آخر تحديث:13:03(بيروت)
الخميس 02/09/2021
share

تالينو مانو... غيتاره الجسر بين الشمال والجنوب

محمد جدّي حسن | الخميس 02/09/2021
شارك المقال :
تالينو مانو... غيتاره الجسر بين الشمال والجنوب
بعد سنتين من ميلاد أوّل فرقة موسيقية في تشاد، ولد في المدينة ذاتها طفل سمّاه والده إيمانويل يليم. كان الوالد صياداً يقضي جلّ وقته في نهر شاري، ويعزف على الأكورديون في الليالي المظفرة، ثم على الغيتار لاحقا. كانت أسرة فقيرة جداً، بيد أنها مثابرة. انتقلت إلى العاصمة أنجمينا بحثاً عن حياة أفضل، وهناك ترعرع إيمانويل في حارة باريس- كونغو ـ الحارة الأكثر ثراء من الناحية الفنيّة؛ والتي تقطنها عشرات الجنسيات الافريقية والهجناء وغالبية الأقليات.

البدايات

في 22 يوليو 1966، ولد إيمانويل ياليم. مشى على خطى والده وبدأ يعزف على الغيتار. عزف في الحانات مع فرق يتغير أعضاؤها حسب الظروف، ثم صار عازفاً ومغنياً يُعتمد عليه لإحياء الحفلات الدعائية للشركات.. فغنى في حفلات شركة FİN للسجائر، ثمّ صار نجم الحفلات الكبرى بسبب صوته الفريد وقدرته المدهشة على استخدام كل الآلات الموسيقية. أثارت إعجابه فرقة صغيرة اسمها "سايسيك"، يديرها ويغني فيها الإخوة "انقابا"، وكان قانون الفرقة يفرض على كل فنان اختيار لقب فني يُدعى به بدلاً من اسمه الحقيقي.

هكذا تحوّل "مامادو انقابا" إلى "تيستو"، بينما فكّر إيمانويل لأيام من دون أن يجد لقباً يناسبه، ومضت الأيام إلى أن وصلته هدية من صديق، وكانت عبارة عن بناطيل طويلة يرتديها الموسيقيون في الكونغو والتوغو، وحين فتحها، وجد عليها اسم شركة 'تالينو'، فقرر أن يكون هذا لقبه. لم يعتبر نفسه تابعاً لفرقة، ولولا استحالة الأداء وحيداً لما ارتبط بالأوركسترات، ولذا كان يؤجر عزفه وصوته لأي فرقة تقيم حفلة أو تدفع له. كان فناناً بالفطرة، فهو أحد القلائل الذين يجيدون الغناء والعزف على الآلات والرقص معاً. في الألبوم الأول في العام 1990 التقى بمنتج من جمهورية البنين في العاصمة التوغولية 'لوميه' بعد رحلة فاشلة، تحمل مشقاتها لمقابلة منتج آخر. التقى بملاكه وهو في طريق العودة صوب بلاده يجر حقائب اليأس. وعده المنتج بالدعم اللازم، وفى بوعده وأخرج ألبومه الأول الذي اختار له عنوان: Perseveré حيث غنى عن رحلته الفنيّة التي ثابر فيها طويلاً من دون أن يفقد الأمل، من عازف في الحانات البائسة إلى فنان تذاع أغانيه في محطات الإذاعات في دول إفريقية عديدة. تلك كانت دعوة إلى المثابرة في بلد يعاني فيه الفنان من تهميش كامل والشباب من عطالة تشّله عن تحقيق أحلامه. وتكوّن بقية الألبوم، بأغان عن الحب، واشتهرت من بينهما أغنية بعنوان 'صوفي' وهي أغنية لشاب اغترب بحثاً عن المال ليتمكن من الزواج بحبيته التي تنتظره في الوطن، ويطول الإنتظار ويزداد القلق والسنوات فتقضي الفتاة ليالها باكية. تقول كلماتها: صوفي... حبيبتي. ما تبكي صوفي.. ما تبكي.. قاعد نجيء صوفي.



الشهرة
بعد ألبومه الأول الذي حطم كل الأرقام في مبيعات الكاسيت، صار 'تالينو' المغني الأشهر في جمهورية تشاد، فأسس فرقته الخاصة التي سمّاها 'أكاديمية توماي' بعدما اصطدم مع رفاقه في فرقتي 'سكسيه ميلودي" و"أفريقا ميلودي"، لأنه كان فردانياً ومغتراً لا يهتم بالموسيقى ولا بالأسلوب. أرادوه غازفاً في فرقة، لكنه أدرك أنه ليس عازفاً فقط، بل لديه تلك موهبة لمس الآلات والتي تجعله متقنا لجميعها، وفوق ذلك يكتب ويغني. العديد يعرفون صوته وأغانيه لكن القليل يعرفون أنه كان عازفاً قبل كل شيء. لديه أسلوب خليط من المكوسا الافريقية مع الجاز. يقول نقاده إنه كان يخلط أنواعاً عديدة في أغنية واحدة، ورغم ثقافته الواسعة في الموسيقى، اهتم أكثر بالكلمات. كانت لديه رسائل يود إيصالها، لذا ركز على وصول كلمته، رغم أن الإيقاع كان قبل كل شيء. ولأنه يمتلك صوتاً فريداً إبداعياً، غير مكلّف كان يغطى على ما يخلفه من أخطاء. كان فريداً لا يشبه أحداً وكأنه لم يتأثر بأحد، أصيلاً وكأنه ولد ليغني. بيد أن المتابع يلاحظ تأثير فرقة شاري جاز على أغانيه وموضوعاته. فإحدى أشهر أغانيه 'زاڤيرا' مستوحاة من أغنية مغمورة قدّمهتا شاري جاز على ضفاف النهر كرسالة توصية بعد تكاثر حالات الطلاق في مجتمع كاثوليكي. تأثر تالينو بفرقة 'شاري جاز' واضح جداً، لكل من استمع إليه وإلى الفرقة التي كان نهراً اغتسل فيه الجميع. ويؤكد جيمقنقوت آرون، وهو أحد منتجي 'شاري جاز'، بأن تالينو أتى وتدرب معهم وغنى معهم واستفاد، قبل أن يرفض دور العازف ليؤسس فرقته. وكما حصل مع شاري جاز، انتقل تالينو من أغاني الحب التي برع فيها إلى النبرة الوطنية حتى أصبح يلقب بـ'فنّان الحب والسلام' وصارت أغنيته La paix تنافس النشيد الوطني. وتقوله كلماتها التي يحفظها معظم التشاديين: İl nous faut la paix، كان خلينا النندليه دنيا يبقا سمح كان خلينا خيانة دنيا يبقا حلو. كان خلينا الحسد دنيا يبقا عسل. كان خلينا دواس دنيا يبقا عافية. الله عليكم بينتنا المفاهمة. الله والنبي يا جماعة المسامحة"...
هكذا يواصل تقديم رسالة السلام متحدثا عن التفاهة التي تدفعنا لنقضي على بعضنا البعض، متذكراً العواقب.

الطموح
اشتهر تالينو، القادم من غابات مويسالا في الجنوب الماطر على ضفاف النهر، وبلغ أقاصي الحدود في الصحراء على الحدود التشادية الليبية، حيث يرابض الجنود في ثكناتهم متدفئين بأغانيه عن الحب والسلام، إلاّ أنه كان يهدف إلى إيصال الأغنية التشادية إلى آفاق أبعد. في الفيلم الذي أخرجه أنور أمين للتلفزيون التشادي، العام 2020، يعترف الفنان بأن الموسيقى التشادية متواضعة جداً، وأن عليهم بذل المزيد ليوصلوها إلى أصقاع بعيدة، ولأجل ذلك يسعى لكتابة أغان ذات مواضيع عالمية يقدمها في أوروبّا.


الخلود
في 3 سبتمبر 2009، خلال زيارة إلى جنوب البلاد في الطريق الذي يربط مدينة كيلو بمدينة بنقور، تعرض المغني إلى حادث سير ومات متأثراً بإصابته. تقول زوجته: "كان ذلك في يوم ثلاثاء، اتصل بي عند الثانية وقال لي إنه في الطريق، أعددت له طعام الغداء وبحلول الثالثة اتصل بي أحد أقربائي وأخبرني بأن زوجي تعرض لحادث. هرعت إلى بيت 'بُكر' وهو صديق لزوجي ومن هناك اتصلت وأخبروني أن تالينو في المشفى، وحين عدت إلى البيت وجدت جمعاً غفيراً في البيت، والجميع كان يبكى؛ لحظتها عرفت أن تالينو قد فارق الحياة".

موت تايلنو ترك الموسيقى التشادية يتيمة. فلم يأتِ بعده مغنٍ يمكن أن يملأ ملعباً أو تصدح أغانيه في كل البيوت ويرددها الكبار والصغار. وعلى عكس شاري جاز التي استخدمت لغة السارا بشكل كبير، فإن تالينو الذي قضى طفولته في العاصمة، أتقن الدارجية التشادية استخدمها بشكل كبير، ومن بعدها الفرنسية. مئات المحبين رافقوا جنازته ودُفن في مقبرة المسيحيين بحارة فرشا في العاصمة، تاركاً زوجة وستة أطفال وعشرات الأغاني التي ما زالت تصدح في ربوع البلاد. بعد وفاته بأسابيع عمّدت الحكومة مبنى الباليه الوطنية باسم المغنى، وصار مركزاً ثقافياً بإسم "المركز الثقافي تالينو مانو"، واليوم يعد أحد أكبر المراكز الثقافية في العاصمة، وتقام فيه مهرجانات موسيقية وفعاليات ثقافية. مات وفي جيبه تذكرة سفر إلى فرنسا التي خطط للعودة إليها للمرة الثانية لتقديم ألبوم يضع الأغنية التشادية في القمة. وكأي فنان يجهز لموته أو يعرف متى يكون، ترك تالينو أغنية تخلد ذكراه وغناها مشيعو جنازته وهم ينزلون التابوت من السيارة المليئة بالورود. يقول إنه سيعود وأن علينا ألا ننساه. مات تالينو مانو في 3 سبتمبر 2009، لكنّ أغنيته هذه ستظل تذكرنا به: "رفقاني اللفرتقنا معكم طوّلْ الله ليكم ما تنسوني ولا أبيتكم، ولا خلّيتكم.. سلام عليكم".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها