آخر تحديث:12:36(بيروت)
الخميس 10/06/2021
share

التيراس بعد الحجر.. فيتيشية مكانية

روجيه عوطة | الخميس 10/06/2021
شارك المقال :
التيراس بعد الحجر.. فيتيشية مكانية في التيراس الباريسي المحرّر.. مشروبات وقبلات وفرقة موسيقية (غيتي)
مع الانتهاء المتدرج للحجر الصحي، ثمة حيز يستقر على وقع مميز في العيش المديني حالياً في باريس، وهو التيراس (لا أعرّبه رصيفاً أو شرفة.. بل أتركه بإسمه هذا). فما إن شارف الحجر على نهايته حتى تقدم التيراس بوصفه الحيز المنتظر، كما لو أن كل سكان المدينة يترقبون العودة اليه. وبالفعل، مع اليوم الأول بعد فكّ الحجر، بدت التيراسات ممتلئة بالناس إلى درجة أنه يصعب على مُشاهد زحامهم ألا يتخيل أنهم كانوا، طوال حجرهم، في انتظار الجلوس على كراسيها. المدينة كلها "انصبّت" في تيراساتها، التي لم تعد مجرد امتدادات للمطاعم والمقاهي، لكنها، وفي إثر الطلب الشديد عليها، بارَحتها، لتصير مستقلة، أو بديلة عنها.

في الواقع، هذه التيراسات غدت قائمة بذاتها كما لو أنها جُزر، فالصور التي احتفت بالمدينة في ذلك اليوم لم تلتقط منها سوى تيراساتها، وعمدت إلى تظهيرها بطريقةٍ تشي بأنها كل ما يُسمّى الفضاء العام، بأنها قلبه. بالطبع، قد يكون الطقس هو الدافع إلى مَحْوَرة الفضاء حولها، لكن، في تلك الصورة التي جلس فيها ايمانويل ماكرون على التيراس ليشرب القهوة، كان الجو بارداً، ومع هذا، برز زواره كأنهم لا يأبهون بذلك. فأينما هناك تيراس، هناك شمس، وصيف، وظلٌّ دافئ أيضاً.

انها فيتيشية مكانية إذاً، وقد لا يكون فيها أي شيء جديد، لا سيما ان التيراس لطالما كان على تميزه في العمران المديني. إلا أن المهم في سياق انفكاك الحجر الصحي هو أن تلك الفيتشية المكانية برزت كما لو أنها تؤدي وظيفة معينة، مفادها أنها تشير إلى الحياة، إلى كون باريس قد رجعت إليها. فالتيراسات هي ليست قلب هذه المدينة فحسب، إنما أولها أيضاً، مقدمتها، بحيث لا يمكن الوصول إليها سوى عبرها. بهذا، وكما يُحكى عن أبواب باريس، يمكن القول إن التيراسات هي من هذه الأبواب، لكن مع فارق أنها لا تزنّرها، بل هي في داخلها.

طبعاً، تصح الإضافة بأن الدخول إلى باريس من خلالها، يجري بلا تنقل، إنما هكذا بالقعود، بالاسترسال فيه، بالاسترخاء. ففي التيراس أيضاً ثمة وقت، رغم كونه يدور في وقت مقهاه، أي مواعيد الفتح والإغلاق والانتظام بينهما. فوقت التيراس يبدو وقتاً مصنوعاً في وقت المقهى على سبيل الانفصال عنه، قبل أن يصير للراحة، لعيشها خلاله. يمكن التنبه إلى العلاقة بين الوقتين في لحظة محددة، وهي عند بدء المقهى بإغلاق أبوابه. ففي حين أن كراسيه تتكدس حول الجالسين على ما تبقى منها، يبدو أن وقت المقهى يتوقف عن الجريان حول وقت التيراس، وبهذا، يتركه بلا مساحة يكون داخلها، يتركه مشرّعاً على كل ما يمكن أن يضع حداً لسيره. كما لو أن وقت التيراس حينها هو وقت تصنعه نبضات قلب لا يحويه أي جسد، إنما أن هذا الجسد قد تركه للتو أو بدأ بذلك.

ملاحظة أخيرة حول الفيتشية المكانية للتيراس. إذ إنها، وفي أخذه كدليل على الرجوع إلى ما قبل الكورونا، كعلامة على استئناف ما انقطع بفعل هذا الفيروس، تبدو هذه الفيتشية، وقبلها كل الإرادة المدينية، كأنها لا تجد من ذلك الرجوع مقصداً سواه. وهذا بالتحديد، بوصفه يمثل الخارج المديني. فعندما هرعت المدينة إلى هذا التيراس، فعلت ذلك على سبيل قولها إنها وُجدت، أخيراً، خارجها، وها هو في هذا الحيز. فما خسرته، عادت ووجدته. لكن، فعلياً، التيراس ليس مثلما تقدّمه، ليس ذاك الخارج الذي فُقد، إنما نسخة بعيدة منه، لا تبغي سوى أن تخفي ألا مكان له. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"