آخر تحديث:11:17(بيروت)
الأربعاء 09/06/2021
share

الشيخ إمام.. هل سمعناه حقاً؟

محمد حجيري | الأربعاء 09/06/2021
شارك المقال :
الشيخ إمام.. هل سمعناه حقاً؟ الشيخ امام
في زمن غابر ومراهق، كنا نتحدّث عن الشيخ إمام (عيسى) كما لو أنه "قديس" الثوريين والمهمشين، وقديس الفن الاحتجاجي وصوتنا الغاضب، سواء في حياته الزاهدة أو أغانيه المتقشفة والبسيطة الخالية من أي افتعال وتصنّع وزوائد. فهو الذي استطاع، بصوته ومع عُوده، ومن دون كورس أو فرقة أو توزيع موسيقيّ، أن يصنع فناً احتجاجياً خاصاً، ويشكّل ظاهرة لها وقعها بين اليساريين في العالم العربي، يختلف النقاد في تقييمها...

كان الشيخ الضرير نموذجاً خارقاً للاحتجاج والتمرّد، ويزيد من وقعه أنه بدأ في الجمعية الشرعية في الأزهر، حيث أمضى خمس سنوات، تعلم خلالها قراءة القرآن وترتيله على القبور، وحفظه وهو في الثانية عشرة من عمره. وصار لسنوات طويلة "محترفاً"، يرتل أينما دُعي. طرد من الجمعية الشرعية بعدما ضبط متلبساً يستمع إلى القرآن عبر الراديو، وهذا أمر كان يعد بدعة في الجمعية آنذاك. وعندما علم والده بأمر طرده، منعه من العودة إلى قريته، ما اضطره للبحث عن مكان آخر للسكن. ومن هنا بدأ التمرّد. وجملة عوامل جعلته حاضراً بيننا وفي ليالينا وخساراتنا وحزننا الدفين، نسرد على صوته ونفرغ كأس راحنا، ونحمل كاسيته في جيبنا كأنه انجيل المستقبل، وصوت عقلنا الحالم وتمردنا الطائش... فهو الشيخ الضرير والمقتدر، الزاهد والصعلوك، والثوري الآتي من فضاء التديّن والتجويد القرآني الثوري، على عكس التجويد الكلثومي العاطفي. جعل الشاعر عباس بيضون يقول عنه ذات يوم "بلوز لكن على العود". قدم الكلمة الساخرة والمريرة واللاذعة التي تقلق الأنظمة ورموزها.

لسبب ما، ربما سياسيّ، ركزنا على صورة نمطية للشيخ إمام. قلنا إنه شكل ثنائياً مع أحمد فؤاد نجم، وهذا جعلنا لا ننتبه أنه غنّى لأكثر من 35 شاعراً غير "الفاجومي". كما بالغنا في حديثنا عن سكنه في حي للفقراء، نروي الحكاية في إطار تمجيد فقره وحياته في الفقر، نقول إن وزير السلطة حين دخل بسيارته إلى حي الشيخ امام بهدف إقناعه بالتوقف عن الغناء ضد النظام، نظر أطفال الحي إلى سيارة الوزير "الفارهة"، كما لو أنهم يرون سيارة للمرة الأولى.

ولسبب ساذج كنا نختزله في أغنية "غيفارا مات"، ربما نحبه لأنه يغني غيفارا، ربما كنا نحب غيفارا ونجعل من أغنية الشيخ أمام بهاراً لهذا الحب. تلك الأغنية يقال إنه، في 1968، وعندما بدأ إمام في غنائها في برنامج تلفزيوني كان يقدمه رجاء النقاش، قُطع الإرسال، ولا يستبعد الكاتب أمير العمري أن يكون عبدالناصر شخصياً هو من أمر بذلك.

كنا نسمع الشيخ إمام، لكن سماعنا له كان ضئيلاً وهزيلاً، ربما بسبب أن معظم أغانيه كانت تسجيلات لحفلات حية، غالباً جلسات أصدقاء، ولم تكن موزعة على المحال التجارية ولم تدخل في دائرة الاستهلاك. بعد رواج الإنترنت، أعدنا اكتشاف الشيخ أمام، كما لو أنه موسيقى الشعوب المنسيّة، أغنيات كثيرة له لم تكن تصلنا، ووصلتنا في زمن "يوتيوب". وجدنا في شخصية الشيخ أمام، وكلمات أحمد فؤاد نجم وغيره من الشعراء، أوسع مما كنا نعرفه، مما كنا نتصوره... لم نكن نعرف أنه غنى الموشحات وأغنيات أم كلثوم... نسرد على أغنيات "أنا اتوب عن حبك" و"البحر بيضحك ليه"، أو ننفعل مع أغنية "يا فلسطينية"، ونختصر الفنان في هذه الصورة...

عدا عن غيفارية الشيخ إمام وصعلكته وسكنه في أحياء المهمشين، هناك صورته النمطية في السجن، السجن الناصري والساداتي، غضبه أقلق أنظمة تخاف من كلمة وأغنية... نستذكر أن الشيخ إمام كان يدخل السجن مع كل أغنية احتجاجية، يقضي مع صديقه فؤاد نجم وقتاً، ثم يخرج، ثم يدخل،.. نتحدث عن سجنه كأنه حكاية يروق لنا الحديث عنها، حكاية في مكنونها تشجيع على النضال، ومآل النضال... ذلك لأن الأنظمة الاستبدادية لا تتعايش مع الحرية، والأحزاب اليسارية تجعل من السجن والقضبان أغنية، أو فولكلوراً للحديث السياسي والثوري، وهذا لا يعني التقليل من هول السجون العربية... السجن عنوان للمواجهة الدائمة والتحدي وربما إثارة العواطف. والسجن في حياة الشيخ إمام، كان تجربة مرّة مع أنها خلاقة، وتجربة تدلّ على حمق الأنظمة العربية في علاقتها بالأغاني الاحتجاجية. ففي العام 1969، بدأت سلسلة اعتقالات متكررة في حياة إمام ونجم، مرة بتهمة تعاطي الحشيش، ومرة أخرى بعدها بشهور بسبب أغنية بعنوان "الحمد لله خبطنا تحت باطاتنا". فحكم عليهما بالسجن المؤبد، ويُقال إن أمين عام الجبهة الديموقراطية، نايف حواتمة، توسط عند الرئيس جمال عبدالناصر للإفراج عنهما، لكن عبد الناصر رفض ونُقل أنه قال له "متتعبش نفسك دول بالذات مش حيطلعوا من المعتقل طالما أنا عايش"...

لا أدري ان كانت هذا الكلام دقيقاً، وإن كان هكذا بالفعل، فهو إشارة إلى توتر نظام يريد توحيد العالم العربي، ولا يحتمل صوت شاعر أو فنان، وربما أن عبد الناصر كان يدرك تأثيرهما، مع أن بعض النقاد يعتبر أن حضور الشيخ كان مقتصراً على مجموعة من اليساريين. لا ندري. ما نعرفه أن عبد الناصر كان يتابع ويلاحق أصحاب التأثير. يقرأ ميشال ابو جودة صباحاً في "النهار"، ويصرح ضد مقهى الدولتشي فيتا في الروشة... كان للثقافة تأثيرها الفاعل، كان المقهى محطة للتأسيس لانقلاب، وكان مقال الرأي في جريدة مفتاحاً لتأسيس رأي عام...

مكث الشيخ، مع أحمد فؤاد نجم، في السجن، ثلاث سنوات. إذ، مع رحيل عبد الناصر العام 1971، أفرج أنور السادات عن المعتقلين، بمن فيهم إمام ونجم، قبل أن يعودا للمعتقل مجدداً، بعد الانتفاضة الطالبية العام 1972. ولم يفرج عنهما إلا احتفالاً بنصر أكتوبر. مع بداية مرحلة الانفتاح الاقتصادي في العام 1976، وضع الرئيس السادات أسساً اقتصادية تدعم كبار الملاك، وهو ما استقبله نجم وإمام بأغنيات تسخر من التوجه الاقتصادي الجديد. وفي العام 1981 كانت المرة الأخيرة التي اعتقل فيها الشيخ إمام، إذ أفرج عنه بعد اغتيال الرئيس السادات مباشرة...

أحسب أن الشيخ إمام كان يقول كلمته، والزعامة العربية "القوية" كانت تتحسس نقاط ضعفها في السياسة من خلال كلماته أو أغنياته. لم تحتمل التهكم والاعتراض. ويلاحظ الكاتب أمير العمري أنه، على الرغم من براعة الشيخ إمام في أداء مختلف أنواع الغناء، إلا أنه كان يميل إلى الغناء التحريضي، "وهو مزيج من النقد الشديد للسلطة والسخرية اللاذعة من رموزها والدعوة إلى التحرك والتمرد والثورة على الأوضاع القائمة لتغييرها. الهجاء الموجه منه لمنظومة الحكم، دفعها أولاً إلى محاولة احتوائه، هو ورفيقه أحمد فؤاد نجم، فقدمت له الإذاعة أغنية فلاح يا أسمراني، وقدمته هو شخصياً في برنامج بعنوان: مع ألحان الشيخ إمام، من تقديم رجاء النقاش". وبقي الشيخ طوال سنوات مجده اليساري مع الشاعر احمد فؤاد نجم، منبوذين من وسائل الإعلام الرسمية المصرية. لم يكن مسموحاً بث أغانيهما على الشاشة أو عبر الراديو أيام السادات أو حسني مبارك. ربما كان مرحباً بهما بشكل دائم في السجن. كان الكاسيت وسيلتهما للانتشار في الوسط اليساري، وكانت الجريدة ملاذهما.

كان لافتاً، خلال السنوات الأخيرة لحكم حسني مبارك، تحوّل أغنيات الشيخ إمام نموذجاً للموسيقى البديلة... جوار أعمال سيد درويش، احتلت أغاني الشيخ إمام مكاناً بارزاً في المشهد المصري في ميدان التحرير شتاء 2011، طوال 18 يوماً انتهت بتنحي حسني مبارك. العودة الى الشيخ إمام جعلت الباحث أحمد بيضون يكتب في فسبكة: "لا محَلَّ للخلودِ، في عالَمِ البَشَرِ، ولا مَعْنى... الخالدون يذهبون ويرجعون، حيناً من الدهرِ، فيما غيرُهم يذهبُ ولا يعود... ولكنْ يدعو إلى التأمّلِ العميقِ أن يكون نجم وإمام صامدَيْنِ إلى اليومِ بينما ذَهَب عبدُ الناصر مع الريح"... وللحديث صِلة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها