آخر تحديث:11:49(بيروت)
الأربعاء 15/09/2021
share

"الرحلة غير المؤكدة والأخيرة" لأحمد سعداوي: مُقتطف قبيل الصدور

المدن - ثقافة | الأربعاء 15/09/2021
شارك المقال :
"الرحلة غير المؤكدة والأخيرة" لأحمد سعداوي: مُقتطف قبيل الصدور
تصدر قريباً رواية بعنوان "الرحلة غير المؤكدة والأخيرة" للروائي العراقي أحمد سعداوي، هنا مقطع منها:

[ضباب]
ها أنا وأنتم نشاهد خالتي "شرواته"، أم محمد ورعد وسعد، وهي تخطو بحذر، من باب بيتها الى إسفلت الزقاق. تغلق الباب خلفها، غير عابئة بقلق زوجة إبنها الأوسط "وداد"، أو تلك الشابة الصغيرة الجميلة "حوراء" التي تواظب على الحضور الى بيتها بشكل دائم، وهي بمقام حفيدتها، ولكنها في الحقيقة حفيدة أختها جرغودة، أمّي، التي توفيت قبل سنوات قليلة في مشهد الإمام الرضا ودفنت هناك.

قالت "شرواته" أم محمد لوداد أنها ستذهب الى "رأس الشارع" وتعود، وحينما طلبت حوراء أن ترافقها رفضت، وأكدت للمرأتين أنها تستطيع الرؤية جيداً ولا تحتاج الى من يرافقها وكأنها طفلة صغيرة.

كان الضباب يغلّف الزقاق بشكل غير معهود، وانتبهت شرواته أن الناس ينبثقون فجأة من هذا الضباب ناصع البياض من على مسافة مترين ليس إلا، ثم يختفون في دائرة الضباب من جديد خلفها. وصلت شرواته الى رأس الشارع فعلاً، ولكنها بدل أن تعود كما إدّعت ركبت من هناك بباص كيّا الى الكاظمية. ومن خلال النافذة كانت لا ترى سوى الضباب، وبين حين وآخر، عند تقاطعات الإشارة المرورية، كلما أبطأت السيارة من حركتها، تنبثق أكفّ صبي بقرب النافذة المغلقة وهي تلوّح بعلب ورق النشاف، أو أقراص سي دي لأغاني أو لطميات. باعة سجائر يدخلون حيز الرؤية للحظات ثم يمتصهم الضباب بسرعة.

كان النهار صحواً بالنسبة للآخرين، ولا يتذكر أحدٌ متى شاهد الضباب آخر مرّة. لكن الضباب الذي شاهدته شرواته كان بالنسبة لها إشارة ما، أنها انقطعت طويلاً عن عادتها السابقة، حين كانت تذهب كل نهار سبت الى ضريح الامام الكاظم، وتجلس هناك لساعة، تتحاور مع "موسى" وتفضي إليه بما لديها، فتشعر بعدها بالراحة، وربما حين تخرج من الضريح، ستجد أن الضباب قد انقشع أخيراً.

لم تكن ترى طريقها بشكل جيّد حين نزلت من الباص عند آخر حاجز يمنع السيارات من التقدّم أكثر باتجاه ضريح الكاظمين. لكنها استدلت بالرائحة، وظلت تؤجل سؤال الناس حتى تيأس تماماً من الوصول الى الضريح.

مرت على روائح النفايات وراء السياج الكونكريتي الواطئ، ثم على روائح العطارين، ودخان الدهون المحترقة من أسياخ الشاورما ورائحة الدجاج في الشوايات المعروضة خارج المطاعم، ثم روائح المسك والعنبر لدى بسطيات باعة السبح والترب القريبة من جدران الضريح، ثم ها هي رائحة ماء الورد والزعفران، تخبرها بأنها امام باب الضريح مباشرة.
كانت تريد أن تسأل الكاظم عن ولدها "سعد". أو يسمع منها على الأقل شكواها من غيابه الطويل.

لقد مرّ على اختفائه أكثر من أربعين يوماً. كان سعد يعمل سائقاً في باص كيّا يملكه الحاج عبد الصاحب خليل، على الخط الرابط ما بين "الجوادر" في أقصى مدينة الصدر والباب المعظم. لم يكن سعد يركن سيارته في الكراج الموحّد الرسمي، وإنما على الشارع العام، مجاور جسر عبور المشاة الكبير. وينادي هناك، مع زملاء آخرين على الخط نفسه: جوادر.. جوادر.. جوادر.

في السادسة صباحاً، مع ضباب غريب غطا الباب المعظم، ومع امتلاء سيارة سعد بالركاب، هجم مسلحون ينتمون الى تنظيم "التوحيد والجهاد" وأحاطوا سيارة سعد وسيارة زميل آخر له، واقتادوهما، مع حوالي 21 راكباً الى مكان مجهول.

حسب أقوال بعض الشهود، أن سائق الباص الآخر هرب من المسلحين، ولكنهم عاجلوه من بعيد برصاصة أردته قتيلاً.

أوقف الجميع يائسين رحلة البحث عن سعد، وربما كانوا يؤمنون، من دون أن يخبروا شرواته، أن سعد ميّت لا محالة. فلا أكثر من هذا الموت في هذه الأيام.

ولكن، وسط الضباب الذي يلفّ العالم من حول شرواته، بسبب تليّف شبكية العين من آثار مرض السكّري، كانت تثق بالرائحة، ما زالت روائح سعد في غرفته وعلى ملابسه وسريره قويّة، وكأنه غادر منذ دقائق، وهذا يشعر شرواته بأن ولدها الأصغر ما زال حيّاً، وأن انقاذه متعلّق باستمرارها بالمطالبة به.

تمسك شبّاك الضريح وتبدأ نجواها لموسى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها