آخر تحديث:17:28(بيروت)
الثلاثاء 04/05/2021
share

.. ونُنفق على تلك العالة المسمّاة دولة

رشا الأطرش | الثلاثاء 04/05/2021
شارك المقال :
.. ونُنفق على تلك العالة المسمّاة دولة (غيتي)

يبدو أننا، أقلّه على مدى العقدين الماضيين، كنا جميعاً نكدّ ونعمل، لنُنفق على الدولة اللبنانية، تلك العالة المسمّاة علينا. ليست الضرائب المشروعة التي لم تطل إلا الضعفاء منا، بل الخوّة التي تُجمَع تواً في قبّعات من كل شكل ولون وتحت قباب المعابد كلها.

خططنا لما سنفعله بتعويض نهاية الخدمة، وارتضينا دفع "الحلوان" لمن سيفرج لنا عنها لمجرد أنه سيفعل وفقاً لحقنا القانوني. شددنا أحزمةً وادّخرنا بالدم والدموع، كي تُنفق علينا الدولة الآن بدورها، كهرباء الحازوقة، ومياه النفوق، خبزاً وزيتاً لا بركة فيهما، ووقوداً يعبر الحدود السائبة بصهاريج هي مجموع "قججنا" جميعاً.. وبعضها كان على شكل بيت، سقفه قرميد وبابه حجر.

واظبنا على مشاوير المطار لوداع أحبّة، باكين مشتاقين سلفاً، وفرحين بنجاتهم وتالياً بنجاتنا معهم حالما تبدأ تحويلاتهم.

ادّخرنا في حساباتنا المصرفية، إذ حرَمنا أنفسنا وعائلاتنا من الكثير. رصفنا القِرش فوق القِرش، حرفياً، واستخسرنا في أجسادنا وأرواحنا بعضاً من مُتع الحياة، أملاً في سَكينة منتصف العُمر وخريفه. كي نطمئن على شيخوختنا التي تعلَّمنا أن لا مُعين لنا فيها سوى راحات أيدينا وحبّات عيوننا وحمولة أذرعنا. وكي نؤدي كامل واجباتنا "الحُلُمية" اتجاه أولادنا وأمهاتنا وآبائنا، من تعليم نفتخر به (مجدداً يؤهلهم للتصدير)، وطبابة ورعاية تماثل حبّنا لهم واعتمادهم علينا، أو تكاد.

لو علِمنا، فقط لو علِمنا، أنهم سيتطاولون على "الاحتياطي الإلزامي" في مصرف لبنان "كي لا يجوع الشعب"... فقط لو علمنا أنهم سيفتحون جزاديننا، سيمدون أيديهم عميقاً في جيوبنا هكذا لغَرف آخر ما تبقى من دولاراتنا كمودعين... كنا.. ماذا كنا لنفعل؟ مَن لا يملك منا فرصة الرحيل، أو حساباً مصرفياً في الخارج، ماذا كان ليغيّر في ما مضى وذاب؟ الخيال الجحيمي يقول إننا ربما كنا لنبدّد كل شيء على أنفسنا وأهلنا وجيراننا ومجهولين في الطرق. كنا لنهدره، هكذا، بدلاً من أن يُسرق. نُسرف وندفع ونشتري ونتملّك ونُعطي، حتى الثمالة. أو ربما ما كنا قلقنا ولا نزفنا أفكاراً وصحة ومشاعر، لإنتاج أي شيء، ولا عملنا في مكانين معاً، ولمدّدنا ساعات الكسل أياماً. ربما. لكننا الآن نموّل المنهَبة، الوقت الإضافي الفاصل بيننا وبين الزوال.

بعضنا ادّخر كي لا يحتاج الدولة، وهي ما هي مما لا يعوّل عليه، بل كي يقي نفسه تشبيحها. بعضنا كي لا يحتاج الزعيم. وإن وقف على بابه من قبل، مرات، وأسقط في الصندوق ورقة بإسمه، فلأنه يدرك أن للكَرَم حدود، وكذلك للكرامة المبعثرة. اليوم تسوُّلُ حجر أساس، وغداً بناء مستقر. يا للخديعة.

سعى اللبنانيون إلى خلاصات فردية، في بلد البؤس الجماعي. لا ملامة، ولا تنظير، فذلك كان الشباك الوحيد المفتوح، وما كان العقل ولا المنطق ولا صراع البقاء، ليُملوا غير ذلك. لكن دراما المفارقة تكمن في أنهم ظنوا ذلك ممكناً. وظنوا أن الوَهمَ، إن صمَد حفنة من السنين، لا يعود تلك التلّة الرملية تحت القلعة. ظنوا، عن حق وبكل الدلائل والقرائن المتوافرة آنذاك، أنهم، في جُزُرهم ومحمياتهم، سواء على مقاس الشخص أو العائلة النووية، العشيرة أو الطائفة، سيكونون في مأمن، إن عرفوا كيف يلعبون، إن اجتهدوا وابتكروا فأبدعوا صيغ الاستمرار بالقدر الأدنى من الراحة، الانعتاق من القلق، التحسّب، تخمين الأسوأ، من صورة المستقبل المشوشة دائماً وأبداً.

لم يسبقنا إلى مصيرنا بلد في العالم.. فكيف كنا سنعلم؟ لم تبدُ الحِسبة آيلة للكسر، ليس بهذه الطريقة، ولا لهذه الدرجة. الفساد، التخلّف، الرثاثة.. آفات كونيّة، لا تخص لبنان وحده. مَن كان ليحزر أنه لا نجاة لغالبية اللبنانيين، لمجموع الأفراد الذين ثابروا أو تشاطروا، معتصمين بحبال العصر، رأسمالياته وليبرالياته، وصولاً إلى أعتى توحشاته؟ من كان ليحزر أن بلاد منشئهم هذه ستكون هي السوسة الوحيدة في هريسة العالم بأسره؟

جعلنا لكل شيء بديل، وانخرطنا في بدائل العصابات الصغرى لسدّ فجوات العصابات الكبرى. ولعلنا فرحنا، ببراءة أطفال، بانتصارات تكتلاتنا المنمنمة، على نزاهتها وحسراتها وضيق ذوات أيديها. لشبكة المياه، بديل. للصرف الصحي، للنفايات، للكهرباء، للضمان الاجتماعي بديل، والحقوق الأساسية من مأكل ومشرب، مدرسة ودواء ومسكن، ومُحامٍ. حتى لحرية التعبير، وحقوق العمال والأجراء، والعمل السياسي، بديل نقابي أو تجمّع أو صفحة فايسبوك كأضعف إيمان. واعتقدنا أننا نجحنا. على الأقل، في إيقاف الفوضى عند حد، والظلم والخراب عند عتبة. اعتقدنا أننا سننفذ بريشنا. مهلهلاً، متقصفاً، أجرد. لكنه ريشنا، مُدفّئنا وساتِرنا، وأحياناً مُجمِّلنا. وها نحن ننتفه لنفهم، أفراداً أيضاً، وزُمَر: سننجو، لن ننجو، سننجو، لن...


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب