آخر تحديث:18:29(بيروت)
الثلاثاء 20/07/2021
share

المؤامرة التي لا نملك رفاهيتها

رشا الأطرش | الثلاثاء 20/07/2021
شارك المقال :
  • المؤامرة التي لا نملك رفاهيتها
    "أرفض أن تدخل جسدي سوائل الديكتاتورية" (غيتي)
  • تظاهرات فرنسيين ضد البطاقة الصحية: "لا للبطاقة النازية، لا للفاشية" (غيتي)
    تظاهرات فرنسيين ضد البطاقة الصحية: "لا للبطاقة النازية، لا للفاشية" (غيتي)
  • تظاهرات فرنسيين ضد البطاقة الصحية: "أعيدوا لنا حريتنا" (غيتي)
    تظاهرات فرنسيين ضد البطاقة الصحية: "أعيدوا لنا حريتنا" (غيتي)

في معظم الشاشات الفرنسية، ما زالت القصة الصحافية المهيمنة تتمحور حول كورونا ولقاحاته، لا سيما التظاهرات (الجدية جداً!) ضد اعتماد بطاقة تسهيل المرور الصحية passe sanitaire، في مقابل عودة أرقام الإصابات إلى الارتفاع إثر إعادة فتح البلاد تدريجياً مع حلول فصل الصيف، وأكثر من ذلك، في ظل انتشار متحور دلتا بشكلٍ بدأ يثير القلق. هؤلاء بعشرات الآلاف في الشارع، يهتفون غاضبين، نصفهم أو أكثر بلا كمّامات، ويعتبرون أن الدولة الفرنسية، إن أقرّت صلاحيات هذه البطاقة في مختلف المجالات، إنما تميّز بين مواطنيها الملقّحين وغير الملقّحين، ومِن هؤلاء الأخيرين مَن يرفض اللقاح ولا يعترف بكورونا أصلاً إلا كَوَهمٍ استبدادي مُقنَّع. ولا يلبث واحدنا، نحن ذوي الأصول العربية والمتوسطية، أن يجد نفسه في ورطة سياسية وإيديولوجية ما كانت، لولا سياقات الجائحة، لتخطر لنا في بال.

المسألة باتت أبعد من الديموقراطية "التقليدية"، بما هي تداول للسلطة وحرية تعبير، انتخابات حرة، مواطنية، قضاء فاعل ومستقل، حقوق أساسية مؤمّنة في مقابل واجبات عادلة، ومساواة وفصل سلطات، وحكم المؤسسات والقانون، والتطبيقات المعروفة لهذا كله.

يفكر واحدنا ملياً، فيما يسمع كلمات من قبيل "ديكتاتورية" و"فاشية" و"نازية" تتطاير من أفواه رافضي البطاقة الصحية، التي ربما تصبح قريباً المُحدِّد الأساس لتحركات الأفراد، ليس فقط للسفر عبر الحدود، بل أيضاً لحضور أنشطة وفعاليات ليست أقلها المهرجانات والحفلات الموسيقية والمباريات الرياضية. نستغرق في التفكير، ممارسين على أنفسنا رقابة أبغض الحلال، أي "الصواب السياسي" الذي لا بد لأي عاقل أن يحاذر أفخاخه الكثيرة.

ومع ذلك، نمضي في مراقبة تسلسل أفكارنا ومشاعرنا وتكوّن آرائنا، درءاً لمحظور التعميم والانسياق وراء ما خلّفته فينا تجاربنا في مساقط رؤوسنا، حيث ما زال أهلنا وأصدقاؤنا يعانون في مستقرّهم. نحن الآتين من بلدان، أقل ما يقال في دولها وحكوماتها أنها مترهلة وفاشلة... لبنان، سوريا، مصر، فلسطين... ونخشى أن ننجرف في تيار "المؤامرة" المعاكس. نتوجس، لكثرة ما مرمرتنا سرديات المؤامرات من شتى الأنواع والمبتكَرات، واستخدمتها السلطة لتنازعنا على إراداتنا وخياراتنا ومعاشنا، أن نصبح حكّاماً مبرمين على بلاهة المقتنعين بـ"مؤامرة" تَحَكُّم وتأطير تمارسها السلطة السياسية مع الإعلام، وكي لا ننزلها وصمة جاهزة بكل من يعبّر عن رأي من خارج الوعي الديموقراطي المألوف. وهذا المألوف، ترسّخ لدينا بجهد بذلناه مع أنفسنا وفي محيطنا، وليس بالتمتع بنِعَمه في أوطاننا، ولا بوجوده الطبيعي والبديهي في واقع يومياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما هي غالبية الحال في بلد مثل فرنسا.

ولكن..
كيف نستطيع الفصل، فيما نتابع أخبار منابِتِنا؟ أخبار عن عدم توافر كميات كافية من اللقاحات للسكان جميعاً، والتمييز بينهم في أنواعه، وبطء عملية التلقيح وسوء تنظيمها في أحسن السيناريوهات والنوايا، والتفرقة الطبقية والمحسوبيات والتلاعب في تلقي الجرعات، ناهيك عن محاولات تزويرها، وبيع المجاني منها، وإعطاء أفضلية استيراد بعض ماركاتها لشركات خاصة دون أخرى بحجّة الحاجة إلى شراكة مع القطاع الخاص لسدّ النقص.

في سوريا، ما زال اللقاح حكراً على المتنفذين وزبائنيتهم، واعتبرت فئات محدودة من كبار السن أنها محظوظة بتلقيه. وفي لبنان، خشية دائمة من نفاد الكمية وعيوب منصة التسجيل، ولم نتحدث بعد عن ملف شح الأدوية واحتكاراتها وفسادها. وفي فلسطين، يكابد الناس بين سلطة/سلطات "وطنية" متعثرة، وسلطة احتلال عنصرية وجائرة.

بلداننا، حيث لا يملك المواطن ترف الانجرار خلف نظرية مؤامرة كورونية، ما زالت رائجة في الولايات المتحدة (غالباً في صفوف جمهور دونالد ترمب سابقاً) وبعض أوروبا. كما لا ينال، طبعاً، رفاهية الحلم بالربط بينها وبين الديموقراطية والحريات الفردية التي ما عاد ربطها المطلبي بأي موضوع سياسي مجدياً، فكيف بالمواضيع الصحية؟

نحن الآتين من أراضٍ ما زال الناس فيها يشقون لتأمين المستلزمات الأساسية للحياة، للبقاء على قيدها مأكلاً ومشرباً وملبساً وتعليماً وعملاً، للتحصن من أمراض ومداواة أخرى... كيف لمخيلتنا استيعاب رفض لقاحات مجانية، متوافرة للجميع، ويمكن للفرد أن يختار منها النوع الذي يريده، بل والاحتجاج على هذا كله بإسم الحرية ومناهضة القمع؟! كيف لنا التعاطف مع مثل هذه "القضية"، ومفهومنا للحقوق بنيناه، لبنة لبنة، بالضد من كل ما علمنا وذقنا من تخبط بلادنا في فوضاها، والإجراءات التي لا يلتزم بها إلا من رحم ربّي، وتصدّع المؤسسات التربوية والطبية والتجارية وغيرها، بسبب مركّب كورونا-الدولار-الانهيار، والرعب -المضاعف عن أي بلد آخر- من تفاقم أرقام الإصابات لأنها ستهبط كالكرزة فوق كعكة أزمات كثيرة الطبقات

ومع ذلك، تبقى الفرجة ممتعة، تمريناً ذهنياً وعملياً على تفاعلات صحية في مجتمع معافى سياسياً، رغم الهنّات. وتجارب بلداننا المريضة بأكثر من كورونا، رغم آلامها، تحتفظ بإيجابية وحيدة ربما: أنها اللقاح الفعال ضد استفحال رقابة الصواب السياسي، ولو بين واحدنا ونفسه. وبعد إكمال دائرة التأمل المسائي في الشاشات الفرنسية، الأرجح أن تبقى القناعة الأولية: إنه الهراء اللطيف في دول متقدمة، تضطلع بمسؤولياتها، وتحفظ حق الملقّحين من التعرض لمتحوراتٍ باتت أجساد رافضي التلقيح مصانعها، وتستمع في الوقت نفسه للأصوات الأخرى مهما كانت عجائبية، بل وربما تتأثر بها إلى حد ما، وتُوازِن. وسيتأكد واحدنا أيضاً، أن موقفه هذا لا تطاوله شبهة الوصم أو الإلغاء أو التهميش "للآخر" الذي سيظل موجوداً ومتكلماً. وواحدنا هذا سيجد مجموعة أكبر تشاطره الرأي وتعبّر عنه، والكل في خلّاط الديموقراطية يتفاعلون ويُجَوْجَلون.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب