آخر تحديث:13:12(بيروت)
الإثنين 13/09/2021
share

إحسان عبد القدوس.. الظاهرة الروائية

بشير البكر | الإثنين 13/09/2021
شارك المقال :
إحسان عبد القدوس.. الظاهرة الروائية احسان عبد القدوس
حينما نبحث في محرك البحث "غوغل" عن إحسان عبد القدوس، يتبادر إلى الذهن أنه بمجرد كتابة الاسم الأول يشتغل الذكاء الاصطناعي ويكمل المهمة، ويقترح إحسان عبد القدوس، لكن ذلك لا يتم. وكي نحصل على معلومات عن هذا الروائي، الذي كان بين الأوائل في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، يتطلب ذلك تدوين اسمه كاملاً كي تظهر التفاصيل الخاصة به. وحينما واجهتُ هذه العملية، طرحتُ على نفسي سؤالاً حول السبب، عن عدم جدولة كاتب عربي مشهور بصورة آلية في "غوغل" الذي يُفترض أنه يشتغل وفق خوارزميات مدروسة على أسس علمية، بلا مواقف مسبقة.

الأرجح أن ذلك يعود إلى قلة البحث عن عبد القدوس، وهذا يعني أن اهتمام الأجيال الجديدة بهذا الكاتب محدود، رغم أنه صاحب منجز مهم، حتى أن البعض وضعه في مواجهة نجيب محفوظ، مع أن مبدأ المنافسة غير قائم بينهما. وكان عبد القدوس أقرب إلى الشرائح الاجتماعية كافة، لأنه كاتب متعدد، روائي وقاص وصحافي، وكانت قصصه ورواياته تنشرها الصحف كمسلسلات اسبوعية. ورغم أنه خاض في كافة الموضوعات، إلا أنه ركز على المرأة وقضاياها وخصوصياتها ومشاكلها، وفتح لنفسه طريقاً خاصة، وأسلوباً فريداً على قدر كبير من الجرأة في تناول موضوع الجنس، الذي شكل الذريعة في تحرك المؤسسة الدينية ضده، والتي استجاب لها الرئيس جمال عبد الناصر، وضغط على الكاتب، الذي ارتبط معه بصداقة شخصية لم تشفع لعبد القدوس من دخول السجن في بدايات ثورة يوليو، بسبب كتاباته النقدية، وطالب بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة بإعدامه، لكن ناصر رفض ذلك، وبقيت علاقتهما مستمرة.

وبلغت شعبية عبد القدوس ذروتها في السبعينيات وسط جيل الشباب في العالم العربي، الذي بدأ يدخل عوالم التحديث، وينفتح على تطورات العصر. وكعادة كل جيل جديد في تمييز ذاته، شهد العالم العربي ظواهر كثيرة من خلال سماع بعض أنواع من الموسيقى وقراءة الرواية والشعر والفلسفة والاهتمام ببعض الأحزاب السياسية. والتقت غالبية الشباب العربي حول أغاني عبد الحليم حافظ، بينما كان شغف الجيل الأكبر سناً بأم كلثوم التي تحول غناؤها أمسيات موسمية طقسية، تستمع إليها فئة عمرية أوسع. وعلى المنوال ذاته، بعض قراء لم تستهوِهم سوى كتابات عبد القدوس، وهذا ما دفع أباطرة السينما إلى تحويل عدد كبير من رواياته إلى أفلام سينمائية لقيت رواجاً عربياً واسعاً، ومنها على نحو خاص رواية "لا أنام" التي أخرجها للسينما صلاح ابو سيف، ومثّل فيها عمالقة ذلك الوقت، عمر الشريف، فاتن حمامة، عماد حمدي، رشدي اباظة، يحيى شاهين، وهند رستم. ولم تكن العلاقة مع الرقابة على ما يرام، و تدخلت لتعديل النهاية في أفلام عديدة مثل "لا أنام"، و"البنات والصيف" بانتحار البطلة بدلاً من إحراقها، و"الطريق المسدود" بزواج البطلة بدلاً من انتحارها. ومن بين الأفلام التي تميز بها "أبي فوق الشجرة" من تمثيل عماد حمدي، عبد الحليم حافظ، ناديا لطفي، ميرفت أمين، وإخراج حسين كمال، وسيناريو سعد الدين وهبة.


(من فيلم "لا أنام")

عبد القدوس أكثر شعبية بين النساء منه بين الرجال. ويعود السبب، كما أشرنا، إلى أنه تسلل إلى عوالم نسائية سرية محرمة، وتجاوز أنماط الكتابة النمطية الوعظية، ليتحدث بلغة قريبة من الناس بعيدة من الإنشائية، كما فعل نزار قباني في الشعر. وذهب إلى ملامسة أقصى الممنوعات، ليرسم بورتريهات لنساء معذبات، ضائعات، حائرات، رومانسيات، وفاشلات في الحب والزواج. وتطرق إلى مشاكل بقي المحيط العائلي والمؤسسة الرسمية يمنعان الحديث حولها، لذلك فإن بعض رواياته كان ممنوعاً في غالبية المنازل، ومفقوداً دائماً في المكتبات والمراكز الثقافية، وحين يقتنيها أو يستعيرها أحد الشباب او الشابات عليه أن يخفيها جيداً عن عيون الأهل الذين يعتبرون عبد القدوس محرضاً على السير في دروب تنتهي إلى التمرد، وربما الضياع.

استعادة عبد القدوس اليوم، هي نوع من العودة الجريئة إلى ذلك الزمن الذي يعد تأسيسياً في الحياة العربية، ليس على مستوى الرواية والشعر فحسب، بل السياسة أيضاً. لذلك يشكل المحور الذي خصصته للكاتب، مجلة "بانيبال" بالانكليزية، التفاتة مهمة ونبيلة، من قبل الناشرة ماغي اوبانك، ورئيس التحرير صاموئيل شمعون، وقد بذلا جهداً استثنائياً لإصدار ملف يعيد تقديم هذا الكاتب بعد حوالى ثلاثة عقود على رحيله (1919-1990)، في وقت لا يريد الأوصياء على الأخلاق والثقافة، الحديث اليوم عن كاتب ترك بصمة خاصة، وما زالت أعماله الروائية وتلك التي تحولت للسينما تحظى بقراءات ومشهادات عالية. واحتوى ملف "بانيبال" على مقالة للكاتب التونسي حسونة المصباحي تحت عنوان "احسان عبد القدوس: الكتابة بروح الحرية والتحدي". وأخرى للكاتب المصري محمود الغيطاني بعنوان "إحسان عبد القدوس.. كاتبٌ عابر للطبقات!".  ونشرت المجلة فصلاً من رواية "لا أنام" بترجمة الأكاديمي الأميركي جوناثان سمولن مع مقدمة. وستصدر الرواية عن مطبوعات الجامعة الأميركية في القاهرة في أكتوبر المقبل. وترجم رافائيل كوهين قصة طويلة من المجموعة القصصية المعنونة "البنات والصيف". وتضمن الملف فصلاً طويلاً من رواية "أنف وثلاثة عيون" بترجمة جوناثان سمولن.


(من فيلم "دمي ودموعي وابتسامتي")

ومما جاء في مقال المصباحي، قوله "أنا مدين في تكويني الأدبي لإحسان عبد القدوس، مثلما أنا مدين بذلك إلى العديد من كتاب النهضة المصرية مثل د.طه حسين، والمنفلوطي، ويحيى حقي، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وسلامة موسى". وينسحب هذا الإعتراف على جيل السبعينيات من الكتّاب والكاتبات، الذين ساهمت كتابات عبد القدوس في تحريرهم/ن. وروايات "في بيتنا رجل"، "لا أنام"، "الوسادة الخالية" و"دمي ودموعي وابتسامتي"، طافت غالبية البيوت العربية حينما صدرت في السبعينيات، وساهمت في تكوين وعي جيل بالمشاكل، وفتحت العيون على خفايا إجتماعية وفساد إخلاقي يتفشى تحت ستار العادات والتقاليد.

ومن دون شك، لعب المحيط الذي ولد وعاش فيه عبد القدوس، دوراً اساسياً في تكوينه. فوالده محمد عبد القدوس من أُسر مصر المعروفة، واشتغل في التمثيل والتأليف، ووالدته هي الصحافية فاطمة اليوسف، اللبنانية التي هاجرت إلى مصر، وأسست مجلتي "روز اليوسف" و"صباح الخير". لهذا عمل في الصحافة واتجه نحو الكتابة الروائية، وبرز بفضل أعماله الروائية التي أشعلت المواجهات في قمة هرم سلطة ثورة 23 يوليو، التي لم تُقصِه من المشهد، رغم أن هناك من حسَبه وعائلته على الملَكية، فكل دراسته الابتدائية وحتى الثانوية كانت في هذه الأوساط.

ملف مجلة "بانيبال" محاولة تكريم لكاتب كبير نسيناه في غمرة المشاكل التي يعيشها العالم العربي، وبسببها تم تهميش الثقافة والمثقفين، ومحاربة الكتابة المختلفة كونها تحرض على التمرد على السائد. ولا يقف عند هذا، بل هو يشكل دعوة لنفض الغبار عن كتابات مهمة من الستينيات وما قبلها، في مصر وغيرها، وذلك لما لهذه الكتابة من مكانة رفيعة تم الحط منها اليوم بسبب قمع الحريات وسيادة الرأي الواحد وتشجيع التفاهة وثقافة اللامعنى. ومن المفارقات أن عبد القدوس لم يواجه حروب المتشددين دينياً فحسب، بل كان عليه أن يصدّ عن نفسه هجمات الناصريين واليساريين الذين اعتبروه كاتباً يشجع على الإنحلال الأخلاقي، ويروج لقيم البرجوازية الصغيرة.

وفي الختام، إن عدم الإهتمام بعبد القدوس من قبل الأجيال الجديدة يتجاوزه، كظاهرة روائية مهمة، إلى القطيعة مع فترة مهمة من تاريخنا الثقافي والسياسي، الستينيات التي شهدت أهم الروايات، وأجمل الأفلام، والإنقلابات العسكرية وهزيمة العام 1967، والكفاح المسلح أيضاً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها