آخر تحديث:13:45(بيروت)
الخميس 02/09/2021
share

رحيل ميكيس ثيوذوراكيس... زوربا اليونان ومناصر فلسطين

وليد الياس | الخميس 02/09/2021
شارك المقال :
رحيل ميكيس ثيوذوراكيس... زوربا اليونان ومناصر فلسطين
رحل اليوم الخميس، زوربا اليونان، الموسيقار ميكيس ثيوذوراكيس، الذي طوّع الموسيقى لخدمة القضايا العادلة في العالم. وحتى آخر رمق قي حياته، كان ناشطاً فنياً وسياسياً.

قدّم هذا الموسيقار والكاتب والشاعر والفنان والمناضل السياسي، خلال ما يربو على السبعين عاماً، حالات خاصة من الإبداع والجمال، فكان المتلقي يعيش معه في كل مرة لحظات من الانبهار الشديد والمتعة الفريدة، فيما تثار في داخله مجموعة من التساؤلات المتعلقة بالبحث عن الذات، ثقافياً وفنياً ووجودياً، والتي تتخطى الحدود والحواجز لتطاول الإنسان، أي انسان، على وجه هذه البسيطة، ويغتبط حينما يسمع لحن فيلم "زوربا اليوناني" الشهير، المستوحى من رواية الكاتب والفيلسوف الراحل نيكوس كازانتزاكيس. ويفسر ثيوذوراكيس سرّ نجاح لحنه بالقول: "بعد قراءتي للرواية، شعرت أن زوربا العاشق للحياة والنساء والموسيقى يشبهني كثيراً، بل هو أنا! نعم أنا ولا أحد غيري".


ويرى "ميكي"، كما ينادونه في اليونان، أن الأعمال الموسيقية القيمة تجّسد إمكانات الملّحن وقوته في معالجة موسيقاه، أي بمعنى الانتقال من منبع الإبداع المتماسك الى قوة الخيال والكمال الفني، كما أن نوعية العمل الموسيقي تحددها درجة الانفعال الحسية والعاطفية. وفي حديثه عن موسيقاه يقول: "إني أحاول المزج بين عناصر الموسيقى الهلينستية وإرث السيمفونية الأوروبية وعصري، وفي المقابل، أثَّرَت آرائي ومعاناة شعبي وكل الشعوب، وإيماني بالعدالة والحرية وحقوق الإنسان، وبالطبع ايديولوجيتي (الماركسية اللينينية)، بعُمق، في إبداعي الموسيقي".

ويتباهى الموسيقار الكاريزماتيكي، المولود في 29 تموز 1925، من أصول كريتية، في جزيرة "خيوس"، بأنه مناضل أصيل وقف في وجه  كل أنواع بربريات السلطة. فقد قسّم حياته بين الموسيقى والنضال من أجل القيم الانسانية، وربط بين الفن والتوجه الايديولوجي المتحرر من الأطر التنظيمية، وفتن منذ نعومة أظفاره بالموسيقى، وقدم في عمر الـ17 طروبارية "كاسياني" في مدينة "تريبولي – طرابلس" اليونانية، قبل أن ينضمّ الى صفوف المقاومة الوطنية ضد الفاشية الايطالية والاحتلال النازي الألماني، ولاحقاً الاحتلال الانكليزي. فتمّ أسره للمرة الأولى على أيدي الفاشيين، في 25 آذار 1943، وتعرض لأبشع أنواع التعذيب، لكنه استمر في مسيرته مقاوماً الاحتلال ومن بعده قوى اليمين المحلي التي تعرضت له أجهزتها بالضرب المبرح في العام 1946 حتى فقد وعيه، فوضعته في مشرحة ظناً منها انه مات، لكنه قام. وفي العام 1948، جرى نفيه الى ثكنة الموت في جزيرة "ماكرونيسو" ودفن حياً مرتين، لكن حبه للحياة وللموسيقى أبعثه من الموت. 

ويقول الكبير "ثيوذوراكيس" إن مقاومته للاحتلال ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤلفاته الموسيقية في تلك الحقبة، ومنها لحنَي نشيدَي "روميوسيني" (الروم) و"غيتونييس تو كوسمو" (حارات الدنيا) للشاعر اليوناني الراحل "يني ريتسوس".

وبعد تخرجه من معهد الموسيقى الأثيني (1950)، غادر الى باريس (1954) وتعلم التحليل الموسيقي على يدّ Olivier Messiaen، ودرس قيادة الاوركسترا مع Eugene Bigot. وحتى العام 1960، كان قد لحّن عدداً من الأعمال الموسيقية الأوروبية، ومنها موسيقى اهم العروض السينمائية وعروض الباليه، ونال جائزة مهرجان موسكو عن مؤلفه للبيانو والاوركسترا "سويت 1" العام 1957 وجائزة لينين للسلام العام 1983.

عاد الى اليونان في 1960، وفي جعبته لحناً لقصيدة "أبيتافيوس" – الجمعة العظيمة -  وهي قصيدة أبدعها الشاعر "ريتسوس"، إثر مقتل ثلاثين عامل تبغ، وجرح ما يقارب الثلاثمئة منهم، خلال تظاهرة فتحت فيها الشرطة اليونانية النار عليهم في أيار 1934. وتخلد القصيدة الجنائزية، المكونة من عشرين نشيداً أو ترنيمة، ذكراهم، لكن النظام الحاكم في حينه صادرها وأحالها إلى محرقة الكتب أمام أعمدة معبد زيوس.

سطع نجم ثيوذوراكيس العالمي في العام 1964 بعد تلحينه موسيقى فيلم "زوربا اليوناني" للمخرج ميخائيل كاكويني. وبعد الانقلاب الديكتاتوري بتاريخ 21 نيسان 1967 انتقل الى العمل السياسي السري ليصدر اول نداء للمقاومة بتاريخ 23 نيسان، ويعتقل في شهر اب من العام نفسه ويوضع في السجن الانفرادي ويعذب ويضرب عن الطعام... لكنه استمر في كتابة ألحانه، ونقلها سراً خارج الحدود الى الفنانة الراحلة ميلينا ماركوري، والمغنية اليونانية ماريا فاراندوري التي لا تزال تحيي أناشيده حتى اليوم.

وبسبب تدهور وضعه الصحي وحملة الاحتجاجات الأوروبية، أُجبر جنرالات الانقلاب على الافراج عنه، فانتقل في نيسان 1970 الى باريس حيث خاض معركة نضالية من أجل عودة النظام الديموقراطي الى اليونان، فتحولت حفلاته الموسيقية الى نموذج نضالي لكافة الشعوب التي تعاني المشاكل نفسها: الاسبان والبرتغاليون والإيرانيون والأكراد والأتراك والتشيليون والفلسطينيون الذين لطالما كان داعماً لنضالهم. ففي العام 1978 عمل على تقديم لحن للنشيد الوطني الفلسطيني العتيد في بيروت بحضور قيادات سياسية لبنانية وفلسطينية، وكان المفترض أن يكتب الشاعر الراحل محمود درويش كلمات النشيد الذي لم يبصر النور. وكانت له مواقف لا تنسى خلال الحصار الاسرائيلي لبيروت في العام 1982.

وقام الراحل بجولات عديدة في الدول العربية: الجزائر ومصر وتونس وسوريا ولبنان (مسرح البيكادلي)، ووضع ألحان موسيقى اوبرا "ليستارتي" في العام 2002، إيماناً منه بالسلام في العالم.

انتُخب نائباً مرتين، وعيّن وزير دولة لكنه بقي منتقدا لظاهرتي الفساد والظلم في اليونان، وارتبط بعلاقة صداقة مع الشاعر الشيلي بابلو نيرودا، والشاعر الفرنسي لوي اراغون.. ومهما كُتب عن حياة "زوربا اليونان"، لا يمكن أن يُعطى حقه، فمسيرة حياته حافلة بالمواقف النضالية والإبداعات الموسيقية، وخلود ألحانه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ اليوناني القديم والمعاصر والشخصية اليونانية في بحثها من دون كلل عن أسباب السعادة...

(*) مدونة نشرها وليد الياس في صفحة "الجامعة الثقافية اللبنانية اليونانية" في "فايسبوك" - عن موقع ertnews.gr

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها