آخر تحديث:11:30(بيروت)
الثلاثاء 28/09/2021
share

الحاج وفيق ورولان بارت... من التفكيك إلى القلع!

فوزي ذبيان | الثلاثاء 28/09/2021
شارك المقال :
الحاج وفيق ورولان بارت... من التفكيك إلى القلع! لا مواقع ثابتة ونهائية في عُرف الحاج وفيق مع إرادته كلّية القدرة
إذا كان رولان بارت في رسالته عن "التفكيك" قد بشّرنا بموت المؤلف، بموت منَ يبشّرنا الحاج وفيق صفا في رسالته عن "القلع"؟(استعمل صفا فعل اقبعك بالمعنى العامي والمعجمي لفعل اقلعك، لذا قراءة الموقف على ضوء فعل قلع اذا فائدة للتوضيح من فعل قبع)
من النافل أن الضيق والإحراج لم يستبدّا بالحاج وفيق صفا بعد شيوع خبر تهديده المحقق العدلي في انفجار 4 آب، القاضي طارق البيطار. فالرجل ينتمي إلى منظومة لا يربطها أي عقد قَولي مع غيرها من المنظومات في هذا البلد الشقي المدعو لبنان. والحاج وفيق، بشكل خاص، وعطفاً على كونه أحد أوتاد هذه المنظومة المغايرة، أسّس لنفسه سردية في القول والفعل ليس لها أن تنسجم مع السائد في الحياة السياسية العامة في لبنان، والتي ترفل بأثواب الهلهلة والأنفاس المتقطعة لدى كل الأفرقاء ما خلا "حزب الله". 

بالتالي، أن ينسجم الحاج وفيق مع هذا العام السائد، فهذا يشكّل بالعنوان العريض نقطة ضعف ليس لها إلا أن تلعب دوراً سلبياً في "وجاهة" هذا الشخص ككائن متعالٍ بالنسبة إلى الآخرين من ذوي الهشاشة والغباء والإنتهازية الحمقاء أو ربما السافلة. إن الأمر في بعض وجوهه أشبه ما يكون بعلاقة "أبطال" الأساطير بالبشر من أهل اليومي والمؤقت والزائل.

كلا، إن الحاج رجل حرب، وللحرب نَحوُها وبلاغتها وقَولها الذي يجافي كل ضروب النحو العادية، أي تلك التي تعكس اليوميات المتراخية للبشر العاديين. إن الوتر بالنسبة إلى رجل الحرب، يجب أن يبقى مشدوداً، فارتخاء الوتر هو بمثابة الضوء الأحمر الذي يشي بالضعف والهوان وهو ما لا يجوز في حالة الحاج وفيق، لا من قريب ولا من بعيد. فجلّ نجاح الحاج في رحلة "تعاليه"، جاء عبر الطَّرق عميقاً في مخالفة السائد من أحوال البشر وأهوالهم، حتى ليظن المرء العادي أن للحاج القدرة على التواجد في أكثر من مكان في آن واحد، فهو بمثابة "البطل بألف وجه" إذا أردنا أن نستعير عنوان الكتاب الشهير.

وما ينطبق على الكيان المعنوي للحاج، ينطبق بالمثل على قوله. إن اللغة في بعض مراميها هي مرآة مُشوِّهة للنوايا البشرية، والحاج وفيق في رسالته للقاضي المذكور، لا يبغي تشويه نواياه. قال للرجل "نقلعك" بالحرف الواحد، لأنه لا يريد أن يجافي المعنى المباشر للمُفردة.

جاء في "لسان العرب" لابن منظور: القلعُ، انتزاع الشيء من أصله، ومن اشتقاقاته القُلعة أي التحوّل والارتحال، وهو ما يستجيب مع إرادة الحاج، فإذا به صنو فعلي، وليس فقط لسانيّاً، لقول سيبويه: قلعتُ الشيء، حوّلته من مكانه أو موضعه.
 
لا مواقع ثابتة ونهائية في عُرف الحاج وفيق مع إرادته كلّية القدرة. إن المواقع والدساتير والقوانين والأعراف والأنظمة والحدود، هي مجرد علامات ارتكاز مؤقتة في المشروع الأسطوري للحاج "البطل"، ومَن خلفه مِن سادة محليين وإقليميين وما بينهم. 

في نص شهير له، حول الأسطورة، يقول رولان بارت: "الأسطورة لا تخفي شيئاً ولا تظهر شيئاً، هي تشوّه. الأسطورة ليست كذبة ولا اعترافاً، بل هي انعطاف". وهل ثمة انعطاف أكثر من أن يهدد الحاج قاضياً لبنانياً بالقلع، بصرف النظر عن الأسباب التي أدّت بالحاج لإطلاق هذا القول/التهديد؟! فالقول بـ"القلع" ينسخ كل الأسباب الأخرى، ولا يثبّتْ في الأذهان والخواطر سوى صورة البطل الأسطوري الذي لا يُقهر.
 
إن التاريخ الأسطوري للحاج وفيق، ينسجم تماماً مع قوله بـ"القلع" إذ، ودائماً حسب بارت، لا يمكن للأسطوري أن يستجيب للجدلي في التاريخ. فالأسطوري هو واقعة غير سياسية على الإطلاق، يقول بارت، وبالتالي أن يستجيب الحاج الأسطوري للسياسة في حدها الأدنى، فهذا من باب الصدفة. فالسياسة في بنيانها الأوّلي تعني التداول والمساومة والأخذ والعطاء، ثم أخذ المصلحة العامة لعموم الوطن بعين الإعتبار. فأين الحاج من هذه "التفاهات الوضعية" والتي لا تليق سوى بالضعفاء؟!

إن الأسطورة تعلّق الحدث، وبالتالي هي تعلق كل الممكنات اللغوية لهذا الحدث في تداوله اليومي، سواء عبر البرلمان أو الحكومة أو حتى في الشارع. بالتالي، إن كلمة "نقلعك" في السياق التفاعلي بين القاضي والحاج، لا علاقة لها بالحدث اللبناني في عيانيته المباشرة، إنما هي تستمد أصولها من كون الحاج وفيق كائناً أسطورياً، مخلوقاً أقرب إلى "هرمس" إذا أردنا أن نستعير جيراننا الإغريق. فلا يجب أن يغيب عن البال أن الحاج بالجملة، هو ابن بيئة تنتظم العلاقة بين أفرادها منذ عقود خلت على "موجات من غرس الأسطورة"، في كل تفصيل من تفاصيل حياتها اليومية، وصولاً إلى العالم الآخر. وهذا يشي بأن تلقي هذه البيئة لكلمة "نقلعك" عندما يتوجه بها الحاج وفيق، يحفّز أسطورية هذه البيئة، ويشدّ أواصر العلاقة بين مكوناتها. فالجماعات بشكل عام بحاجة إلى الصمغ، لشدّ التحامها في حال الأزمة، وغالباً ما تشكل الكلمات الصمغ الأمثل لهذا الإلتحام، لا سيما عندما ينطق بها أحد "أبطال" هذه الجماعات.
 
رب سائل قد يسأل عن وقع كلمات "البطل" على مَن هم خارج مجموعته. في حالة البيطار/ صفا، ردَّ البيطار على تهديد صفا له بـ"القلع"، قائلاً: "الحاج بمون" (أعتقد مع ابتسامة). 
لا ريب أن هذا الرد تحديداً، يستبطن الرضا عن الذات، لا سيما إذا ما أردنا أن نقرأ هذا الرد على وقع تلميحات واحد ممن أثروا بشدة في رولان بارت: الإحتقار يشي بنوع من الرضا عن الذات (سبينوزا). 

ليس من باب الصدفة أن لا تعمد قيادة الحاج -الأسطورية بدورها- إلى عدم نفي تهديد الحاج وفيق للقاضي بيطار. فكلمة "نقلعك" هي بمثابة تعويذة ضد اللاعدالة (بمنطقها)، التي قد تقع فوق رؤوس هذه القيادة في حال استكمل التحقيق حتى النهاية. فعدالة المحاكم الأرضية هي، في نهاية الأمر، واقعة دنيوية، وكل واقعة من هذا الصنف تقف عند عتبات الأسطورة متضرعة.
على كل حال، وفيما يتجاوز أوهام القوة والتعالي والأسطرة، ربما يجب على الحاج ومَن خلفه مِن "أبطال أسطوريين"، التمعن ملياً في قوله (كرّم الله وجهه): "أحذركم الدنيا فإنها منزل قُلعةٍ... أي منزل تحوّل وارتحال واندثار".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها