آخر تحديث:12:20(بيروت)
السبت 25/09/2021
share

"تنويعات على حماقة": من يرث خرائب تدمر؟

شادي لويس | السبت 25/09/2021
شارك المقال :
"تنويعات على حماقة": من يرث خرائب تدمر؟ تجسيد تدمر
باللون الأبيض وبأبعاد ضخمة، يكتب الفنان الإيراني عباس أخافان، كلمتَي، "مخلب القط" بالإنكليزية، على سطح مبنى غاليري "تشيزنهال" اللندني. الإشارة تعود إلى واحدة من حكايات لافونيتن، وفيها يقوم قرد بخداع قطة وإقناعها بحرق كفّيها على النار لتزويده بالكستناء المحمصة، و"مخلب القط" يشير إلى المغفلين الذين يصبحون أدوات للآخرين ومادة لاستغلالهم.

وبالرغم من معرفة أصل القصة، إلا أن العلاقة بين لوحة السطح ومعرض "تنويعات على حماقة"، للفنان نفسه، في الطابق الأرضي للغاليري، تبقى غير واضحة، وربما غير مهمة. ما يلفت النظر هو أن زوار المعرض لا تتوافر لهم وسيلة للصعود إلى السطح والنظر إلى الكتابة، فيما يستطيع بعض الجيران في المباني المحيطة القيام بذلك، وكذلك الطيور وكاميرات طائرات الدرون، كما يقول النص التوضيحي للمعرض. أما الجمهور فتُقدم له صورة فوتوغرافية للسطح، فيما يظل السطح نفسه غير مرئي. لكن ماذا لو أتيح للجمهور الوصول إلى قمة المبني، هل سيكون ذلك كافياً للإلمام بصرياً بالعمل، أم أن الرؤية المكتملة تتطلب أن تكون في نقطة أعلى، بعيدة ومنفصلة؟ 


ليست هذه المرة الأولى لأخافان، فالكتابة على الأسطح واحدة من تيماته المفضلة. على أحد المباني الشاهقة في الشارقة، سبق أن طبع واحدة من عباراته غير المكتملة بأحرف كبيرة: "أطفال وقطط وكلب واحد". لعل تلك إشارة أخرى لإحدى الحكايات، لكن ما تتم مساءلته هنا أبعد من النص المقروء، بل شبكة العلاقات التي تربط بين الحضور والاختفاء. فالسطح حاضر مع أننا لا نراه وربما حضوره أقوى بسبب احتجابه. يفحص أخافان أيضاً ثنائية النظر والمعرفة، وبالأخص العلاقة بين الفنون البصرية المعاصرة والرؤية، أي هل يحتاج الجمهور لمعاينة العمل الفني؟ أم أن المعرفة بوجوده وما تثيره، أصبحت هي الأهم؟ لا تخاطب أعمال أخافان العين بالضرورة، أو على الأقل هي ليست موجهه إلى العين حصراً. فعلى نسق الفن المفاهيمي، وما بعد المفاهيمي، يركز المعرض على الأفكار، لا على البصري، ويزود نصه الزوار، بلائحة من القراءات، هي نصوص أكاديمية في معظمها. يعيد أخافان أيضاً أسئلة مكررة، لكن بطرح أكثر طزاجة: ما الأبقى وما الأكثر تأثيراً؟ الأصل أم النسخ؟ الكتابة على السطح المعرضة للأمطار وعوامل الطبيعة؟ أم صورها الفوتوغرافية؟ الواقع المباشر أم معالجاته؟ وإيهما الأجدر باهتمام الفن؟

ما جدوى أن تدهن سطحاً لن يراه أحد؟ أي هدر هذا؟ اسم المعرض، "تنويعات على حماقة"، يوظف تلاعباً لغوياً يحيل إلى الأسئلة الاستنكارية نفسها. فكلمة Folly الإنكليزية، تعني حماقة ورعونة، لكنها قد تعني كذلك، مبنى باهظ التكاليف، وبالأخص مبنى بلا فائدة عملية، وتشير الكلمة أيضاً إلى نماذج مصغرة ومكلفة من الخرائب اليونانية والرومانية يتم وضعها في حدائق البيوت الإنكليزية على سبيل الزينة.

التجهيز الرئيسي للمعرض، يبدو كواحد من تلك المباني عديمة المنفعة. مجسم ضخم لصفوف الأعمدة التي تقود إلى قوس تدمر، القوس الذي أصبح أشهر بعد قيام "داعش" بتخريبه في العام 2015. المادة المستخدمة في بناء المجسم، هي الطين والقش، مادة البناء التقليدية في القرى الإيرانية التي يتحدر منها الفنان. في الخلفية، تنتصب شاشة كروما كبيرة، بلون أخضر فاقع، مثل تلك المستخدمة في الاستديوهات. بمجرد الدخول إلى القاعة، فإن الرائحة العضوية القوية للطين المشبع بالرطوبة والقش، تفاجئ الزائر، مقارنة بحالة "التعقيم" المعتادة والمرتبطة بالصالة الفنية، النظيفة بجدرانها ناصعة البياض، وهوائها المكيف.
 

لا يسعى أخافان لتجسيد حنين إلى الأثر المدمر، ولا لإعادة إحيائه. فالعمل لا يشير بالضرورة إلى قوس تدمر، بل إلى عمل آخر، نسخة مصطنعة من القوس الأسطوري. فبالاعتماد على عدد ضخم من الصور الفوتوغرافية للمنطقة الأثرية قبل تخريبها، نجح معهد الآثار الرقمية في جامعة أكسفورد، بالتعاون مع جامعة هارفرد الأميركية، وبتمويل بعضه إماراتي، في إنتاج نسخة طبق الأصل من القوس، مصنوعة من الرخام بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. وفي العام 2016، عرض المجسم للمرة الأولى في ميدان الطرف الأغر، وسط لندن، في احتفالية كان على رأسها بوريس جونسون (حينها عمدة لندن)، قبل أن يذهب المجسم في جولة بين العواصم الغربية.

ما الذي تعنيه نسخة الطرف الأغر؟ وما جدواها؟ يقر "تنويعات على حماقة" بأنه نسخة أخرى باهظة الثمن، من الحماقة ذاتها. السعي لجلب العضوي إلى الغاليري، أو تحويل التاريخي إلى عضوي، في محاولة لإعادة تمثيل العلاقة بين البشر والاركيولوجيا والطبيعة، يتم إفسادها عمداً بواسطة خلفية الكروما. عبرها، يعيدنا اللون الأخضر الفاقع إلى الاستديوهات، إلى الاستعراضي، والمنتزع من مكانه والمصطنع، وإلى المتحفي.

منذ استعادة النظام السوري، المنطقة، من "داعش"، في 2017، أعلن الروس أكثر من مرة عن نيّتهم ترميم آثارها المخربة. وفي نيسان/أبريل من العام الجاري، وقّعت وزارة الثقافة السورية اتفاقاً مع جمعية صناعة الحجر في روسيا، للبدء في ترميم قوس النصر وطريق الأعمدة المؤدية إليه. هل سيمكننا اعتبار القوس المرمم، أصلاً؟ أم استعادة للأصل؟ أم إنه مجرد نسخة أخرى من الماضي، واحدة من تنويعات الحماقة، ستنتصب بخيلاء بين خرائب الحاضر السوري؟ 

(*) المعرض مستمر حتى 17 تشرين الأول/أكتوبر المقبل. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها