آخر تحديث:11:47(بيروت)
الأربعاء 15/09/2021
share

محمد خضير... جنوباً عند العمارة: منتدى القصة 1998

المدن - ثقافة | الأربعاء 15/09/2021
شارك المقال :
محمد خضير... جنوباً عند العمارة: منتدى القصة 1998
ليس الصعود لكوتِ العِمارة (ميسان/ ميشان السريانية) من البصرة (بصرياثا الآرامية) كالهبوط إليها من بغداد (بستان داد). فالرحلة الأولى ليست غير سفرة قصيرة، مسافة 182 كيلومتراً على طريق الرحلات الصاعدة إلى عاصمة البطائح الجنوبية؛ أي أنها حركة طبيعية/ قرابية في النسيج الطبيعي والعشائري المتماسك. بينما السَّفرة الثانية، انحدار طويل في السهل الرسوبي لأرض الملوك وأسياد التاريخ السومري والبابلي، مسافة 347 كيلومتراً؛ فهي اختراق طويل وانتقال بعيد بين أنسجة مكانية وقرابية متباينة. لكن الرحلتين، رستا ثلاث مرات قرب فوهة التنور القصصي، المشتجِر بنصوص السرد المتفرّعة من فُرن العاصمة الأكبر.

كانت اللقاءات الأدبية يومذاك (تسعينيات الحصار الاقتصادي) رحلةً حُرّة في فضاءات الرغيف الأسمر، ورائحته الشهية، واضطراماً أسطورياً في صدور مغادري أسوارَ النصّ الأكبر (نصّ العاصمة بغداد) الذي اعتاد التهام النصوص الأدنى منه، إتجاهاً وتجريباً. كانت ميسان، فردوس القصة المفقود، المقابل للطرف الأقصى الذي يختاره قصّاصو العاصمة أحياناً بين الجبال. وكانت الرحلتان، الصاعدة والنازلة، حَجّاً أدبياً مفروضاً على "المسطورين" بخبز النصوص الطازجة، وشعوراً خاصاً بحرية مُفتَقَدة على الطرق الخارجية.

أذكر أنّ رحلتنا الميسانيّة الأولى كانت لحضور ملتقى القصة الذي دعت اليه دار القاصّ محمد رشيد، بالتعاون مع دائرة صحة ميسان بإدارة الطبيب المثقف سالم الساعدي (1-3 تشرين الثاني 1998). كانت بداية هذا التعاون، أعدادٌ فقيرة من مجلة "طبّ وثقافة" ليرقى اللقاءُ بعدئذ إلى اجتماع الأدباء القادمين من الشمال والجنوب حول مائدة الجدال الفني والنظري في داري الطبّ والقصة وحواليهما، وفي زورق انحدرَ بهم في دجلة، ليغمسوا أنظارَهم في التيّار السريع لوقتهم-سرديتهم الناهضة على بقايا من إقطاعيات كوت الأمارة الشاسعة وراء ضفتي النهر. وإنّها لفرصة أن يجاور معمارُ القصة الحديث، معمارَ قصرٍ قائم في وسط المدينة للشيخ العشائري الكبير محمد العريبي، ينطوي على عشرات الحكايات الغريبة.

وغير هاتين الفُرصتين (النهر والقصر)، حظِي الأدباء بالمرور تحت مسقّفات السوق القديم للعماريّين المنزوين في محترفاتهم اليدوية المنقرضة. كان الجوّ الخريفيّ يفرض على المجتمعين العصريّين بذلَ الكلام والنظر للاستزادة من حفريات موقعٍ شهِدَ مرور قوارب الإنجليز في أول حربٍ كونيّة، وخلّف تقليداً استعماريّاً يطفو وراءهم على التيار الصاعد بهم إلى بغداد العثمانية، ليتطوّر بعد حين إلى تقليد تأسيسيّ للقصة على يد محمود أحمد السيد ورفقته التنويرية.

ما أهمية الموقع-العقدة العِمارية في إنهاض جدلِ القصة على حوادث الماضي البعيد (الأسواق النهرية، اللهجات العمارية لبائعات النهر، حصار الكوت وجوع الأسرى وجثث المعدومين المعلّقة على الجسر، خطط مود لإنقاذ الوضع وقلب ميزان الحرب، ثم دخول بغداد في موكب طويل مختلط من الجنود الهنود)؟ هل كان الجدل السردي يستلِفُ من ذاكرة العقدة التاريخية ميراثاً لرؤية جديدة، وغيرةً شديدة على النوع الحكائي التليد (غيرة عبد الستار ناصر وحميّته في الدفاع عن فنّ القصة القصيرة ضد مجدّديه الحاضرين معه ذلك اللقاء... أنظر فهرس الكتاب النقدي الموزع حينها في أولى الجلسات). استحوذ المجتمعون على عناصر الفن الأرستقراطي، الحاضر، بأناقته وعرامته، وكأنّه مُلكية شخصية، لا تدانيها ملكية قلعةٍ شامخة على سدّة النهر (من تلك القلاع التي تحكّمت بمصير الشخصيات في قصة مهدي عيسى الصقر الشهيرة بعنوان: القلعة والنهر). كذلك لم يغِب عن جوّ اللقاء المحتدم وعيُ التأسيس لقصة ما بعد واقعية "الصقر" وجيل المؤسّسين، يتقدّم بحماس نحو مستقبل ما بعد الاستعمار، هذا المستقبل الذي خرج بنصوصه من لقاء العمارة بمناعة تاريخية.

كان بحثي الذي ناقشتُ فيه مفهوم المشغل السردي، واستعمال القصة من خلاله، يصرّ على تفكيك هذه العقدة المزدوجة (استعمال القصة صحافياً، وإنشاءً ذاتياً ذوقياً، على الضد من استعمالها مفهومياً، عابراً للتقليد ومواقعه التأسيسيّة) وهو موجَّه أساساً لتخفيف الحساسية الفردية التي تتطيّر من استعمال الرمز والأسطورة في ثيمات القصة وبنائها الاستعاري المتجدِّد (خاصة نقد عبد الستار ناصر الساخر من القصص التي استعملت أسطورةَ عشتار وغيرها من الثيمات الخيالية في ذلك الحين).

كان ذاك الانحراف عن التأسيس الواقعي في قصص بعض الكتّاب (محمود جنداري ولطفية الدليمي وجهاد مجيد وجليل القيسي ومحمد خضير) مثارَ استنكار النقاد أيضاً، إذ كان ظهوره المفاجئ في عدد خاص عن القصة (الأقلام-كانون الأول 1988) صادماً ومذهلاً للذائقة النقدية. ولقد انتبهتُ في ما بعد إلى أهمية هذا الجدال الحامي في جلسات الملتقى، الذي لحِقَ نشرَ قصصي (رؤيا خريف) في العام 1995. ولعلّي أشعر بالذنب قليلاً لأنّي واجهتُ ذلك النقد باستعلاءٍ واستنكار مقابل، لكنّي أحسُّ اليوم بأهمية رأي قصّاصٍ مثل عبد الستار ناصر، المخلص لفنّه وتجربته الفردية؛ ولا أنكر فضيلةَ ملتقى القصة العِماري، الذي ملأنا بإحساس مضاعف من الإنكار والتحدّي، والثقة المفرطة بالنفس، بقدر ما نبّهنا إلى كبائرنا/كبريائنا السيئة في الوقت نفسه..
ملاحظة: أشكر الأخ محمد رشيد على تزويدي بالصور والوثائق المرفقة بهذا الملف.

(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها