آخر تحديث:12:03(بيروت)
الأربعاء 01/09/2021
share

المنيا وكفى!

ناصر كامل | الأربعاء 01/09/2021
شارك المقال :
  • المنيا وكفى!
    وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم
  • كرم زهدي
    كرم زهدي
  • محافظ المنيا اللواء اسامة القاضي
    محافظ المنيا اللواء اسامة القاضي
أحياناً يحلم الكاتب بهذا، لكن نادراً ما تأتيه أدلة على صواب بعض ما كتب، بهذه السرعة، وهذا الوضوح.
فقد كتبت، هنا، في "المدن"، ضمن "أن يراك الرئيس فيدعمك.. شرط أن تتماشى!"، أن "قطاعات كبيرة من أجهزة الدولة الرسمية، قد يكون قد قاربها بعض الاستغراب من الطريقة التي أعلن بها الرئيس دعمه، فهناك منها من لا يملك موازنة تكفي لإصلاح المكاتب والكراسي، اللائحة طويلة"، وكان من بين الأمثلة، القليلة، التي قدمتها، حال الهيئة العامة لقصور الثقافة، وبعد يومين، فقط، "تكرمت" وزيرة الثقافة، إيناس عبد الدايم، وحققت الحلم النادر.

كانت، عبد الدايم، تتفقد، وبرفقتها محافظ المنيا، اللواء أسامة القاضي، الأعمال الإنشائية وتطوير ورفع كفاءة مسرح قصر ثقافة المنيا تمهيداً لافتتاحه نهاية العام الجاري.

طيّر الصحافيون تفاصيل الحدث، وجاءت العناوين على هذا النحو: بعد تعثر دام 23 عاماً.. الثقافة تنهي أعمال مسرح قصر ثقافة المنيا تمهيداً لافتتاحه. "عبد الدايم": أعمال بناء مسرح قصر ثقافة المنيا توقفت بسبب الأزمات المالية. وفي التفاصيل ذكر الصحافيون أن "أعمال بناء مسرح قصر ثقافة المنيا بدأت قبل نحو 30 سنة، لكنها توقفت مرات عديدة، بسبب أزمات مالية، ولتدبير المخصصات المالية، وجرى استئناف الأعمال مرة أخرى عقب زيارة الوزيرة الأخيرة إلى جامعة المنيا، وكانت قبل نحو عامين".

في المساء حلت الفنانة الدكتورة الوزيرة، ضيفة، عبر الهاتف، على أحد البرامج التلفزيونية، وتلقفت المواقع الخبرية ما صرحت به خلاله، وصاغته تحت عنوان غريب جداً: "وزيرة الثقافة: حالة وفاة سبب تعثر أعمال قصر ثقافة المنيا 23 عاماً"، وفي تفاصيل الخبر، نقرأ: قالت الوزيرة: "إن قصر ثقافة المنيا، الذي انتهت أعمال صيانته تمهيدًا لافتتاحه، كان يعاني بعض المشكلات الإدارية"، وأضافت: "أن المقاول الذي تم الاتفاق معه لمباشرة الأعمال، هو ما أدّى إلى تعطل الأعمال على مدار السنوات الماضية"، وأشارت إلى أن "توقف العمل في قصر الثقافة طيلة هذه الفترة غير طبيعي، موضحة أن جزءًا من القصر كان قد تم إنشاؤه لكن تعطل العمل أدّى إلى إحداث الكثير من الخسائر"، وأوضحت أنه منذ العام 2014، بدأ العمل في قصر ثانٍ، وقد انتهت المرحلة الأخيرة من الأعمال الجارية هناك، واصفة ما تحقق بأنه إنجاز كبير، لا سيّما أنه يتم تلاشي الكثير من المشكلات التي حدثت على مدار الفترات الماضية".

ماذا عن موضوع "حالة وفاة"؟
لا بد لك أن تعود للمقطع المصور لتكتشف أن المقاول توفي.
هذا يكفي ويزيد.
يكفي أن تتسبب تصريحات الفنانة الدكتورة الوزيرة في أن تفتح لي نوافذ على المنيا، نوافذ على ذاكرة معطوبة، وهذه محاولة لترميمها.
***

في خريف 2004 نجحتُ في حلحلة عزيمة صديق، كاتب ومسرحي مثقف ثقافة متنوعة غزيرة، في البقاء في حال العزلة، وأقنعته بالكتابة لصحيفة عربية كنت أعمل في مكتبها في القاهرة، وزارني مرات عديدة، وفي أحدها تعرف على مدير المكتب، كان صحافياً صاعداً بسرعة جنونية جعلته يقترب من مواقع صنع القرار، ودار بيننا حديث طويل، عن المنيا، وما جرى فيها خلال العقد السابع والثامن من القرن العشرين، كيف كانت جامعة المنيا، وكيف تحولت، كيف كان حال المسرح هناك، وهكذا، ثم قال صديقي: "تصور، غالبية قيادات الجماعات الإسلامية كانت تتطلع لليساريين في الجامعة باعجاب بالغ، تصور، كرم زهدي، كرم ذاته، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، كان يمثل في فرقة قصر ثقافة المنيا، وكان لحوحاً جداً حتى قبله ضياء المرغني وضمه للفرقة، مثّل في مسرحيات، هناك صور تظهره في إحداها وهو يؤدي دور عسكري". ثم، وكأن صاعقة أصابته، وقف الصحافي الصاعد بسرعة جنونية، وصاح: "فين الصورة"، استغرب صديقي المسرحي، الزاهد في حيازات الحياة الأولية، وأجاب: الصورة موجودة. وهكذا جاء بالصورة، وتعلل مدير المكتب بالحاجة إلى نسخها بصورة فنية، وأنه سيعيدها بعد يومين، ولم يفعل، أبداً.

صديقي المسرحي عليم بأحوال مسقط رأسه، عرف وهو فتى، من أشقاء يكبرونه، الكثير من أجواء المنيا في النصف الأول من السبعينيات، عرف عبرهم الشاعرة والسينمائية والأكاديمية صفاء فتحي، وعرف الأخوة الميرغني: رجائي (الصحافي والنقابي والمثقف)، ضيائي (الممثل والمؤلف والمخرج)، بهائي (المخرج- قدم 25 عملاً مسرحياً في مسرح الثقافة الجماهيرية)، وعرف قيادات الصف الأول من الجماعة الإسلامية والجهاد والإخوان، من أبناء المنيا، يصغرهم بعقد على الأقل، لكن في الريف المصري، لا يعد هذا حاجزا للمعرفة والاتصال.

كانت المنيا، وجامعتها، في مطلع العقد السابع، مكتظة بيساريين من مختلف المشارب، أكثرهم غادر صوب العاصمة، قلة بقيت في المنيا، الذاهبون صوب القاهرة يعودون في إجازات، يحملون كتباً وشرائط تسجيل، وأفكاراً، وأحلاماً، وفي النصف الثاني من العقد، دارت الدفة، وطغت الذقون، وسيطر النقاب.

ونالت عائلة صديقي المسرحي نصيبها، ابن معتقل ضمن من جرى اعتقالهم من قيادات تنظيمي الجماعة الإسلامية والجهاد عقب اغتيال الرئيس أنور السادات (6 أكتوبر 1981)، وابن هاجر بحثاً عن لقمة عيش، وبعض السكينة، وحمل صديقي "تراثاً" مزدوجاً، ومعرفة عميقة بتحولات متباينة.

عرفت عبر حكاياته الكثير عن هذه الفترة وعن تاريخ المنيا المعاصر، التاريخ المطمور والمغيب.

يقينان يرددهما: حين يقول الفلاح المنياوي: الفقر دكر (ذكر) يقصد أنه لن يُحلب ولن ينجب، سيظل الحال كما هو. الإسلاميون نتاج طبيعي للفقر الدكر، لكن سلطة السادات جعلته يتكاثر.
***

كنا معا حين جاء جاك دريدا للقاهرة (فبراير 2000)، وكانت صفاء ترافقه، وكان صديقي متردداً في الحضور، ووصف حضور "المثقفين" المصريين، الكثيف، بأنه "مولد، ظهور من أجل الوجاهة، لم يقرأ أغلبهم حرفاً واحداً للرجل"، وحين قال فيلسوف التفكيك: "أن محاضرته بمثابة شهادة إيمان بالجامعة التي ينبغي لها أن تتمتع بحرية غير مشروطة في التساؤل والاقتراح، حتى تكون المعقل الأخير للمقاومة النقدية، وهذه المقاومة غير المشروطة يمكن أن تضع الجامعة في مواجهة مع عدد كبير من السلطات: سلطات الإعلام، والسلطات الاقتصادية، والسلطات الثقافية والإيديولوجية"، قال صديقي بصوت مسموع: "قل لهم فليعيدوا نصر أبو زيد من منفاه، جامعاتنا آشبه بالقبور، إن لم تكن مواخير علمية"، ثم لم يحتمل صديقي رد دريدا على أسئلة أساتذة الفلسفة المصريين: "استمعت إلى خطاب لم أفهم منه شيئا وأنصحكم بالرجوع إلى ما كتبت إذا أردتم محاورتي"، فقام وغادر القاعة.

وكنا معاً في ذلك المساء الخريفي المفجع. في ليل الخميس 5 سبتمبر2005 احترق خمسون (50) مسرحياً ومثقفا وأستاذاً جامعياً في مسرح بني سويف، بسبب الإهمال والفوضى والفساد، وكنا نعرفهم جميعاً، نعرفهم معرفة زملاء وأصدقاء وأحبة، وكان بهائي من بينهم.
***

ولأنه لا بد من إغلاق تلك النوافذ، فلتكن الخاتمة زيارة "البوابة الإلكترونية لمحافظة المنيا"، فقد نجد فيها آخر الأخبار عن قصر الثقافة، وجولة الوزيرة، لكننا وجدنا ما هو أفضل.

فتحت عنوان أخر الأخبار، نقرأ تحت صورة المحافظ الآتي:
محافظ المنيا يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة حلول العام الهجري الجديد.
ارسل اللواء أسامة القاضي، محافظ المنيا، برقية تهنئة للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، وذلك بمناسبة الاحتفال بحلول العام الهجري الجديد.
هكذا، إذن، لا شيء سيزيل التهنية بمناسبة مضى عليها أكثر من عشرين يوماً، سوى مناسبة قادمة، ستظل التهنئة، موجودة حتى تحل مكانها تهنئة آخرى.

فلنبحث، فقد نجد شيئاً يخرجنا من المنيا بأمل، أمل أن الوعي الشامل قد بدأ.
سنجد سيرة السيد المحافظ، ومنها سنعرف أنه "تخرج من كلية الشرطة وتدرج في المناصب، وصولًا لرتبة لواء بجهاز الأمن الوطني"، وأنه في منصبه منذ نوفمبر/تشرين الأول 2019.
سنختم ببحث عن المحافظين السابقين لمحافظة المنيا، وسنلاحظ خلو اسم المحافظ الذي تولى المنصب من سبتمبر/أيلول 2012 حتى الشهر نفسه من العام 2013، إنه الدكتور مصطفى عيسى، الأستاذ بقسم النساء والتوليد بكلية طب المنيا محافظاً للمنيا، الذي عينه الرئيس الأسبق، محمد مرسي، والذي نقرأ ضمن خبر تعيينه المنشور في جريدة الأهرام، أنه "أول أستاذ جامعى يشغل منصب محافظ المنيا من 21 محافظاً تعاقبوا على المحافظة منذ ثورة 23 يوليو العام 1952 حيث كان يشغل منصب المحافظ لواء شرطة أو جيش أو مستشار باستثناء المهندس الزراعى فاروق عفيفي الذي تولى منصب محافظ المنيا خلال فترة حكم الرئيس الراحل محمد أنور السادات".

هكذا تخلو لائحة المحافظين السابقين الموجودة في "البوابة الإلكترونية لمحافظة المنيا"، من اسم محافظ شغل المنصب لعام كامل.

من طرافة اللائحة أنها قد تخدع القارئ فيظن مثلاً أن لقب "السيد" الذي يسبق بعض الأسماء تعني أن حامله مدني، لكن ببحث بسيط يتبين أن هذا ليس صحيحاً، حيث أن السيد/أحمد كامل، الذي شغل منصب محافظ المنيا لأربعة أشهر فقط (مايو/أيار- اكتوبر/تشرين الثاني1968)، هو: قائد عسكري وسياسي مصري، شغل مناصب بارزة، منها محافظ أسيوط ومحافظ المنيا ومحافظ الإسكندرية، وكان آخرها رئيس جهاز المخابرات العامة. و كان ضمن المتهمين في قضية مراكز القوى سنة 1971.
***

وهكذا يمكننا أن نقول: كفي بالمنيا دليلاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها