخلاق.. من أبي نواس إلى مدام بوفاري".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها