آخر تحديث:12:42(بيروت)
السبت 18/09/2021
share

الهروب من جلبوع: تواريخ الابتسام

شادي لويس | السبت 18/09/2021
شارك المقال :
الهروب من جلبوع: تواريخ الابتسام صورة الأسيرين الفلسطينيين، يعقوب القادري ومحمود العارضة، المُعالَجة بالفوتوشوب لتظهرهما مبتسمَين
لم تمر ساعة على نشر الإسرائيليين لصورة القبض على الأسيرين الفارين من سجن جلبوع، يعقوب القادري ومحمود العارضة، حتى ظهرت نسخة أخرى من الصورة، نسخة معالجة رقمياً، تضع ابتسامتين عريضتين على وجهيهما. وكما تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة، تم تداول الصورة المعالجة بكثافة في الإنترنت، فيما توارت النسخة الأصيلة رويداً رويداً، حتى اختفت تقريباً في يوم واحد. وفي الصباح التالي، صدر بعض الصحف العربية والصورة المعدلة مع وجهيها البشوشين في الصفحة الأولى.


هناك صلة من قرابة تربط بين الابتسام والضحك، يشترك كلاهما في انبساط بعض من عضلات الوجه وانقباض البعض الآخر، ويتقاطعان في بعض معانيهما ومحفزاتهما، الخجل والتوتر والتباسط والسخرية وغيرها. إلا أن الابتسام ليس طوراً تمهيدياً للضحك، ولا هو ضحكة لم تكتمل بعد أو قهقهة في طور التكون، وفي المقابل فإن الضحكة ليست ابتسامة أكثر انفراجاً، وليس الضحك بدرجة أعلى من الابتسام، ولا واحدة من لحظاته الأكثر كثافة.

يقدر التطوريون عمر الابتسامة بثلاثين مليون سنة، كشفت القردة العليا عن صفوف أسنانها، الخالية من الأنياب الأمامية، كعلامة على مسالمتها، على إنها غير قادرة الأذى، أو للتعبير عن خضوعها لأعضاء المجموعة الأكثر هيمنة، تحمل تلك الابتسامة الحيوانية اسماً نصف علمي فيه بعض من بلاغة غير مقصودة: "ابتسامة الخوف".


(الصورة الأصلية لحظة اعتقالهما)

وإن كانت الابتسامة واحدة مما يربط البشر بالعالم الحيواني، فماذا عن المقدس؟ السماء لا تبتسم، هناك آلهة تضحك، "يهوه" الذي يقهقة أكثر من مرة في العهد القديم، و"بوذا" الضاحك و"جيلوس" اليوناني تجسيد الضحك الأولمبي. ومع هذا، الآلهة لا تبتسم، أو نادراً ما تبتسم. هناك شيء أرضي في الابتسام، علماني، مسحة ما من العادية واليومية.

يخبرنا علم الاشتقاق، عن الأصول البعيدة للكلمات، معانيها المنسية داخل شبكات من علاقات الصرف ومتاهتها المنظمة، أواصر وجدت في الماضي بين عائلات من الألفاظ، لكنها ليست بالضرورة ذات مغزى مفهوم الآن. ومع هذا، ما زال بعض من تلك العلاقات القديمة يفاجئنا بألمعيته إلى اليوم. البشاشة هي حالة الابتسام، "يبشّ" المرء و"يهشّ" في وجه أخيه، هكذا الابتسامة كما يقول التطوريون، أو على الأقل في أحد وجوهها، هشاشة، إعلان ودود عن عدم القدرة على الأذى، نوع من الاستسلام الرضائي، واعتراف بالقابلية للكسر.

بالطبع لم يُقصد بالابتسامة المطبوعة عنوة على وجهي الأسيرين الفلسطينيين، الإيحاء بالهشاشة ولا بالاستسلام، بل العكس تماماً. تتغير دلالة الابتسامات، كما تتغير معاني المفردات وتتباعد دلالتها الأحدث عن ماضيها المعجمي. فللابتسامة بصفتها إيماءة، معاني كثيرة، وفي كثرتها فإنها تشي بالأشياء وعكسها، حتى إنها تكاد تكون بلا معنى. ويبقى للسياق وحده إضفاء المعنى عليها.

ربما يمكننا القول إن الضحك انفجار للابتسامة، طور منه خرج عن السيطرة، بهذا يكون الابتسام فعلاً إرادياً، أو على الأقل أكثر إرادية من الضحك. تبدو الابتسامة عملية محسوبة، فعلاً موجهاً إلى الخارج، نحو الآخرين تحديداً، فعلاً اجتماعياً. أما الضحك فهو ردّ فعل، ربما يكون جماعياً، لكن موضوعه يبقى الذات، وهو موجّه للداخل في أغلب الأحوال. ولعل تلك الاجتماعية وبرانيتها ما يجعل البسمة عرضة للتزييف، وزيفها أكثر قابلية للتصديق، أو على الأقل للتسامح معه.

كل ما هو اجتماعي له تاريخ، وكل ما هو تاريخي سياسي أيضاً. في كتابه "ثورة الابتسامة في القرن الثامن عشر في باريس" (2014)، يذهب المؤرخ كولين جونس، إلى أن الابتسامة الحديثة، طفرة فرنسية، ففي مقابل الوجوم الأرستقراطي، علامة رباطة الجأش والاحترام، وعلى مسافة تعلو عن ضحكات العامة السوقية والمتهتكة، ظهرت الابتسامة كتمرّد راديكالي بين الطبقات البرجوازية للمدن الصاعدة، حينها غدا التعبير عن المشاعر علانية أمراً مقبولاً وعلامة على رهافة إنسانية محمودة. لكن سرعان ما محت الثورة الفرنسية، بعهد رعبها، الابتسامات عن الوجوه. لأسباب كثيرة، نشأت من حينها خصومة بين الثورية وبين الابتسامة أو بعض أشكالها. في الاتحاد السوفياتي، على سبيل المثال، كان الابتسام للغرباء أمراً قد يثير الريبة.

في هبّة الشيخ جراح الأخيرة، دُشّنت الابتسامات على وجوه المعتقلين، كبيان سياسي مكثف ومتفق عليه، إيماءة يسهل تفسيرها تشير إلى الصلابة، وتحمل رسالة جماعية للحض على مواصلة النضال. كانت تلك الابتسامات موضوعاً للمقارنات، وربما الحسد، من قبل عرب آخرين، وفي جانب منها ربما دعاية لإسرائيل. فهؤلاء الفلسطينيون المبتسمون في دعة أو زهو، ينالون ولو الحد الأدنى من حقوقهم بعد القبض عليهم، حتى أنهم قادرون على طمأنينة الإتيان بالسعادة، والتعبير عنها.

أذكر ياسر عرفات دائماً رافعاً علامة النصر، وبابتسامة واسعة أبوية على وجهه، ولعل تلك صورة من ألاعيب الذاكرة. على ما أعتقد، كانت الابتسامة أكثر حضوراً في صوره المتأخرة، بعد أوسلو على الأرجح، حين توارى السلاح وجدّيته، وربما كان بعض من تلك الابتسامات علامة على تقدم العمر وفقدان السيطرة عضلات الوجه التي بدأت لاحقاً في الارتعاش. في أي وقت بدأ الفلسطينيون في الابتسام؟ أو متى أصبح الابتسام شرطاً لنضالهم؟ ربما يعوزنا تأريخ لهذا كله.

بحث بعد آخر، يخبرنا بأن أبناء العالم الجديد يبتسمون أكثر من غيرهم، الأميركيون والبرازيليون هم الأكثر ابتساماً. الأمر لا يتعلق بالتفاؤل ولا بالإقبال على الحياة، بل يحكمه التنوع الهائل. فكلما تعددت لغات السكان وخلفياتهم الثقافية، زاد ابتسامهم. فحين لا تكون هناك لغة مشتركة ولا أنساق للتواصل متفق عليها، فلا يبقى غيرها. الابتسامة هكذا هي لغة الغرباء والاغتراب، يتم تداولها بين من يربطهم ببعضهم أقل القليل.

"ابتسامة غلاسغو" هي طريقة للتشويه، مارستها عصابات المدينة الإسكتلندية ضد خصومها في القرن الماضي، وكانت في الأصل وسيلة تعذيب من العصور الوسطي. يُغرز خطافين حادين ومدببين في طرفي الفم، ومن ثم يتم جذبهما في الاتجاهين المتقابلين، وكلما زاد الألم تقلصت عضلات الفك، فيتسع الجرح أكثر ويتعمق، فيزيد الألم، وهلمّ جرا.. وفي النهاية تخلف تلك العملية ندبة غائرة في وجه الضحية، تشبه ابتسامة المهرج المقوسة إلى أعلى.

الابتسامتان المرسومتان زيفاً على وجهي الأسيرين الفلسطينيين، فيهما شيء من القسوة، شيء من الوحشية، فكوك منفرجة عن أسنان براقة وناصعة، كإعلانات معجون أسنان أميركي. أوهام السعادة التي سيطرت على كل ما هو فوتوغرافي، تحل محلها أوهام الصلابة، الصلابة اللامبالية، الخارقة وفوق البشرية. تحرم تلك الابتسامات المزيفة أصحابها، أو لنقل ضحاياها، من الحق في الألم، وفي التعاطف، وتحرمهم من حقهم في العدل، وتحرمنا نحن من حقنا في الضغينة وفي الغضب المستحق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها