آخر تحديث:10:20(بيروت)
السبت 28/08/2021
share

"صوت الأقلية": الأقباط والنوبيون في مسرحهم

شادي لويس | السبت 28/08/2021
شارك المقال :
"صوت الأقلية": الأقباط والنوبيون في مسرحهم محمد مسعد
صبيحة أحد الأيام الدراسية العام 2005 في جامعة القاهرة، وزع عدد من الطلاب على زملائهم أسطوانات مدمجة مجهولة المحتوى. احتوت تلك الأسطوانات على تسجيل لمسرحية بعنوان "كنت أعمى والآن أبصر"، كانت قد عُرضتْ في إحدى الكنائس القبطية في مدينة الإسكندرية قبلها بعامين. دارت أحداث المسرحية حول تحول أحد الشباب الأقباط إلى الإسلام وانضمامه إلى جماعة إرهابية، قبل أن يعود إلى صوابه ويقرر العودة إلى أسرته، ويُقتل على يد الجماعة. في اليوم التالي لتوزيع الأسطوانات، اندلعت تظاهرات في أكثر من موقع ضد ما اعتُبر إهانة لدين الغالبية، وتطورت الاحتجاجات إلى مصادمات، أفضت إلى طعن راهبة ومقتل عدد من المحتجين. 

يشير الناقد محمد مسعد  في كتابه "صوت الأقلية في المسرح المصري الحديث"(2021) إلى تلك الواقعة بوصفها الحدث الأكثر أهمية في تاريخ مسرح الأقلية. إلا أن تلك الأهمية لا تعود إلى محتوى المسرحية، بقدر ما ترجع إلى قدرة العنف الواسع الذي أثارته على إبراز الجانب السياسي للظاهرة المسرحية. فلأسباب عديدة ظلت المسارح القبطية، ومسارح الأقليات عموماً بعيدة من دائرة الاهتمام البحثي. فبحسب مسعد، تعود بدايات مسارح الأقليات إلى عقد الثمانينات فقط، ما يضعها في إطار الظاهرة الحديثة نسبياً. السبب الآخر هو انزواء مسرح الأقلية، والقبطية تحديداً، في الفضاءات الأكثر خصوصية، حيث تظل الأعمال موجهة إلى جمهور الكنيسة حصراً، ومحجوبة عن الجمهور العام. أما السبب الذي لا يذكره الكاتب، لكن يمكن تخمينه، فهو تواضع المستوى الفني للإنتاج الكنسي ذي الطابع الوعظي في معظمه، وهو ما دفع إلى إهمال تلك الأعمال، بوصفها فقيرة جمالياً. 

تعد دراسة مسعد، الأولى من نوعها، التي تتناول بتوسع وعبر إطار منهجي مسرح الكنيسة القبطية بالإضافة إلى المسرح النوبي، في العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي، لتسد عجزاً في دراسات "مسرح المهمشين" غير المطروقة كثيراً في دراسات الثقافة العربية. ولا يعزو الكتاب نقص الاهتمام البحثي إلى مجرد السهو أو الصعوبات العملية، بل إلى تسيد خطاب التماثل، الساعي لتضمين كل صوت ونبذ كل اختلاف، لصالح هوية وطنية جامعة. 

وفي تجاوز للتراتبيات الجمالية، يكتفي "صوت الأقلية" بتحليل مسارح الأقباط والنوبيين، من دون أصدار أحكام قيمة عليها، إلا أن هذا لا يعني نفيه للجماليات والتقنيات، بل بالأحرى فهمها كانعكاس لخيارات أيديولوجية في المقام الأول. فالمعايير الجمالية هي تعبير عن وضع تاريخي واجتماعي، ولذا يرفض الكاتب" أي تحديد غير زمني أو مطلق أو ثابت للجمال". وفي ذلك السياق، يعتمد مسعد على المنهج التاريخي الجديد، فعلى خلاف التأريخ الثقافي التقليدي المعني بدراسة التاريخ والمجتمع لفهم الأدب، فمنهج الكتاب يتحرك في الاتجاهين، أي تحليل مسرح الأقلية لفهم تطور الدولة البرجوازية الحديثة في مصر، والعكس أيضاً. فعبر فحص الكتاب لآليات علاقة الأكثرية والأقلية، يمكِّننا من فهم المسرح كأحد المواقع المركزية في مشروع الحداثة المصري. ومن تلك الزاوية يبدو التأصيل النظري الثري والمتشابك الذي يتضمنه الكتاب وقد تغول على التحليل في بعض الأحيان، موحياً بأولوية للنظرية على النص المسرحي الذي يتم تأوليه. فقناعة بمركزية حضور الدولة في الخطاب المسرحي المصري عموماً، تدفع مسعد إلى فرضية يقوم بتعميمها ببعض المبالغة، فهو يصل إلى أن الدولة البرجوازية الحديثة هي مركز كل نصوص المسرح القبطي ومرجعيتها شبه الوحيدة، بل وحتى في حالة غياب الدولة في النص، فإن ذلك الغياب يحيلنا إلى حضور ميتافيزيقي، حضور البديهي رغم غيابه أو حضور الغائب عبر أثره. 

من ناحية أخرى، يعتمد مسعد تنظيرات دولوز وغواتاري حول خصائص "الأدب الثانوي"، ليقوم بتصنيف أولي ووصف لظاهرة مسرح الأقلية. فأول سمات الأدب الثانوي هو إضفاء الطابع غير الرسمي على اللغة، عبر تعددها داخل النص، أي مزيج اللهجات واللغات والنبرات وطبقاتها المتراكبة. وثانياً ربط الفرد بالآنية السياسية، حيث أن الأدب الثانوي لا يدعي دلالة إنسانية عامة، بل ينغرس في ما هو سياسي ومتعلق بجماعة بعينها. ويتبع ذلك أن تكون السمة الأخيرة للأدب الثانوي، أن يكون ذا دلالة جماعية، ولا يعني هذا غياب التميز الفردي للمبدع، لكنه يشير إلى حضور صوت الجماعة الثانوية في عمله. 

لا يتعامل مسعد مع تلك السمات بوصفها نهائية، بل مجرد نقاط ارتكاز مبدئية، فهو يخلص على سبيل المثال إلى افتقاد المسرح القبطي لسمة التعددية اللغوية، حيث تتسيد اللهجة القاهرية للطبقة المتوسطة في معظم أعماله، أما اللهجات الريفية فتمثل دائماً البراءة والجهالة، فيأتي حضورها كدليل على تسيد الخطاب المركزي للبرجوازية القاهرية. في المقابل، فإن المسرح النوبي يتميز بطبقات لغوية متعددة، تتراكب فيها الدارجة مع الفصحي بالإضافة إلى النوبية، والتي تظل غير مفسرة أمام جمهور عام، لكن يفترض بها تأكيد التمايز جنباً إلى جنب مع التعايش داخل الهوية الوطنية الجامعة. 

بشكل ضمني، يشككنا "صوت الأقلية"، في مفهوم الأدب الثانوي نفسه، وهو يتنقل بين تعريفات الهامش/المتن والفرعي/الرئيسي والأقلية/الأغلبية والطليعي/السائد، وتقاطعات كل تلك الثنائيات مع بعضها البعض، واختلافاتها أيضاً. فـ"الهامش موقع شكلي ووضعية قد تكون مؤقتة" و"التهميش موقع زلق ومتعدد الطبقات". والمسرح ذاته "فن هامشي مقارنة بالفنون الجماهيرية الأخرى" مثل التلفزيون والأدب الأكثر مبيعاً. لكن، وعلى خلاف الأدب، فالمسرح "ليس مرتبطاً بالمبادرات الفردية أو الجماعات المحدودة بل إنه ينطلق من قاعدة وجود تنظيم اجتماعي وثقافي مترابط"، وهو ما تقدمه مؤسسة الكنيسة وفرقها ومهرجاناتها المسرحية على سبيل المثال، فيما يفتقد المسرح النوبي والمجتمع النوبي عموماً لتلك المؤسسات الجامعة أو المركزية. فالمسرحيات النوبية التي يشير إليها الكتاب تعرض على مسارح الدولة وأمام جمهور عام، ويدفعنا هذا للتساؤل إن كان هناك مسرح نوبي بالفعل؟ أم إنها نصوص نوبية متضمنة داخل المسرح السائد؟

يصحبنا "صوت الأقلية" في مهمة لاستكشاف المسارح النوبية والقبطية في محاولة  لفهم البنى الدرامية والتقنيات الفنية، التي يتم عبرها طرح رؤية الأقلية لذاتها وموقفها من الأغلبية وموقعها داخل بينة المجتمع، وفي تلك الرحلة، لا يتبع مسعد الطرق السهلة للثنائيات السائدة، بل يتحرك في مساحات التقارب والتباعد بين الأقلية والأكثرية، المساحات غير المحددة بشكل نهائي والمعرضة دائماً للتفاوض والصراع والاعتراف المتبادل، في عالم "تحطم فيه يقين التفرد كما تحطم فيه يقين التشابه". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها