آخر تحديث:12:25(بيروت)
الجمعة 10/09/2021
share

بقايا جمال

ناصر كامل | الجمعة 10/09/2021
شارك المقال :
  • بقايا جمال
    جمال عبد الناصر يكرّم شادية
  • عبد الناصر مصافحاً شكري سرحان
    عبد الناصر مصافحاً شكري سرحان
أكتب هذه الكلمات بعد نجاحي في مغالبة ترددي، بعدما اصطفت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وقائع  جديدة، ثم التحموا، مجتمعين، مع قانون أصدره رئيس الجمهورية العربية المتحدة، جمال عبد الناصر، ليتشكل نسق يستوجب التفكير.

نبع ترددي من شعور بأني استنفذت طاقة متابعة ما قاله السيسي في مداخلته التلفزيونية فكتبت في "المدن" عنها (أن يراك الرئيس فيدعمك.. شرط أن تتماشى!)، ثم أردفته بـ (المنيا وكفى!)، لكن وقائع جديدة أكدت أن عمق تأثير كلمات السيسي كان أعظم كثيراً من تقديري، ولم أنجح في المغالبة إلا حين حضرت بقايا جمال.

أربع وقائع تتابعت خلال أسبوع واحد: واقعة الحساب المزيف الذي نُسب للفنان أسامة عباس، ومداخلة الفنان علاء مرسي التلفزيونية، وما نشرته الفنانة نشوى مصطفى في "فايسبوك"، وأخيراً رسوم التصوير في القاهرة.

تغريدة مزيفة
واقعة "تغريدة أسامة عباس"؛ المنسوبة إليه عبر حساب في "تويتر" يحمل اسمه وصورته، ونصها: "لو المنتجين مش معتبريني عايش فأنا عايش وعاوز أشتغل"، ثبت أنها مزيفة، أكد ذلك، علانية، ثلاثة أشخاص: نقيب نقابة المهن التمثيلية، أشرف زكي، ونجل الفنان، والفنان نفسه، لكنها استدعت تغريدات سابقة، لفنانين آخرين، جرى نفيها (الفنان عبد الرحمن أبو زهرة أبرزهم)، أو جرى توضيحها، وهي تكشف بصورة دالة على أن مشكلة "التشغيل" فادحة التأثير، أبرز حالة في هذا السياق حين نشرتْ، قبل فترة، صور وهمية للفنان توفيق عبد الحميد ومرفق معها "منشور" يفيد أنه يضطر حاليًا للعمل كسائق بشركات توصيل الدليفري، ولكن عبد الحميد أوضح أن حقيقة ما جرى أنه حوّل سيارته الخاصة إلى تاكسي ليواجه ظروف الحياة الصعبة بعد اعتزاله الفن برغبته؛ بسبب عدم رضاه عما يقدم حالياً باسم الفن.

لا أحد ينكر وجود مشكلة تواجه الغالبية العظمى من الممثلين، في مختلف المستويات (العمرية والنجومية)، مشكلة سابقة على الجائحة (كورونا- كوفيد 19)، وقد زادت من وطأتها، كثيراً، ولا أحد ينكر أن وطأة المشكلة تبدو أفدح عند فئات الممثلين كبار السن، كما بالنسبة للممثلين الأقل شهرة، وتظهر مأسويتها البالغة عند الممثلين الصامتين (المجاميع) والثانويين (الكومبارس)، وأخيراً لا أحد ينكر أن المشكلة تشمل كل العاملين في باقي العناصر الفنية، وأنها تضرب في كل المجالات: مسرح، سينما، تلفزيون، موسيقى وغناء، وأنها في بعض هذه المجالات مأسوي أكثر من غيرها. المشكلة ظهرت جلية، وبصورة صارخة مع مداخلة الرئيس؛ فقد ظهر للجميع أنه وبصفة شخصية متداخل، مداخلة لصيقة بمختلف عناصر العملية الفنية.



معاناة صامتة!
كتب الناقد طارق الشناوي، مقالاً بعنوان "كبرياء أسامة عباس"، فذكّر القراء بتاريخه، ثم ذكر انطباعاً شخصياً، وحكماً: "الفنان نبض عروقه كبرياء ولا يستجدي العمل، وهذا هو أول رد فعل شعرت به وأنا أقرأ (البوست) المنسوب إليه وهو يستجدي العمل، أيقنت أن أسامة لا يمكن أن يفعل ذلك، وهو ما سبق أن فعلوه مع توفيق عبدالحميد، واضطر للتكذيب، للدفاع عن كرامته"، ما يعنيه الشناوي أن على الفنان أن يعاني في صمت كي يحفظ كرامته!

والشناوي حين يذكر أن واقعة أسامة عباس أعادت "مجددا فتح الباب أمام السؤال عن الكبار من المؤلفين والمخرجين والممثلين الذين صاروا خارج أجندة شركات الإنتاج"، ينبه القارئ إلى أن هؤلاء "الكبار" هم فقط محل الاهتمام، وهذا في الواقع أحد جذور المشكلة في الأساس، يضاف إليه جذر ثان ينطلق من رؤية قاصرة يعبر عنها في مقاله "الكسل وغياب الخيال هو العامل الأساسى فأغلب المخرجين يأخذون فقط ما هو متوفر أمامهم ولايزال أمام أعينهم".

مرسي يضرب
هناك مشكلة يعترف بها الجميع، فما هو الحل؟
الشناوي يكتب أنه "ضد تقنين وجود الفنان بعدد من الأدوار، وهو ما يطالب به البعض بحجة إتاحة الفرصة لمن لا يعمل"، ويذكر أن "على النقابات أن تذّكر دائما شركات الإنتاج والمخرجين بأسماء الفنانين، الذين لا يعملون، من دون أن تفرضهم".

لكن ما يقف الشناوي ضده هو ذاته ما أبرز أهمية الواقعة التالية، ففي ذات البرنامج الذي نفى فيه أسامة عباس، عبر مداخلة هاتفية، أنه صاحب التغريدة، تداخل علاء مرسي، فطالب "أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، تنظيم تشغيل الفنانين". بعض تفاصيل ما قاله مرسي هو ما استدعى السيسي وجمال معا، فقد عبر عن موقفه، وموقف غيره، كما يراه، بهذه الصورة: "أنا أمتلك موهبة وبمثل فقط، أما إني أدير موهبتي وأعمل لها تشغيل أو تواجد من خلال علاقات أو أو"،.. كتير من الفنانين على مدار المهنة وتاريخها، فنانين كبار وعظماء جداً لا يمتلكون غير إنه يمثل بموهبته فقط"، وأوضح ما يطالب به النقيب: "تنظيم عملية التشغيل بالاتفاق مع الشركات الكبيرة للإنتاج من خلال بروتوكول، وأعتقد ده تقريبا سمعت إنه تم، والبحث عن المواهب العظيمة من أساتذتنا الموجودين في بيوتهم، ويأنفوا إنهم يرفعوا سماعة التلفون على مخرج أو منتج أو ممثل حتى زميله يقول له عايز أشتغل".

قبل نحو شهرين كان مرسى قد "تداخل" في برنامج تلفزيوني، ونقلت مواقع خبرية، بعضاً مما قاله، تحت عنوانين مختلفين، عنوان "مهذب" وشخصي: "أعاني من التجاهل في الوسط الفني"، والثاني صارخ وعام: "أعاني من الركنة والتجاهل والبطالة ضربت كبار الفنانين"، تحت العنوانين، معاً، استحضر مرسي الدولة والرئيس، بذات نفسه: "الرئيس عبدالفتاح السيسي، دوماً يؤكد أهمية القوى الناعمة لمصر... ألوم الدولة وزارة الثقافة ووزارة الإعلام... هناك كم بطالة كبير حدث لكبار الفن وشخصيات كبيرة في مجال الفن... الاحتكار وسيطرة الدولة هو شيء عظيم، ولكن أن الاحتكار يكون في الانتاج بالمحسوبية والأسر الفنية.. أناشد الجمهورية بالاهتمام بالمواهب والأجيال الجديدة وأعضاء النقابات، الرئيس دوما يؤكد على أهمية القوى الناعمة لمصر والفن جزء أساسي منها".

حظ
بينما كانت مداخلة الرئيس التلفونية/ التلفزيونية ما زالت طازجة، حارّة، كتبت الفنانة نشوى مصطفى في "فايسبوك"، موجهة خطابها للرئيس، مباشرة: "فرحت بحوار سيادة الرئيس مع الكاتب عبد الرحيم كمال فرحة كبيرة ممزوجة بشوية إحباط"، "الفرحة"، لا تأخذ مساحة كبيرة مما نشرته؛ فالرئيس "يعلي" من قيمة الفن الحقيقي، ويعتبره "سلاحاً مهم جداً لنشر الوعي"، وهي تستفيض في تبيان الإحباط وأسبابه، فأولا تعرض الموضوع: شاركت في مسرحية، ووجهت للرئيس الدعوة كي يذهب فيشاهدها!، ثم ذهب وزيران (وزيرة الثقافة ووزيرة الهجرة) وشاهداها، ثم تكشف، ثانياً، سببين للإحباط، الأول: "تخيل يا ريس المسرحية لم تسجل"، والثاني: "كان نفسي حضرتك تتفرج على المسرحية معلش بقى معنديش حظ أنا عارفة نفسي".

ذاتها
من القناة التلفزيونية ذاتها، والبرنامج ذاته، و"الإعلامية" ذاتها التي استقبلت مداخلة الرئيس، عرفتُ ما جرى في الجولة الأولى من أزمة رسوم التصوير، حيث كشف الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، في مداخلة هاتفية، تفاصيل اجتماعه مع اللواء خالد عبدالعال، محافظ القاهرة، بشأن رسوم التصوير السينمائي والدرامي في شوارع المحافظة. وقال، زكي: اجتمعت مع محافظ القاهرة بحضور عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، والذي أكد إعادة تقييم قيمة الرسوم المعلنة بما يتفق مع طبيعة العمل، مع إعلان دعمه الكامل للسينما والدراما.. محافظة القاهرة ستقر رسوماً، لكن قيمتها ستكون مناسبة لنا، نحن لسنا معترضين على دفع رسوم لكن بما لا يعيق العملية الإنتاجية.. ومن المقرر عقد جلسة تفصيلية مع محافظ القاهرة بشأن قيمة الرسوم".

وبمجرد نطق، زكي، لكلمتي: عقد جلسة، بدأت الجولة الثانية، والتي جاء إعلان انطلاقها تحت هذا العنوان: "غرفة السينما ترفض تمثيل نقيب الممثلين لها بلجنة بحث أزمة رسوم التصوير"، في بيانها أعربت عن "رفضها ما أعلنه سكرتير عام محافظ القاهرة عن (من) تشكيل لجنة لبحث أزمة رفع رسوم التصوير مع نقيب المهن التمثيلية د.أشرف زكي، مؤكدة أنها الجهة الوحيدة المنوط بها التحدث عن أعضائها والدفاع عن مصالحهم فيما يتعلق بقرار رسوم التصوير الصادر من محافظة القاهرة".

الغرفة كانت حاسمة فهي: "الممثل الوحيد لجميع المنتجين والموزعين وأصحاب دور العرض، أنها الجهة الوحيدة المنوط بها التحدث عن أعضائها والدفاع عن مصالحهم في ما يتعلق بقرار رسوم التصوير الصادر من محافظة القاهرة.. وتم مخاطبة وزارة الثقافة باعتبارها المسؤولة عن الثقافة والفنون، ومن ثم لا يصح أن تبحث أمور تخص صناعة السينما في غيبة أصحاب الشأن الحقيقيين".

المسألة وجودية، مسألة "الممثل الشرعي الوحيد"، ولغرفة صناعة السينما، وهي عضو في اتحاد الصناعات المصرية، بعض الوجاهة في الحديث بهذه النبرة، فهي بحسب القانون تضم في عضويتها مختلف القطاعات المتعلقة بالإنتاج السينمائي، من منتجين، واستوديوهات ومعامل طبع وتحميض، وموزعين، ودور العرض.

الجولة الثانية بين الغرفة والنقابة تدور في سياق مواجهات مستمرة، بعضها منطقي، فالغرفة تمثل جهات انتاج وصناعة، والنقابة تمثل جزءاً من العاملين (هناك نقابتان: المهن السينمائية، والمهن الموسيقية)، وبعضها تظهر فيه مصالح ضيقة، متضاربة، وحزازات شخصية، آخر هذه المواجهات تلك التي جرت حول فيلم "الإنس والنمس"، قبل أسبوعين من تفجر "أزمة رسوم التصوير"، وأصدرت غرفة صناعة السينما وقتها بياناً شديد اللهجة ينتقد تصريحات لنقيب المهن التمثيلية، أشرف زكي. وما يهمنا في ذلك البيان، في سياقنا هذا، فقرته الأخيرة: "الغرفة تهيب بنقيب المهن التمثيلية لاتخاذ الحذر والحيطة والكف عن المساس بأعضاء الغرفة أو تناول المؤسسات من خلال وسائل الإعلام في وقت يتطلب من الجميع تضافر الجهود مع القيادة السياسية لخدمة الثقافة والفنون في مصرنا العزيزة".

توت عنخ أمون أرخص
عن رسوم التصوير هناك ملاحظة متصلة مباشرة بالموضوع المالي، وأخرى متصلة بطبيعة الإدارة.

فلكي يتمكن القارئ من الحكم على تقدير محافظة القاهرة، حيث قررت تحصيل مبلغ  15 ألف جنيه مصري مقابل ساعة التصوير الواحدة في شوارعها وميادينها وكباريها (جسورها) وأنفاقها، و100 ألف جنيه للتصوير في اليوم الواحد، فعليه مقارنتها بالرسوم التي قررها المجلس الأعلى للآثار لتصوير الأفلام الروائية والسينمائية والتجارية في جميع المناطق والمواقع الأثرية المكشوفة والمساجد والكنائس والأديرة والقلاع، فقيمتها تمثل 20% من رسوم القاهرة، ما يعني أن التصوير في الشارع خمسة أضعاف التصوير في المواقع الأثرية، أو بصيغة آخرى، التصوير مع توت عنخ أمون أرخص من التصوير في أي الشارع.

ملاحظة طبيعة الإدارة تتبين من استعراض "كيانات المحافظة"، وتعبير "كيانات" هذا مستل من الموقع الرسمي لمحافظة القاهرة، ففيه نتبين أن كل من يشغل منصباً هناك، أما ضابط شرطة أو جيش، سابق، مع استثناءات طفيفة، تبدو غريبة، وربما مريبة، وسط هذه السيادة المطلقة للفئتين.

جمال و"تجريم" الوسطاء
هناك مشكلة تشغيل، وهناك مشكلة تواصل، لا أحد ينكر هذا، وقد جعلت مداخلة السيسي الأمر يبرز بجلاء. عبد الرحيم كمال كان "حظه" محلاً لـ"حدس"، وجعل الجميع ينطق بالكلمة الشائعة "اشمعنى" (لماذا هذا)، ووقائع أسامة عباس وعلاء مرسي ونشوى مصطفي والرسوم أكدت أن الخلل "الشامل" متعلق بغياب "الوسطاء" بين الفنان والمنتج، وهي مهنة مهمة في أي انتاج وسوق كبير مثل مصر. معروفة للغاية مهنة وكلاء اللاعبين في نطاق كرة القدم، ومعروفة كذلك مهمة وكلاء الفنانين، هؤلاء الذين يقومون بالدور الذي تتحدث عنه باستفاضة كلمات الفنانين، وفي الوقائع الأربع كان السيسي يلعب دور الحامي والمخلص، بصورة ظاهرة (بالاسم المباشر) أو بصورة ملتوية (القيادة السياسية).

أين رئيس الجمهورية العربية المتحدة، جمال عبد الناصر، من هذا كله؟
إنه موجود عبر توقيعه على القانون الرقـم 57 لسنة 1958، "بشأن تنظيم مكاتب الوسطاء في إلحاق الممثلين والممثلات وغيرهم بالعمل في الإقليم المصري".
فهذا القانون جعل من العمل في هذه المهنة أشبه ما يكون من العمل في الأعمال المنافية للآداب، القوادة والدعارة بتعبير مباشر وفج.
فالقانون الذي يخاطب "كل شخص أو هيئة تعمل كوسيط في إلحاق الممثلين أو السينمائيين أو الموسيقيين أو المغنين أو الراقصين أو أي شخص ممن يقوم بعمل من أعمال التمثيل المسرحي أو السينمائي وما شابهها بالعمل"، ينص على أنه "لا يجوز الاشتغال بأعمال الوساطة المبينة في المادة السابقة إلا بعد الحصول على ترخيص بذلك من وزير الإرشاد القومي ويكون الترخيص لمدة سنة ويجوز تجديده ويحدد وزير الإرشاد القومي قواعد منح الترخيص وتجديده ورسومه بقرار منه بعد موافقة وزير الداخلية".

لا حاجة للاستغراق في عرض نصوص القانون، يكفي منها ذكر الآتي: "على مصلحة الفنون إرسال كشف بأسماء المقيدين بالدفتر والبيانات الخاصة بهم وما تم بشأنهم إلى وزارة الداخلية بكتاب موصى عليه في أول كل شهر... لمأموري الضبط القضائي في حدود اختصاصهم دخول مكاتب الوسطاء للتفتيش عليها والإطلاع على دفاترها للتحقق من تنفيذ الأحكام الواردة في هذا القانون والقرارات الصادرة تنفيذاً له".

التشديد المبالغ فيه على عمل "الوسطاء" تعبير عن سياسة عامة "عُليا" تكره وتجرّم كل شكل من أشكال العمل: السياسي والاجتماعي بين "الزعيم" و"الشعب"، فلا أحزاب ولا نقابات مستقلة ولا جمعيات أهلية، ولا بالطبع أفكار وتصورات ورؤى، وما جعل السياق متصلاً أن حديث السيسي مع عبد الرحيم كمال يستلهم المنظور نفسه، وقد عززت الوقائع الأربع هذا الاستنتاج.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها