آخر تحديث:07:44(بيروت)
الإثنين 30/08/2021
share

لبنان..ملكات الجمال الاوائل وأزمة بنك إنترا

محمود الزيباوي | الإثنين 30/08/2021
شارك المقال :
  • لبنان..ملكات الجمال الاوائل وأزمة بنك إنترا
    ملكة جمال المصارف، نهاية عام 1966.
  • الملكة بين وصيفتَيها.
    الملكة بين وصيفتَيها.
  • لبنان في زمن "جمال البنوك وسيولتها
    لبنان في زمن "جمال البنوك وسيولتها
متى جرى انتخاب أول ملكة جمال في لبنان؟ تتضارب المعلومات في هذا الشأن، والأكيد أن الآنسة ليلى زغبي فازت بهذا اللقب في سنة 1930، وسافرت مع ملكات الجمال الأوروبي إلى البرازيل، كما جاء في خبر نُشر مع صورة "مس لبنان" في العدد الثامن والعشرين من صحيفة "المعرض". تكرس هذا التقليد باكرا في عهد الانتداب، وازدهر ازدهارا عظيما في عهد الاستقلال. تضاعف عدد ملكات الجمال بشكل عجيب منذ مطلع الخمسينات، وباتت إقامة هذا النوع من الحفلات سمة من سمات المجتمع اللبناني.


تواصل هذا التقليد في السنوات التالية، وبلغ القمة في الستينات، حيث ظهرت صنوف جديدة من الملكات، منها على سبيل المثل لا الحصر ملكة جمال نادي الشبيبة الكاثوليكية، ملكة جمال الشبيبة الكلدانية، ملكة جمال الماس، ملكة جمال كلية التجارة، وملكة جمال العلم الأميركي. في نهاية 1966، نشرت مجلة "الشبكة" تحقيقا لافتا حول هذه الظاهرة، وجاء في مقدّمه هذا التحقيق: "خلال عام 1966، انتخب لبنان 66 ملكة جمال وأناقة ورقص وإلى آخره. وهو رقم قياسي بالنسبة لأي بلد عربي أو أجنبي، ومعنى هذا ان الجمال وافر والجميلات كثيرات وسبحان الله الجميل الذي يحب الجمال".

وأضاف صاحب التحقيق في هذا السياق: "اليوم وبعد حساب الأرباح والخسائر في عام 1966، نستطيع أن نقول بكل ثقة واعتزاز، ان هذا البلد الصغير الذي لا يزيد عدد أبنائه عن المليونين والكم ألف، ليس فقط البلد الوحيد الذي اجتمع له جمال الطبيعة وسحرها، وجمال النفوس وكرمها، وجمال البنوك وسيولتها، وانما أيضا وأيضا وأيضا، جمال الوجوه وحلاوتها. أجل وأصبح بإمكاننا، قياسا على النتيجة الموضوعة بين أيدينا، أن نقول ان لبنان هو بلد الجمال بكامل اشكاله وفروعه. 66 ملكة تم انتخابهن من بين مليون ونصف مليون بنت، باعتبار ان عدد النساء في لبنان يوازي، إن لم يكن يزيد قليلا، عدد الرجال. وبما ان ما من امرأة لبنانية يمكن ان يقال انها متقدمة في السن، فإن كل امرأة لبنانية هي بنت، وهي صالحة لتُنتخَب ملكة جمال".


ملكة جمال المصارف

تضمّن هذا التقرير قائمة بأسماء الملكات الست والستين، وكانت بينهن ملكة خاصة بالمصارف تُدعى هيام قاضي. في الواقع، تمّ انتخاب هذه الملكة في الشهر الأخير من عام 1966، واحتلت صورتها بهذه المناسبة غلاف مجلة "الأسبوع العربي". بحسب المقالة التي حملت توقيع نديم الهاشم في هذه المجلة، لم تكن هذه المباراة هي الأولى من نوعها، وقد نظمها كما جرت العادة رجل الأعمال عيسى ينّي في صالة الاحتفالات الخاصة بفندق كارلتون في بيروت، غير أن الصالة لم تكن غاصة بالزبائن هذه المرة، "ربما لتضخّم عدد الحفلات المماثلة خلال هذا العام، أو بسبب الخضّة الاقتصادية التي ما يزال لبنان يعاني منها". والمقصود بهذه الخضة الاقتصادية اعلان افلاس بنك انترا في خريف ذلك العام.

كما هو معروف، أسّس رجل الأعمال الفلسطيني يوسف بيدس بنك إنترا مع مجموعة شركاء له في 1951، برأسمال بلغ مليونيّ ليرة لبنانيّة، وضاعف هذا المصرف رأسماله ثلاث مرات في الستينات، وباتت له فروع وشركات استثمار في كلّ أنحاء لبنان، وفي العديد من البلدان العربيّة والأجنبيّة. بلغت مؤسسة بنك أنترا أوج النجاح في مطلع عام 1966، حيث تجاوزتْ موازنتها خمسة أضعاف موازنة الدولة اللبنانيّة، واستحوذت على أربعين بالمئة من مجمل ودائع القطاع المصرفي اللبناني. في منتصف أيلول، واجهت المؤسسة مشكلة سيولة مستعصية، فطلب يوسف بيدس من رئيس الجمهورية شارل حلو دعمَه لنيل قرض من مصرف لبنان لمواجهة هذه الأزمة، فلم يلبّ النداء، وامتنع عن مدّ حبل نجاة إلى بنك إنترا. في مطلع تشرين الأول، سحبتْ بعض المصارف، الوطنية والأجنبية، ودائعها من بنك إنترا، وتسبّب ذلك بتهافت الناس لسحب أموالهم، وبعد بضعة أيام، أضطر البنك إلى اغلاق أبوابه، وأعلن إفلاسه.

جرى انتخاب ملكة جمال المصارف على وقع هذه الأزمة في حضور سفير الكويت خالد جعفر، وسفير السودان مصطفى مدني، وملكة جمال فلسطين فريال عصفور. تنافست على هذا اللقب ثلاث عشرة مرشحة، كبراهنّ في الخامسة والعشرين، وصغراهنّ في السابعة عشرة، وكانت بينهن صبية عدنيّة الجنسية تُدعى نجيبة إبراهيم. افتُتِح الحفل بوصلة رقص شرقي أدّتها راقصة مغمورة، ثمّ غصّت حلبة الرقص بالجمهور الحيّ الذي راح يتمايل على أنغام الجيرك والتشاتشاتشا، بعدها قدّمت العارضات عرضا جرى فيه استعراض فستان سواريه من خياطة جوزيف قسطنطين بغيّة بيعه بالمزاد العلني، وكان هذا الفستان من نصيب عقيلة سفير الكويت لقاء سبعمئة ليرة لبنانية.

في الثانية صباحا، بدأت مراسم انتخاب الملكة، ففازت نهاد كك بلقب الوصيفة الثانية، وهي طالبة بكالوريا في معهد العائلة المقدّسة. ثمّ فازت ديانا متسويان، وهي رسامة تعمل في فرع الهندسة عند شركة كتانة. بعدها فازت هيام قاضي بلقب الملكة، وجرى تتويجها وهي ترتدي فستانا موشّحا بالأوراق النقدية. الملكة طالبة فلسفة في الكلية العلمانية، وكابتن الفريق الرياضي في هذه المدرسة، وهي بطلة رياضية فازت ببطولة لبنان للركض للثمانمائة متر، كما أنها فازت في الصيف بلقب وصيفة شرف ثانية لـ"مليحة العرب" غلاديس أبو جودة التي دخلت لاحقا عالم التمثيل، وعُرفت باسم حبيبة.


خزنة صغيرة

قالت الوصيفة الثانية إنها مودعة مبلغ ثلاثين ألف ليرة في بنك روما، ورأت أن "أزمة انترا رح يصلحوها قريبا، وهي أزمة عابرة". في المقابل، قالت الوصيفة الأولى أنها لا تدخر في أي مصرف ولا في أي خزانة حديدية، ومبدأها في الحياة: "اصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب". أما ملكة جمال البنوك، فقالت إنها تهوى الرياضة وقراءة الشعر وكتابته، وتحب من الشعراء ابن الرومي وأبا فراس الحمداني، وذكرت من نظمها قصيدة مطلعها: "قال لي انت لعبتي/ فضحكت وسرت مترنّمة/ وشعري قيثارة الرياح/ أضحى لحنا حالما".

تحدثت هيام قاضي عن المال والبنوك، وقالت: "أحب ان يكون لي بعض المال وليس الثروة. لماذا؟ أنا أعتقد، هذا كرأي شخصي، انها تضيّع صفة إنسانية في الانسان، خذ مثالا على ذلك البخيل أو قساوة بعض الأغنياء". وأضافت: "لست متموّلة، ليس عندي أي رصيد يخصّني في بنك، عندي رصيد بسيط أودعه في علبتي الخاصة في المنزل". وتطرّقت في الختام إلى أزمة بنك أنترا، وقالت: "انها أزمة، يجب ألا تؤثر على الاقتصاد بشيء على الاطلاق. هناك حل ولا شك، ولكن معلوماتي الاقتصادية غير كافية، ولكن ما في وسعي قوله هو انه يجب ان تعود الثقة إلى بنك انترا".

لم تعد الثقة إلى بنك أنترا بعد سقوطه. ولا نعرف ماذا حلّ بهذه الصبية التي حازت لقب ملكة جمال المصارف في نهاية عام 1966 الحافل بملكات الجمال.

 

 

 

 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها