آخر تحديث:08:01(بيروت)
الثلاثاء 24/08/2021
share

جاك لاكان في لبنان... بين سعيد عقل وكمال جنبلاط

روجيه عوطة | الثلاثاء 24/08/2021
شارك المقال :
جاك لاكان في لبنان... بين سعيد عقل وكمال جنبلاط جاك لاكان
المرة الأولى التي علمت فيها ان جاك لاكان قد زار بيروت، كان حين قرأت كتاب كاترين ميو الذي حمل عنوان "الحياة مع لاكان"  (غاليمار، 2017) . في هذا الكتاب، تروي ميو مغامراتها الحبية مع لاكان، وفي أثناء ذلك، تتوقف عند ذهابه إلى لبنان، ثمّ التحاقها به. تخبر ميو أن المحلل النفسي عدنان حب الله، هو الذي رافق لاكان في زيارته الى لبنان، بحيث أنه اصطحبه إلى أماكن عديدة فيه قبل أن يصطحبه إلى سوريا بعد ذلك. في لبنان، يبعث لاكان برسالة إلى ميو، مفادها انه في حالة لا يحمد عليها، ويريد منها ان تأتي. تتذكر ميو من رحلتها اللبنانية لملاقاة حبيبها الغداء في مطعم من المطاعم الجبلية مثلما تتذكر جمال مدينة بعلبك بالإضافة إلى روعة حلب، كما أنها تروي كيف استُقبل لاكان في قصر الصنوبر.

هذا المقطع الصغير في "الحياة مع لاكان"، الذي لا يحوي تفاصيل كثيرة عن زيارة لاكان إلى لبنان، حملني إلى البحث عن آثارها. واول هذا البحث كان في ذاكرتي، بحيث أنني، وقبل توجهي نحو العيادة  بسنوات، كنت قد قرأت كتيباً جذابًا للمحلِل النفسي جان آلوش، بعنوان "آلو لاكان؟ طبعاً، لا" (FPFL-1998)، الذي يأتي فيه على ذكر خبريات قصيرة عن لاكان. إحدى تلك الخبريات تدور في لبنان، وفي قصر الصنوبر تحديداً، بحيث أن لاكان يقول لعدنان حب الله ما معناه انه كان يتمنى لو ان أحداً سواه قد قدم  اطروحته الشهيرة حول اللاوعي بما هو "مبني كلغة" (مبني من بنية). لم يفسر آلوش سبب هذا التمني، ولكن، على الأغلب، انه يتصل بأمرين. الأول، هو قراءاتها المغلوطة، الفلسفية وغيرها، التي يتيحها الاستناد إليها من دون أي دراية بكيفية استنتاجها أو بالأحرى تشييدها من قبل لاكان خلال "عودته إلى فرويد". الثاني، أن لاكان نفسه، وحين قدم اللاوعي، فليس على طريقة واحدة، بمعنى أن هذا اللاوعي المبني كلغة هو لاوعي من بين "لاوعيات" مختلفة اذا صح التعبير، ومنها مَن لا ينبني كلغة، انما، وعلى العكس، هو فتحة إثر وقفة فيها. بالتالي، قد يكون لاكان قد شعر ان تقديمه لاطروحته تلك قد ادى إلى اختزال "لاوعياته" بلاوعي بعينه دون سواه، ما جعله يبتغي احالتها إلى غيره.

كمال جنبلاط
هذه الخبرية من آلوش، ورغم انها لم تترافق مع أي تفسير لها، تدل على أن علاقة متينة بين عدنان حب الله ولاكان، الذي يبدو فيها انه يبوح له بما يشبه السر التحليلي. ولكن، فعلياً، هذه العلاقة لم تكن حينها قديمة، بل إنها كانت في بدايتها. فبعد رجوعي في الذاكرة الى الخبرية اياه في كتيب آلوش، وقعت على مقابلة مع عدنان حب الله، يتحدث خلالها عن زيارة لاكان إلى لبنان. يروي حب الله انه زار لاكان في سياق بحثه عن مشرف على عمله التحليلي. كان ذلك في العام 1969، حين ذهب إلى عيادته في حي "دو ليل" في باريس. من دون أن يسأله عن مرد مجيئه اليه، راح لاكان، الذي كان يبلغ من العمر 61 عاما، يستشير حب الله حول وسواس إحدى الفتيات من أصل لبناني. لم يقدر حب الله على أن يطلب من لاكان ان يكون مشرفه في هذه الزيارة، اما، وحين عاد اليه بعد أربع سنوات، اي العام 1973، فقد وجده في حزن شديد نتيجة موت ابنته في حادث سيارة. يشير حب الله إلى أن لاكان، وبعد أن استقبله حينها، ضرب فجأة بيده على الطاولة قائلاً له انه وحيد. قرر لاكان ان يزور لبنان من باب الترويح عن النفس ربما، وسرعان ما شرع حب الله في ترتيب زيارته هذه، الذي ستدوم شهراً كاملاً. حول هذه الزيارة، يقدم حب الله بعض التفاصيل منها، على رأسها، أن لاكان قد زار كمال جنبلاط، الذي أهداه كتاباً عن اليوغا، كما أنه، وبعد ذلك، التقى السياسي شفيق الحوت بمفرده لكي يتعرف على القضية الفلسطينية عن كثب. اما، بخصوص المدن التي زارها، فبالاضافة إلى بعلبك وحلب وبيروت، فهو قد زار الصحراء السورية مثلما أنه زار صور، التي سبح في بحرها. فلاكان كان محباً للرياضة، ليس السباحة فحسب، بل، وايضا، وبحسب ميو نفسها، التزلج على الماء وعلى الثلج.

لم يقدم حب الله تفاصيل أخرى عن زيارة لاكان إلى لبنان، التي، ومن بعدها، تعمقت علاقتهما. التفاصيل الباقية من هذه الزيارة بقيت حبراً على ورق حرفياً، وهذا، لأنها تسجلت في مخطوطة لم تبصر النور أو بالأحرى النشر حتى اليوم. هذا ما يمكن قراءته في مقالة منشورة بداية العام الحالي في "المجلة الفرنسية للتحليل النفسي" (عدد 85-2021) عن تلك الزيارة، وقد حملت توقيع كل من رفيقة درب حب الله المحللة النفسية مزيَّن عسيران، والمحلل النفسي موريس خوري. في هذه المقالة، ثمة سرد لتلك الزيارة، ولأهم ما جاء فيها.

فما ان وصل لاكان إلى مطار بيروت، قال لحب الله، الذي كان قد اخبره عن لبنان قبل ذلك، أن اللبنانيين، وعند الإطاحة بالوفاق بينهم، سيؤدي ذلك الى احترابهم مباشرة. هذا ما عاد وردده على مسمع كمال جنبلاط، محضاً اياه على الاتفاق مع اليمين اللبناني. ولكن، هذا الاحتراب لم يتأخر سوى سنتين حتى يندلع اهلياً، الا انه، وقبل اندلاعه، أتاح للاكان ان يجول قليلاً بين المدن والقرى اللبنانية والسورية. فها هو يذهب الى جبيل، التي يُعجب بآثارها، ويأكل السمك بالقرب من مرفئها القديم. خلال ذلك، يتحدث لاكان مع حب الله عن الإسلام وعلاقته باللغة العربية التي كُتب القرآن بها. في نهاية هذا الحديث، يخلص لاكان، وبفكاهته المعهودة، إلى القول لحب الله أن النبي محمد لاكاني، فيرد حب الله عليه أنه كذلك مع فارق انه سبقه بخمسة عشرة قرن. بعد جبيل، يزور لاكان صيدا، ثم بعلبك، ومن ثم صور، وفي كل هذه المدن، كان يفتنه تاريخها، الذي جعلته مواقعها الأثرية حاضراً فيها.

نجوى فؤاد وسعيد عقل
بالإضافة الى هذه الامكنة، زار لاكان عدداً من الشخصيات. فعدا عن كمال جنبلاط وشفيق الحوت، التقى لاكان بسعيد عقل الذي تحدث معه حول نظريته المتعلقة باللغة اللبنانية. كما أنه التقى بفؤاد افرام البستاني، الذي اخبره عن الثقافة اللبنانية وبعدها الفينيقي. قال البستاني للاكان ان العربية في لبنان هي مجرد أداة تواصل، بمعنى أن اللبنانيين لا يتكلمونها لأنهم عرب، ولكن، لاكان اعترض عليه بالاشارة إلى أن تكلم احد ما بالعربية يجعل منه عربياً بالضرورة. لقد كان لاكان مهتما في زيارته بالاطلاع اكثر على اللغة العربية، ولهذا، راح يستفهم من عسيران، التي رافقته وحب الله في بعض جولاته، عن العربية، وتحديداً، عن كتابتها من اليمين إلى اليسار، وعن تغير شكل الحرف بحسب محله، وغيرها من المسائل. فلاكان كان محباً لاكتساب اللغات، وهو كان على سبيل المثال قد اهتم لفترة باللغة الصينية، وقد تابع دروساً فيها. بالفضل عن عقل والبستاني، التقى لاكان بفريد الأطرش، الذي كان قد سمع عنه من صديقته داليدا. فمن المعلوم ان داليدا قد حضرت مرةً درساً أو اثنين من دروس لاكان خلال سميناره، كما اشيع آنذاك بأنها مُحلَلته، الامر، الذي دحضته من دون أن تنفي إعجابها به باعتباره شخصاً عظيماً. تحدث لاكان مع الأطرش عن داليدا وتأثرها بالموسيقى الشرقية، وهذا، بعد أن تحدثا عن المغنى والشعر العربي. خلال هذه السهرة، يخبر كل من عسيران وخوري، أن نجوى فؤاد قدمت رقصة من رقصاتها، ولكن، لاكان لم ينجذب إلى ادائها، وهذا، على عكس ما حصل حيال فتاتين رقصتا بعفوية بفعل الموسيقى وايقاعها.


لم تقتصر زيارة لاكان على تلك الامكنة والشخصيات، بل إن المحلل النفسي الراحل منير شمعون، وهو قد تتلمذ عليه، كما أنه كان من محلَليه لفترة على ما اظن، قد نظم لقاءً معه في جامعة القديس يوسف أيضاً. خلال هذا اللقاء، تحدث لاكان عن كتابته، عن الطب النفسي، عن اللغة، عن الانفعال، وغيرها من المواضيع التي تناولها. بعد هذا اللقاء، أقام لاكان، وبدعوة من السفيرة الفرنسية، في قصر الصنوبر، حيث اكمل ما تبقى من ايام زيارته في الحديث مع حب الله، مشيراً له انه قلق حيال مدرسة التحليل التي أسسها، بحيث أن قسماً من طلابه لا يفهم جيداً تعليمه، والقسم الثاني، وبفعل الإحالة، يرددون ما يقولونه من دون الإمساك بمعنى ما يتلفظون به.

يصف كل من عسيران وخوري زيارة لاكان إلى لبنان بما يشبه اللحظة التاريخية، وهما، فعلياً، يصيبان في ذلك. إذ إنها لحظة اساسية في تاريخ التحليل النفسي اللبناني، أو العربي عموماً. كما أنها، وفي السياق نفسه، تشير، وبما لحقها، أن هذا التاريخ لم ينكتب له عمرٌ طويلٌ لكي يتبلور، بل بقي مجرد شظايا ولمحات ونتف حول زيارة قريبة من كونها بريقاً في غسق!

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب